
النخبة هي الحل … من يستحق أن يقود؟
الحلقة الأولى
كتب رياض الفرطوسي
قبل أن نحكم على العبارة، علينا أن نسأل عن معناها. من هي (النخبة)؟
الكلمة في أصلها تعني المختار والمنتقى، كما تُنتخب أجود التمور من العذق. وقد سكنت هذه الفكرة عقل الإنسان منذ أن اجتمع في جماعة: في كل جماعة من يرى أبعد من غيره، فلماذا لا يقودها؟
أفلاطون أعطى الفكرة صياغتها الأولى في (الجمهورية). رأى أن السفينة لا تُسلَّم لأي راكب، بل لربانٍ يعرف النجوم والرياح، وأن المدينة كذلك، فلا يحكمها إلا الفلاسفة الذين روّضوا شهواتهم وتدرّبوا على إدراك الحق. وفي الصين، قبل أفلاطون بقرن تقريباً، قال كونفوشيوس إن الحكم فضيلة لا نسب، وإن (الرجل النبيل) يُعرف بخُلقه لا بدمه. وعلى هذه الفكرة قامت الامتحانات الإمبراطورية التي فتحت باب الإدارة أمام أبناء الفلاحين قروناً طويلة.
وعندنا في بغداد، حين أراد الفارابي أن يرسم مدينته الفاضلة، اشترط في الرئيس خصالاً: جودة الفهم، وقوة الذاكرة، وحب التعلم، والزهد في اللذات، وحب العدل وكره الجور. كأنه يكتب إعلاناً لوظيفة لم يشغلها أحد.
بهذا تبدو الفكرة النخبوية نبيلة: الأفضل يقود، والباقون يتبعون، فيرتفع الجميع. فلماذا إذن تُثير فينا ريبة؟
لأن الفلاسفة الثلاثة تحدثوا عن النخبة كما ينبغي أن تكون، أما التاريخ فيحدثنا عن النخبة كما كانت. وبين (ينبغي) و(كانت) مسافة طويلة، هي مسافة الدم في تاريخ السياسة. وأفلاطون نفسه، حين ذهب إلى صقلية ليجرّب فلسفته على طاغية سيراقوسة، عاد بخيبة كادت تنتهي ببيعه عبداً.
هناك فرق بين أن نؤمن بأن الحكمة تستحق التقدير، وأن نؤمن بأن الحكمة تكفي لإعطاء أصحابها مفاتيح القرار بلا رقيب. والنخبة هي الحل فعلاً، لكن بشرط واحد: أن نعرف كيف نُحاسبها.
وقبل أن نبحث في هذا الشرط، نحتاج إلى من فحصوا النخبة بعين العالِم لا بعين المحب. أولئك الذين قرروا في القرن العشرين أن يتخلوا عن الأحلام ويكتبوا ما يجري فعلاً.
في الحلقة القادمة نلتقي ثلاثة رجال دخلوا قاعة السياسة بمشرط الجراح، وخرجوا بقانون حديدي لا يزال يؤرق كل ديمقراطية.



