
المصباح المزيّف لا يبدّد العتمة… بل يطيل طريق الخيبة.
الكاتبة والمربية فاطمة يوسف بصل
ليس كل ضوءٍ في آخر الطريق نجاة، وليس كل ما يلمع في عتمة القلب فجرًا. بعض الأضواء تُشبه الحقيقة إلى حدّ الخداع، تلوح من بعيد كأنها يدٌ تمتدّ لإنقاذنا، فنمضي نحوها مطمئنّين، نخلع عن أرواحنا خوفها، ونضع في ذلك الضوء ما تبقّى لدينا من ثقة وأمل. ثم نمشي، ونمشي، حتى نكتشف أن المصباح لم يكن سوى وهمٍ مضيء، وأن الطريق الذي قطعناه لم يكن يقودنا إلى النجاة، بل إلى الخيبة. هكذا هي بعض الوعود؛ مصابيح تُضاء في قلوبنا لا لأن أصحابها يملكون نور الوفاء، بل لأنهم لا يملكون شجاعة الحقيقة.
ما أقسى أن تمنح إنسانًا وعدًا وأنت تعرف في أعماقك أنك لن تفي به. أن تقول له «أعدك» بينما شيءٌ في داخلك يعرف أن الكلمة ستبقى معلّقة في الهواء، وأن الذي أمامك قد يأخذها إلى قلبه ويبني عليها مستقبلًا. فالإنسان لا يسمع الوعد كما يسمعه قائله؛ قد يقوله أحدهم في لحظة عابرة، لكن الآخر قد يعيش عليه أيامًا وشهورًا، وربما سنوات. قد يكون الوعد بالنسبة إليك جملةً تنهي بها موقفًا محرجًا، لكنه بالنسبة إلى إنسان آخر بداية انتظار طويل.
وهنا تكمن الخطيئة الحقيقية: ليست في أنك لم تستطع الوفاء، بل في أنك عرفت أنك لن تفي، ومع ذلك تركت الآخر يؤمن. كان بإمكانك أن تقول: «لا أستطيع»، أو «لا أريد»، أو «لا أعرف»، وكان بإمكانك أن تواجه لحظة الألم بصدق، لكنك اخترت أن تمنح الأمل بدل الحقيقة. وما أسهل الأمل حين نمنحه بالكلمات، وما أثقل ثمنه حين يدفعه شخص آخر من عمره وقلبه وراحته.
فالرفض، مهما كان قاسيًا، واضح. قد يبكي الإنسان من كلمة «لا»، لكنه يعرف بعدها أين يقف، وإلى أين يتجه، وما الذي عليه أن يتركه خلفه. أما الوعد الكاذب، فيبقيه عالقًا في منطقة رمادية، لا هو قادر على الرحيل، ولا هو قادر على الوصول. يعيش بين «ربما» و«غدًا» و«انتظر قليلًا»، وكلما حاول أن يخطو بعيدًا أعادته كلمةٌ قديمة إلى النقطة نفسها.
الرفض يوجع القلب مرة، أما الوعد الخادع فيجعله ينتظر خيبته كل يوم.
كم من إنسان لم يكن يحتاج أكثر من حقيقة واحدة كي يبدأ حياته من جديد، لكنه حصل بدلًا منها على عشرات الوعود؟ وكم من قلبٍ بقي واقفًا أمام بابٍ مغلق، لأن أحدهم ظلّ يضيء فوقه مصباحًا زائفًا ويقول له: «انتظر، سيُفتح»؟ وكم من عمرٍ مضى في انتظار شخصٍ لم يكن ينوي المجيء أصلًا؟
إن أقسى أنواع الخذلان أن تُبقي إنسانًا مؤمنًا بشيء تعرف أنت أنه لن يحدث. لأنك بذلك لا تسلبه الحقيقة فقط، بل تسلبه الوقت أيضًا. والوقت هو الشيء الوحيد الذي لا يستطيع الإنسان استعادته بعد أن يمنحه للوهم.
لذلك، لا تعد أحدًا فقط لأنك تخشى خسارته. لا تمنحه وعدًا لتؤجل مواجهة لا تملك شجاعتها. لا تقل «سأكون معك» إذا كنت تعرف أنك سترحل عند أول اختبار. لا تقل «سأفعل» إذا كانت نيتك لا تتجاوز لحظة الكلام. ولا تفتح في قلب إنسان نافذة على مستقبل لا تنوي أن تكون جزءًا منه.
فليس من الرحمة أن تمنح الإنسان ما يريد سماعه، بل أن تمنحه ما يحتاج إلى معرفته.
قد تكون الحقيقة ثقيلة، لكنها نظيفة. قد يكون الرفض موجعًا، لكنه يحفظ الكرامة. قد تنتهي علاقة بسبب كلمة صادقة، لكن الصدق يترك خلفه مساحةً للشفاء. أما الوعد الكاذب، فإنه لا ينهي العلاقة حين ينكشف، بل يفتح داخلها جرحًا آخر: جرح الثقة. وحين تنكسر الثقة، لا يعود السؤال: «لماذا لم تفعل؟» فقط، بل يصبح السؤال الأشد وجعًا: «لماذا جعلتني أصدقك وأنت تعرف أنك لن تفعل؟»
الإنسان الصادق لا يحتاج إلى أن يكثر من الوعود. أفعاله تتحدث عنه، وحضوره يثبت كلماته، وغيابه لا يحتاج إلى قصص طويلة. أما من يوزّع الوعود بلا حساب، فهو كمن يوزع خرائط على العابرين دون أن يعرف الطريق. قد يبدو كريمًا بالكلمات، لكنه يترك الآخرين أكثر ضياعًا.
وما أجمل أن تكون الكلمة على قدر القدرة، والوعد على قدر النية، والحضور على قدر الكلام. أن تقول «سأفعل» فتفعل، وأن تقول «لا أستطيع» حين تعجز، وأن تقول «لا» حين تكون «لا» هي الحقيقة. ليست الشجاعة أن تقول للناس ما يطمئنهم، بل أن تقول لهم ما تعرف أنه حق، حتى لو كان الحق سيغضبهم أو يحزنهم.
فالمصباح الحقيقي لا يحتاج إلى أن يقسم بأنه نور؛ يكفي أن يضيء. أما المصباح المزيّف، فيحتاج إلى الكلام كي يقنع العابرين بأنه يعرف الطريق.
ولذلك، لا تكن ذلك المصباح في حياة أحد. لا تضيء طريقًا لا تنوي السير فيه، ولا تزرع أملًا تعرف أنك ستقتلع جذوره لاحقًا، ولا تجعل قلب إنسان محطةً مؤقتة لوعودك. إن لم تستطع أن تمنحه ما ينتظر، امنحه الحقيقة؛ فهي، رغم قسوتها، أكرم من انتظارٍ طويل لا نهاية له.
وفي آخر الطريق، ستدرك القلوب أن أكثر ما يؤلمها لم يكن غياب الذين وعدوا، بل ذلك الضوء الذي أشعلوه فيها ثم تركوه ينطفئ وهي ما تزال تمشي نحوه. فالإنسان يستطيع أن يتصالح مع بابٍ أُغلق في وجهه، لكنه يصعب عليه أن يغفر لمن أبقاه واقفًا أمام بابٍ وهمي، يطرقه كل يوم، بينما صاحبه يعرف منذ البداية أنه لن يُفتح. لذلك، لا تكن مصباحًا مزيّفًا في حياة أحد؛ لا تُضيء له طريقًا لا تنوي السير فيه، ولا تمنحه وعدًا تعرف أن نهايته خيبة. كن صادقًا حتى في رفضك، نقيًّا حتى في رحيلك، واضحًا حتى في غيابك؛ فجرح الحقيقة يلتئم، أما جرح الوهم فيترك في الروح ندبةً تسأل طويلًا: لماذا أضأتَ لي الطريق، وأنت تعرف أنك لن تكون في نهايته؟
فإن لم تملك أن تمنح أحدًا فجرًا، فلا تصنع له ليلًا من الانتظار؛ وإن لم تستطع أن تكون وعدًا يُوفى، فلا تكن كذبةً تتزيّن بثوب الأمل. فالظلام الصادق أرحم من نورٍ خادع، والرفض النبيل أكرم من وعدٍ كاذب، والحقيقة مهما أوجعت القلب تبقى أقل خيانةً من أملٍ جميلٍ صُمّم منذ البداية كي ينكسر.



