معضلة الصحراء الغربية : هل يجرؤ ترامب على ترجمة “حبر الاعتراف” إلى واقع مستدام أم يكتفي بإشعال فتيل التسوية؟ 

 

أشرف التهامي.

 

حين يلتقي صانعو القرار في تل أبيب وواشنطن والرباط على طاولة واحدة، لا يقتصر الأمر على مجرد هندسة تحالفات عابرة، بل يمتد ليكون اختباراً قاسياً لدروس التاريخ؛ فإسرائيل التي تعلمت بمرارة أن “الاعتراف الدبلوماسي” وحده لا يحصن الحدود ولا يصنع أمناً مستداماً، تقف اليوم داخل مثلث استراتيجي معقد تراقب كيف تسعى واشنطن لترجمة اعترافها بسيادة المغرب على الصحراء الغربية إلى واقع عملي.

إنها معركة تثبت فيها تل أبيب ومن خلفها حلفاؤها أن الأوراق السياسية والبيانات الرسمية تظل حبرًا على ورق ما لم تتحول إلى ترتيبات أمنية وحوافز سياسية تقتلع النزاعات من جذورها، لتبدأ هنا الفاصلة الحقيقية بين هيبة الإعلان وقسوة التسوية.

مع تزايد الرسائل الدبلوماسية الأمريكية بشأن الصحراء الغربية أواخر الشهر الماضي، بحث المراقبون في عواصم الشرق الأوسط عن مؤشرات تشير إلى تراجع في الموقف.

فعلى الورق، لا تزال واشنطن تعترف بسيادة الرباط على هذه المنطقة؛ غير أن مسؤولين كباراً في الإدارة الأمريكية باتوا يشددون على أن الصراع -المستمر منذ خمسة عقود- لا يزال بلا حل، وأنه لا تلوح في الأفق أي بوادر لنهايته قريباً.

خطوة أمريكية ذات طابع استراتيجي أعمق.

قد يبدو الأمر للمراقب العادي وكأنه تردد أو تراجع من جانب قوة عظمى، لكنه في الواقع يعكس خطوة ذات طابع استراتيجي أعمق؛ إذ لم تتخلَّ واشنطن عن سياستها أو تغير غايتها النهائية، بل انتقلت من مرحلة إعادة تأكيد الاعتراف إلى مرحلة آليات التسوية الدبلوماسية المحفوفة بمخاطر عالية ورهانات كبيرة.

 

معضلة الصحراء الغربية : هل يجرؤ ترامب على ترجمة “حبر الاعتراف” إلى واقع مستدام أم يكتفي بإشعال فتيل التسوية؟ 5171

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، والرئيس الأمريكي دونالد ترامب، والعاهل المغربي الملك محمد السادس.

ما علاقة الكيان الإسرائيلي؟

بحسب الساسة الإسرائيليين ، يُعد فهم هذا التحول العملياتي أمراً جوهرياً بالنسبة للسياسة الإسرائيلية؛ إذ تتجلى لإسرائيل عبرةٌ فورية مفادها أن الاعتراف الاستراتيجي قد يعزز موقف الحليف، غير أن قيام بنية إقليمية مستدامة يعتمد على ما يلي مرحلة الإعلان، حين يتعين على الشركاء تحويل الالتزامات الدبلوماسية إلى مؤسسات وترتيبات أمنية وحوافز سياسية.

يبدأ هذا التصور الخاطئ من مسألة التوقيت؛ ففي حين برز تركيز واشنطن الشديد على الطبيعة غير المحسومة للصراع في شهر سبتمبر، كانت البذور قد زُرعت قبل ذلك بأسابيع.

ففي الأول من أغسطس، بعث الرئيس دونالد ترامب برسالة صريحة إلى الملك محمد السادس، أكد فيها مجدداً وبلا لبس اعتراف الولايات المتحدة بسيادة المغرب على الصحراء الغربية، واصفاً مقترح الحكم الذاتي المغربي بأنه الأساس الوحيد لحل عادل ودائم.

والأهم من ذلك، تضمنت الرسالة نفسها تحذيراً عاجلاً مفاده أن أي مسار آخر لن يؤدي إلا إلى إطالة أمد الوضع الراهن، وأن الصراع يجب أن ينتهي الآن.

لم يشهد شهر سبتمبر تحولاً في السياسة الأمريكية، بل كشف عما تنوي واشنطن فعله بتلك السياسة ، إذ لم يعد السؤال يتمحور حول ما إذا كانت واشنطن ستعترف بالسيادة المغربية، بل عما إذا كان بالإمكان تحويل ذلك الاعتراف إلى تسوية سياسية.

محادثات أمريكية مغربية إسرائيلية رفيعة المستوى.

اكتسبت تلك الاستراتيجية زخماً في 16 سبتمبر، حين شاركت كل من واشنطن والرباط وتل أبيب في محادثات رفيعة المستوى ، وقد شكّل الاتفاق المُبرم في ذلك التاريخ -والقاضي بترقية مستوى البعثات الدبلوماسية وتعيين سفراء- خطوةً رئيسيةً أخرى في مسار العلاقات.

كما أكد الاجتماع الثلاثي ذاته مجدداً اعتراف الولايات المتحدة وإسرائيل بالسيادة المغربية على الصحراء الغربية، مشدداً على أن أي بدائل لخيار الحكم الذاتي من شأنها إطالة أمد عدم الاستقرار، وبالنسبة للرباط وتل أبيب، مثّل ذلك تأكيداً علنياً على توافق استراتيجي يرتكز على إطار “اتفاقيات أبراهام”.

غير أنه في الأيام التي تلت ذلك، طرأ تغيير ملحوظ على التركيز العملياتي لدى كبار المسؤولين الأمريكيين؛ ففي 25 سبتمبر، أشار نائب وزير الخارجية كريستوفر لانداو إلى أنه -رغم دعم الولايات المتحدة لعملية التنمية في ظل السيادة المغربية- لا يمكن الإبقاء على الوضع الراهن إلى ما لا نهاية.

وبعد يومين، صرّح مسعد بولس، مستشار ترامب للشؤون العربية، لقناة “فرانس 24” بأن الاعتراف الأمريكي يظل ثابتاً، لكنه أقرّ بعدم وجود حل وشيك للأزمة.

وكشف بولس عن إجراء ثلاث جولات من المفاوضات شملت المغرب وجبهة البوليساريو والجزائر وموريتانيا، وأن واشنطن بانتظار رد فعل جبهة البوليساريو.

بالنسبة للمنتقدين.

بدت هذه التصريحات المتتابعة وكأنها تنطوي على تناقض؛ فإذا كانت الولايات المتحدة تعترف بالسيادة المغربية وتعتبر الحكم الذاتي الركيزة الوحيدة للتسوية، فلماذا تتعامل مع النزاع باعتباره مشكلة ملحة تتطلب وساطة دولية؟

تكمن الإجابة في تمييز جوهري؛ إذ فصلت واشنطن بين مسألتين مختلفتين:

· الأولى تتعلق برؤيتها لشكل الإطار السياسي النهائي.

· الثانية تتعلق بما إذا كانت الأطراف الإقليمية الفاعلة قد توصلت بالفعل إلى اتفاق قابل للتنفيذ.

والحقيقة هي أنها لم تفعل ذلك بعد.

 

معضلة الصحراء الغربية : هل يجرؤ ترامب على ترجمة “حبر الاعتراف” إلى واقع مستدام أم يكتفي بإشعال فتيل التسوية؟ 5241

المغاربة يحتفلون بدعوة مجلس الأمن الدولي إلى تمكين البلاد من السيادة على الصحراء الغربية.

تلك هي الرؤية الجوهرية التي تكمن وراء التحرك الأمريكي الراهن؛ إذ ثمة فرق شاسع بين القول “نحن نعترف بسيادة المغرب” والقول “لقد انتهى النزاع”. فالأول يمثل سياسة أمريكية رسمية، بينما الثاني لم يصبح بعد واقعاً سياسياً.

الفرق بين الاعتراف بالسادة و التسوية.

إن الاعتراف يُعد سياسة، غير أن التوصل إلى تسوية دائمة يتطلب دبلوماسية ، لم تغير واشنطن موقفها بشأن الصحراء الغربية، بل غيّرت السؤال العملي الذي تسعى للإجابة عنه؛ فقد انتقل التركيز من التساؤل “هل ستعترف أمريكا بمطالب الرباط؟” إلى التساؤل “هل تستطيع أمريكا تحويل ذلك الاعتراف إلى نظام إقليمي مستقر قائم على التفاوض؟”.

يتطلب تحقيق هذه النقلة النوعية التعامل مع الفجوة الجوهرية بين السياسة الأمريكية ومبادئ الأمم المتحدة؛ ففي حين تعتبر واشنطن صراحةً مقترح الحكم الذاتي المغربي الأساسَ الوحيد القابل للتطبيق للتوصل إلى حل، يعمل مجلس الأمن الدولي وفق تفويض دبلوماسي أوسع نطاقاً.

إذ يصف قرار مجلس الأمن رقم 2797 -الذي يمدد عمل بعثة الأمم المتحدة حتى 31 أكتوبر 2026- مقترح المغرب بأنه أساس جاد للنقاش، لكنه يدعو في نهاية المطاف إلى حل سياسي مقبول للطرفين.

وهنا تبرز أهمية الدبلوماسية النشطة في ردم الهوة بين تفضيل واشنطن القوي للحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، وبين اشتراط الإطار الأممي التوصل إلى تسوية سياسية مقبولة للطرفين.

ماذا عن الجزائر؟

وتساعد هذه الحقيقة في تفسير استعداد واشنطن للتواصل المباشر مع الجزائر؛ ففي منتصف شهر سبتمبر، زار “بولوس” الجزائر العاصمة لعقد اجتماعات مع الرئيس عبد المجيد تبون.

ورغم أن البيانات الرسمية الصادرة عن اللقاءات ركزت على التعاون الثنائي الأوسع والأمن الإقليمي، إلا أن توقيت الزيارة يتزامن مع مسار مفاوضات الصحراء.

إن واشنطن لا تتجه نحو تبني الموقف الجزائري أو تأييد مزاعم جبهة البوليساريو، بل يدرك الدبلوماسيون الأمريكيون حقيقة بسيطة مفادها أن الجزائر طرف أساسي في المعادلة الإقليمية، وأن تجاهلها تماماً لن يؤدي إلى حل النزاع.

وبدلاً من الاعتماد الكلي على الضغوط القسرية، سيتعين على واشنطن خلق حوافز أقوى تدفع الجزائر للمشاركة البنّاءة في إطار سياسي تفاوضي.

وفي الوقت نفسه، يتعين على المفاوضين الأمريكيين تهيئة الظروف التي تجعل جبهة البوليساريو ترى في الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية خياراً أفضل من العزلة اللانهائية.

وعلاوة على ذلك، سيتوجب على المغرب أن يبرهن للمجتمع الدولي أن مقترحه للحكم الذاتي هو مقترح جوهري ومستدام وذو دلالة سياسية حقيقية، وليس مجرد خطوة رمزية.

بالنسبة للسياسة الخارجية الإسرائيلية.

تحمل هذه الديناميكية في شمال أفريقيا دروساً حيوية تتجاوز حدود الرباط؛ فلم يعد المغرب لاعباً بعيداً، بل تطورت العلاقة معه لتصبح شراكة استراتيجية.

ومع ذلك، تجد إسرائيل نفسها الآن داخل مثلث استراتيجي غير مألوف:

فتل أبيب وواشنطن تعترفان بالسيادة المغربية، وفي الوقت ذاته تؤكد واشنطن للمنطقة أن الاعتراف الرسمي لا يعني انتهاء المهمة الدبلوماسية.

لذا، ينبغي على إسرائيل ألا تفسّر الدقة والتحفظ في الموقف الأمريكي على أنه تراجع؛ ففي دبلوماسية الشرق الأوسط، ثمة نزعة مستمرة للتعامل مع كل تصريح رسمي وكأنه لوحة نتائج، حيث تُعتبر العبارات مؤشراً إما على الانتصار أو على تقديم تنازلات، في حين أن موقف واشنطن يتسم بالتعقيد والنضج الاستراتيجي.

لا يزال الاعتراف الأمريكي الجوهري قائماً دون تغيير، غير أن ما تزايد هو عزم الإدارة الأمريكية على فرض تسوية سياسية فعلية قبل أن تتفاقم التوترات الإقليمية المجمدة وتتحول إلى صراع مفتوح.

لقد اختبرت إسرائيل مراراً، وبشكل قاسٍ، الفارق بين الاعتراف الدولي والأمن المستدام؛ ففي حين تُعد البيانات الرسمية والدعم الخارجي القوي ركائز لا غنى عنها، إلا أنها لا تزيل تلقائياً التهديدات الأمنية الكامنة ولا تحسم الخصومات الإقليمية.

ولا تكتسب أي بنية استراتيجية طابع الاستقرار إلا عندما يرى الفاعلون الرئيسيون حوافز واضحة للحفاظ عليها؛ فالبيانات قادرة على تغيير الأجواء العامة، لكنها تعجز عن خلق توافق سياسي فعلي على أرض الواقع.

تشير أحدث تقارير الأمم المتحدة إلى أن هذا التحول لم يعد مجرد مسألة خطابية؛ إذ يصف التقرير الذي قدمه الأمين العام أنطونيو غوتيريش في الأول من أكتوبر/تشرين الأول مفاوضاتٍ بدأت تتناول الهيكلية العملية لتسوية محتملة، بما في ذلك مقترح المغرب للحكم الذاتي الموسع، والترتيبات الانتقالية، والضمانات الدولية، وآليات التشاور.

ورغم عدم التوصل إلى اتفاق نهائي بعد، إلا أن الدبلوماسية تنتقل بشكل متزايد من مناقشة المبادئ إلى بحث قضايا التنفيذ.

مع اقتراب الموعد النهائي في 31 أكتوبر (تشرين الأول) لانتهاء تفويض مجلس الأمن الدولي، تواجه واشنطن اختباراً حاسماً لمهاراتها في إدارة السياسة الخارجية.

إذ يتعين على إدارة ترامب تحديد حجم الرصيد الدبلوماسي الذي ترغب في توظيفه، ومدى قدرتها على الضغط على الأطراف الإقليمية دون تعريض مصالحها في شمال أفريقيا للخطر، فضلاً عن تحديد مستوى المرونة التي تتوقعها من الرباط.

وإذا نجحت واشنطن في الجمع بين الاعتراف والدبلوماسية المستمرة لتحويل نزاعٍ جامدٍ إلى تسوية سياسية ملزمة، فإنها ستضع بذلك نموذجاً يُحتذى به في تسوية النزاعات؛ أما إذا تعثرت العملية، فسيُكشف بوضوح عن حدود فاعلية الاعتراف.

إن الاختبار الحقيقي للدبلوماسية لا يكمن في مدى الجرأة التي يبدو عليها الإعلان الرئاسي لحظة صدوره، بل في قدرته على الصمود أمام التسويات. ورغم أن واشنطن تقف بقوة إلى جانب الرباط، إلا أن إقرارها بأن الاعتراف وحده لم يحل المشكلة قد أدخل السياسة الأمريكية في مرحلة تتطلب جهداً كبيراً.

لقد حسم ترامب بالفعل مسألة السيادة، لكن السؤال الأصعب يكمن فيما إذا كانت واشنطن قادرة على تحويل ذلك الاعتراف إلى تسوية يقبلها المغرب، وتتعايش معها الجزائر، وتنخرط فيها جبهة البوليساريو، وتصادق عليها الأمم المتحدة. وهنا تنتهي حدود الاعتراف الرئاسي وتبدأ الدبلوماسية.

وفي نهاية المطاف، تتكشف الحقيقة العارية أمام أروقة صنع القرار الدولي؛ فالاعتراف الرئاسي الجريء ليس سوى عتبة الباب، بينما الدبلوماسية الحقيقية هي الممر الوعر المظلم الذي ينتظر العبور.

فبين إصرار مغربي لا يلين، وعناد جزائري متجذر، ومخاوف أممية وحسابات إسرائيلية معقدة، يبقى السؤال الأثقل معلقاً في الهواء: حين تضع المعركة أوزارها، هل تنجح واشنطن في هندسة سلام مستدام يعيد صياغة الإقليم، أم يظل الصراع رهينةً لخطابات لا تملك من أمر الواقع شيئاً، لتنتهي حدود الاعتراف وتبدأ معركة الحقيقة الصعبة؟

 

شارك