النخبة هي الحل بأي ميزان؟

 

الحلقة الرابعة 

كتب رياض الفرطوسي

 

كل نخبة في التاريخ اختارها ميزان ما. والمشكلة أن الميزان نفسه يصنع طبيعة النخبة.

 

حين كان الميزان النسب، حكمت الأسر، وانتقل الحكم من الأب إلى الابن بصرف النظر عن كفاءته. وحين كان الميزان السيف، حكم الأقوى، وانتهت الدولة بموته أو بموت سيفه. وحين كان الميزان المال، اشترى الأغنياء القرار. وحين كان الميزان العقيدة، حكم من يملك اليقين، وتحول كل مخالف إلى عدو. وحين كان الميزان الشهادة والامتحان، كما في الصين، نشأت طبقة موظفين كفؤة، لكنها ضاقت أحياناً بالتجديد وحبست نفسها في حفظ النصوص.

 

والجدارة نفسها، التي تبدو أعدل المعايير، لم تسلم من النقد. فقد ابتكر عالم الاجتماع البريطاني مايكل يانغ عام 1958 كلمة (الميريتوقراطية) (حكم الجدارة) في كتاب ساخر، ليحذّر من مجتمع تحكمه النخبة الأذكى فينتهي بأن يشعر الفاشلون أن فشلهم استحقاق لا ظلم، فيفقدون الأمل والكرامة معاً. وأراد أن يقول: الجدارة بلا تواضع وبلا تكافؤ فرص تتحول إلى وراثة متنكرة، فأبناء المتعلمين يتعلمون أكثر، ويرثون الفرص بغطاء الاستحقاق.

 

وثمة مثال معاصر يستحق الوقوف عنده: سنغافورة. دولة صغيرة بلا موارد، اختار قادتها نخبة تكنوقراطية بالغة الكفاءة، وحققت نمواً مذهلاً. يقول أنصار الفكرة النخبوية: هنا الدليل. ويرد المخالفون: لكن المحاسبة فيها محدودة، والنجاح الذي يعتمد على حسن نية القادة قد لا يتكرر حين يتغير القادة. والحقيقة أن التجربة وُلدت في ظروف خاصة، ولا تُستورد كما تُستورد الآلات.

 

هنا نصل إلى مبدأ كتبه المؤرخ البريطاني اللورد أكتن في عبارته الشهيرة: (السلطة مفسدة، والسلطة المطلقة مفسدة مطلقة). لم يقل إن الحكام أشرار، بل قال إن السلطة تُغيّر من يحملها. والنخبة المستنيرة التي تُعفى من المساءلة لن تبقى مستنيرة طويلاً. إنها ليست مسألة أخلاق أفراد، بل مسألة بنية: كل قوة تحتاج إلى قوة أخرى تكبحها.

 

فالميزان الذي نبحث عنه ليس ميزاناً واحداً. هو مجموعة موازين: كفاءة تُختبر، وشفافية تُكشف، وانتخاب يُجدَّد، وقضاء يُستقل، وصحافة تُسائل. وكلها تعمل معاً لتحفظ النخبة من أن تتحول إلى طبقة مغلقة.

 

وهذا كله كلام عن العالم. فماذا عن بلادنا؟ كيف كانت نخبتنا، من أول كاتب في سومر إلى آخر وزير في بغداد؟

 

في الحلقة القادمة نعود إلى أرضنا، ونسأل: ماذا تقول ألواح الطين وشوارع المدينة عن نخبة العراق؟

شارك