العراق بين إرث الحضارة وأزمات الدولة: هل يستعيد بلاد الرافدين دوره الإقليمي؟

 

بحث تاريخي وسياسي واقتصادي واجتماعي، يتناول العراق من جذوره الحضارية إلى تحولات ما بعد الاحتلال الأميركي، وموازين القوى الداخلية والإقليمية، والآفاق التي تنتظره حتى عام 2026.

من مهد الحضارات إلى دولة تتنازعها المشاريع

ليس العراق مجرد دولة عربية تقع في قلب الشرق الأوسط، بل هو أحد الأماكن التي تعلّمت فيها البشرية كيف تكتب تاريخها، وتنظّم مدنها، وتشرّع قوانينها، وتبني مؤسسات الحكم. فمن بلاد سومر وأكد وبابل وآشور انطلقت تجارب مبكرة في الكتابة والإدارة والتشريع، وفي أرض الرافدين نشأت حضارات تركت أثرها في مسيرة الإنسانية. ثم تعاقبت عليه العصور الفارسية واليونانية والرومانية، قبل أن يصبح، بعد الفتح الإسلامي، مركزاً سياسياً وعلمياً بالغ التأثير.

وفي عام 762م، أسّس الخليفة العباسي أبو جعفر المنصور مدينة بغداد، التي تحولت في العصر العباسي إلى إحدى أعظم حواضر العالم، ومركز للترجمة والفلسفة والطب والرياضيات والأدب. وفيها ازدهرت حركة نقل المعارف، وتألّق علماء ومفكرون مثل الخوارزمي والجاحظ والكندي. ولم تكن بغداد يومها عاصمة سياسية فحسب، بل ملتقى للحضارات والثقافات، قبل أن تتعرض عام 1258م للغزو المغولي الذي ألحق بها دماراً هائلاً.

وفي العصر الحديث، تأسست المملكة العراقية عام 1921، ثم أُعلنت الجمهورية عام 1958. وعاش العراق بعد ذلك انقلابات وصراعات سياسية، حتى استولى حزب البعث على السلطة عام 1968، وصعد صدام حسين إلى الرئاسة عام 1979. وأدخلت حربه مع إيران، بين 1980 و1988، ثم غزو الكويت عام 1990 وما أعقبه من حرب وحصار، البلاد في دوامة استنزاف أضعفت مجتمعها واقتصادها ومؤسساتها.

لكن التحول الأخطر وقع عام 2003، حين غزت الولايات المتحدة وبريطانيا العراق وأسقطتا نظام صدام حسين، استناداً إلى مبررات امتلاك أسلحة دمار شامل ثبت لاحقاً أنها غير صحيحة. ولم يكن إسقاط النظام نهاية الأزمة، بل بداية إعادة تشكيل الدولة والمجتمع وموازين النفوذ في المنطقة.

الاحتلال وما بعده: كيف تغيّرت بنية الدولة؟

أدى حل الجيش العراقي واجتثاث حزب البعث والتفكيك الواسع لأجهزة الدولة إلى فراغ أمني وإداري خطير. وبدلاً من بناء مؤسسات وطنية قادرة على استيعاب المجتمع، نشأ نظام سياسي يقوم عملياً على تقاسم النفوذ بين قوى وأحزاب ذات قواعد مذهبية وقومية.

وأنتجت المرحلة الجديدة صراعات مسلحة، واحتقاناً طائفياً بلغ ذروته خلال سنوات الاقتتال الأهلي، ولا سيما بين عامي 2006 و2008. ثم جاء تنظيم «الدولة الإسلامية» (داعش)، فسيطر عام 2014 على الموصل ومساحات واسعة من البلاد، مستفيداً من ضعف المؤسسات الأمنية، والتهميش السياسي، والانقسامات الاجتماعية. وأعلنت بغداد الانتصار العسكري عليه في أواخر عام 2017، بمشاركة القوات العراقية والبيشمركة والحشد الشعبي والتحالف الدولي، لكن هزيمة التنظيم إقليمياً لم تعنِ اختفاء خلاياه أو انتهاء الأسباب التي ساعدت على ظهوره.

وفي أكتوبر 2019، خرجت احتجاجات شعبية واسعة، خصوصاً في بغداد ومحافظات الجنوب، مطالبة بمكافحة الفساد، وتوفير فرص العمل والخدمات، وإنهاء هيمنة الأحزاب والسلاح، ورفض التدخلات الخارجية. وقد كشفت تلك الاحتجاجات أن الأزمة العراقية ليست خلافاً بين الطوائف وحدها؛ إنها أيضاً أزمة مواطنة وثقة وعدالة اجتماعية ومحاسبة سياسية.

أما اليوم، فتواجه الدولة تحدياً إضافياً يتمثل في كيفية إخضاع جميع القوى المسلحة لسلطة المؤسسات الدستورية، مع الحفاظ على الأمن ومنع عودة التنظيمات الإرهابية أو انزلاق البلاد إلى صراع إقليمي جديد.

هل العراق بلد مقسّم بين السنة والشيعة والأكراد؟

من الناحية القانونية، العراق دولة واحدة، وليس دولة مقسّمة إلى كيانات مذهبية أو قومية مستقلة. لكن نظام المحاصصة السياسية، الذي ترسخ بعد عام 2003، جعل الانتماء المذهبي والقومي عاملاً مؤثراً في توزيع المناصب والنفوذ. واستقر عرف سياسي على أن يكون رئيس الجمهورية كردياً، ورئيس الوزراء شيعياً، ورئيس مجلس النواب سنياً، رغم أن الدستور لا ينص على هذه القسمة.

ويمتلك الأكراد إقليماً اتحادياً يتمتع بصلاحيات واسعة في شمال البلاد، فيما تتوزع القوى العربية السنية والشيعية على أحزاب وتيارات متنافسة. وبين هذه المكونات قوى وطنية ومدنية تتجاوز الانقسامات، لكن نفوذها لم ينجح حتى الآن في إنهاء هيمنة شبكات الأحزاب والمصالح.

لذلك، فإن وصف العراق بأنه مقسّم يحتاج إلى الدقة: إنه ليس مقسّماً جغرافياً بالمعنى القانوني، لكنه يعاني انقساماً سياسياً ومجتمعياً، وتفاوتاً في توزيع السلطة والموارد، وتبايناً في الولاءات والتحالفات. والخطر الحقيقي ليس في تنوع العراقيين، بل في تحويل هذا التنوع إلى حصص دائمة تتقدم على مفهوم المواطنة والدولة.

من يحكم العراق اليوم؟ ومن يؤثر في قراره؟

شهد العراق انتخابات برلمانية في نوفمبر 2025، أعقبها تشكيل حكومة جديدة برئاسة علي الزيدي في مايو 2026، فيما اختير نزار آميدي رئيساً للجمهورية في أبريل من العام نفسه. وأظهرت الانتخابات استمرار قوة الإطار التنسيقي، الذي يضم أحزاباً شيعية متعددة، بينها قوى قريبة من إيران، إلى جانب منافسة قوى أخرى على تشكيل الحكومة وتحديد أولوياتها.

لكن السلطة العراقية لا تختزل في رئيس الحكومة أو البرلمان. فهناك الأحزاب التقليدية، والقوى المسلحة المنضوية ضمن الحشد الشعبي أو المرتبطة بفصائل منه، والقيادات الكردية، والقوى السنية، والمؤسسات الأمنية والاقتصادية، فضلاً عن المرجعية الدينية في النجف، التي تتمتع بثقل معنوي واجتماعي، وإن لم تكن مؤسسة تنفيذية.

وخارجياً، تتقدم الولايات المتحدة وإيران وتركيا على قائمة الأطراف المؤثرة، وإن اختلفت أدوات كل منها. تريد واشنطن عراقاً مستقراً لا يتحول إلى قاعدة لخصومها، وتستخدم أدوات أمنية ومالية ودبلوماسية للتأثير في خياراته. وتسعى طهران إلى الحفاظ على علاقاتها السياسية والأمنية والاقتصادية مع بغداد، وعلى نفوذ حلفائها العراقيين. أما أنقرة، فتركز على أمن حدودها ومواجهة حزب العمال الكردستاني، إلى جانب المياه والتجارة والطاقة والممرات البرية.

وهكذا يجد العراق نفسه بين ثلاث قوى إقليمية ودولية تتقاطع مصالحها على أرضه، فيما تحاول دول الخليج والأردن ومصر توسيع التعاون الاقتصادي العربي معه، ومنع احتكاره من محور واحد.

علاقات الجوار: بين الضرورة الاقتصادية والحسابات الأمنية

تربط العراق بإيران حدود طويلة وعلاقات تجارية ودينية واجتماعية عميقة، لكنها تترافق مع خلافات حول السيادة وحدود النفوذ المسلح. ومع تركيا، تتداخل التجارة والطاقة ومياه دجلة والفرات والعمليات العسكرية التركية في شمال العراق، بينما يفتح مشروع «طريق التنمية» فرصة لتحويل ميناء الفاو إلى ممر تجاري يصل الخليج بتركيا وأوروبا.

أما علاقته بالكويت، فتحمل إرث الغزو السابق، لكنها شهدت أيضاً تعاوناً دبلوماسياً واقتصادياً. وتربطه بالأردن مصالح تجارية ونفطية، فيما تمثل السعودية وبقية دول الخليج مجالاً مهماً للاستثمار والتكامل الاقتصادي. ومع سوريا، تبرز ملفات الحدود ومكافحة داعش والتجارة وحركة الجماعات المسلحة. وتبقى قدرة بغداد على إدارة هذه العلاقات من دون الانخراط في صراعات الآخرين اختباراً أساسياً لسيادتها.

الاقتصاد والخدمات: لماذا لا تتحول الثروة إلى رفاه؟

يمتلك العراق احتياطيات نفطية ضخمة وموارد بشرية ومائية وزراعية، لكنه يعتمد بدرجة مقلقة على النفط. ووفق البنك الدولي، شكّل النفط عام 2025 نحو 53% من الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي، و88% من الإيرادات الحكومية، و91% من صادرات السلع. كما بلغت البطالة نحو 13.5%، مع تحديات كبيرة في تشغيل الشباب وتوسيع القطاع الخاص.

وتنعكس هذه البنية على حياة الناس: فرص العمل محدودة خارج القطاع الحكومي، والفساد وضعف الإدارة يعرقلان تحويل الإنفاق العام إلى خدمات مستدامة. ولا تزال الكهرباء والمياه والبنية التحتية، خصوصاً في المناطق الأكثر حرماناً، من الملفات التي تختبر قدرة الدولة على الوفاء بالتزاماتها. ويزيد شح المياه والتغير المناخي والاعتماد على الواردات من هشاشة الاقتصاد.

وفي عام 2026، أضافت المواجهة الإقليمية واضطراب الملاحة عبر مضيق هرمز ضغوطاً كبيرة على صادرات النفط العراقية وإيرادات الدولة. وحذرت تقديرات اقتصادية من أن تراجع الصادرات قد يفاقم العجز المالي ويؤثر في الإنفاق والرواتب وفرص العمل. وهذا يكشف حقيقة أساسية: أن الثروة النفطية لا تكفي لبناء دولة قوية إذا ظلت الموازنة رهينة مورد واحد.

أي مستقبل ينتظر العراق؟

يقف العراق أمام مسارين. الأول أن يستمر في إدارة الأزمات عبر تسويات بين الأحزاب، وأن يبقى معرضاً لتقلبات النفط وتدخلات الخارج وتنافس القوى المسلحة. والثاني أن يعيد بناء مفهوم الدولة على أساس المواطنة، ويضبط السلاح بقرار وطني، ويصلح القضاء والإدارة، وينوع اقتصاده، ويجعل التعليم والصناعة والزراعة والمياه والكهرباء أولويات استراتيجية.

إن استعادة بغداد دورها الإقليمي ليست حلماً مستحيلاً؛ فموقع العراق الجغرافي، وموارده، وعمقه الحضاري، وعلاقاته مع الجوار، تمنحه مقومات لعب دور الوسيط والشريك الاقتصادي والثقافي. لكن ذلك يتطلب قراراً عراقياً مستقلاً، لا مجرد تبديل التحالفات بين واشنطن وطهران وأنقرة.

أما عودة بغداد منارة للعلم والمعرفة والأدب والقراءة، فلا تتحقق بالحنين إلى العصر العباسي وحده، بل بمدارس جيدة، وجامعات مستقلة، ومكتبات عامرة، وحرية فكرية، ودعم للباحثين والكتاب، واقتصاد يتيح للشباب أن يعيشوا بكرامة.

ولعل العبارة التي تقول إن «مصر تكتب، ولبنان يطبع، والعراق يقرأ» تختصر صورة ثقافية عربية جميلة، لكنها لا ينبغي أن تبقى ذكرى من الماضي. فالعراق الذي أسهم في كتابة تاريخ الحضارة يستطيع أن يشارك في صناعة مستقبلها، إذا تحرر من أسر المحاصصة والفساد والتبعية.

إن السؤال الحقيقي ليس ما إذا كان العراق قادراً على استعادة دوره، بل ما إذا كانت قواه السياسية مستعدة لبناء دولة تتقدم فيها مصلحة العراقيين على مصالح الأحزاب والمحاور. فإذا نجح في ذلك، أمكن لبغداد أن تستعيد مكانتها، وأن يتحول العراق من ساحة تتصارع فوقها القوى إلى دولة تتفاوض معها القوى، ومن بلد يستهلك ثروته في إدارة أزماته إلى مركز إقليمي يصنع الاستقرار والمعرفة والتنمية. بقلم : أمين السكافي .

شارك