لماذا اليمن؟ من أطماع الجوار إلى معركة السيادة وفلسطين

 

بقلم: أمين السكافي

 

ليس اليمن بلداً عابراً في جغرافيا العرب، ولا مساحة فقيرة على هامش التاريخ، ولا شعباً يمكن إخضاعه لمجرد أن موارده محدودة وإمكاناته الاقتصادية متواضعة. إنه بلد الحضارة القديمة، وبلد سبأ وحمير، وبوابة بحرية تطل على واحد من أهم الممرات الاستراتيجية في العالم، وشعب صاغت الجبال في وجدانه معنى الصبر، وصاغت الحروب في ذاكرته معنى الكرامة. ولعل السؤال الذي ينبغي أن نطرحه اليوم ليس: لماذا يقاتل اليمن؟ بل: لماذا تتكالب القوى الإقليمية والدولية على اليمن، ولماذا يتحول هذا البلد الفقير بموارده إلى قضية تتجاوز حدوده؟

 

إن الإجابة لا تكمن في سبب واحد، بل في تداخل التاريخ والجغرافيا والمصالح السياسية والصراعات المذهبية، وفي الموقع الذي احتله اليمن في معادلات الأمن الخليجي والبحر الأحمر، وصولاً إلى موقف أنصار الله من فلسطين والصراع مع إسرائيل والولايات المتحدة.

 

اليمن في ذاكرة التاريخ: أرض لم تكن سهلة الإخضاع

 

منذ العصور القديمة، امتلك اليمن موقعاً تجارياً وحضارياً استثنائياً. فقد ازدهرت فيه ممالك سبأ وحمير، وارتبطت طرقه بالتجارة بين المحيط الهندي والبحر الأحمر وبلاد الشام. ولم تكن أهميته مستمدة من الأرض وحدها، بل من قدرته على التأثير في طرق التجارة والملاحة، ومن موقعه القريب من مضيق باب المندب، الذي يربط البحر الأحمر بخليج عدن والمحيط الهندي.

 

وفي التاريخ الإسلامي، شهد اليمن تحولات سياسية ومذهبية متعددة، وتعاقبت عليه دول وإمامات وسلالات، وتداخلت فيه الروابط المحلية مع النفوذ الخارجي. ولم يكن اليمن يوماً كتلة سياسية متجانسة؛ فقد عرف الانقسامات الداخلية، والصراعات على السلطة، وتباين المصالح بين مناطقه وقبائله.

 

أما العلاقة مع القوى السعودية، فتعود جذورها الحديثة إلى الصراع على الحدود والنفوذ في جنوب الجزيرة العربية. فقد خاضت المملكة المتوكلية اليمنية والسعودية حرباً عام 1934، انتهت بمعاهدة الطائف التي رتبت قضايا الحدود ومناطق النزاع. ولم تُنهِ هذه التسوية كل أسباب التوتر، بل ظلت الحدود والأمن والنفوذ السياسي عناصر أساسية في العلاقة بين البلدين.

 

ومن الخطأ اختزال التاريخ كله في عداء دائم بين الشعبين اليمني والسعودي؛ فبينهما روابط اجتماعية ودينية وقبلية عميقة، كما عرفا مراحل من التفاهم والتعاون. لكن هذه الروابط لم تمنع، في محطات عديدة، أن تتقدم حسابات السلطة والأمن والنفوذ على مقتضيات الجوار.

 

من الوحدة إلى الحرب: كيف دخل اليمن أزمته؟

 

دخل اليمن مرحلة جديدة مع إعلان الوحدة بين الشمال والجنوب عام 1990، وهي خطوة حملت آمالاً كبيرة ببناء دولة مستقرة، لكنها لم تعالج جذور التباينات السياسية والاقتصادية والعسكرية. ثم جاءت حرب عام 1994 لتعمّق المظالم الجنوبية، وتراكمت لاحقاً مشكلات الفساد وضعف المؤسسات وتراجع الخدمات واحتكار السلطة والثروة.

 

وفي عام 2011، دفعت الاحتجاجات الشعبية إلى انتقال سياسي انتهى بتولي عبد ربه منصور هادي الرئاسة، ضمن تسوية لم تتمكن من بناء توافق وطني مستقر. ومع تعثر المرحلة الانتقالية، وتفاقم الصراع بين القوى السياسية، توسع نفوذ أنصار الله، المعروفين أيضاً بالحوثيين، الذين تعود جذور حركتهم إلى البيئة الزيدية في شمال اليمن، وارتبط صعودهم بمظالم محلية وصراع طويل مع السلطة المركزية.

 

وفي عام 2014، سيطر أنصار الله على صنعاء، قبل أن تتطور الأزمة إلى مواجهة أوسع مع خصومهم اليمنيين، وتتداخل فيها الحسابات الداخلية مع التدخلات الخارجية. وهنا انتقل اليمن من أزمة دولة متعثرة إلى ساحة صراع إقليمي مفتوح.

 

لقد كان العامل الداخلي أساسياً في الكارثة: سلطة ضعيفة، ومؤسسات منقسمة، وقوى سياسية تتنافس على الحكم، ومظالم اجتماعية ومناطقية لم تجد حلولاً عادلة. ولم يصنع الخارج كل هذه التناقضات، لكنه وجد فيها منافذ للتدخل وتوسيع النفوذ.

 

عاصفة الحزم: لماذا تدخلت السعودية؟

 

في آذار/مارس 2015، قادت السعودية تحالفاً عسكرياً تحت اسم «عاصفة الحزم»، معلنة أن هدفه دعم الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً، وإعادة عبد ربه منصور هادي إلى السلطة، ومواجهة تمدد أنصار الله، الذين رأت الرياض في صعودهم تهديداً لأمنها الحدودي وتزايداً للنفوذ الإيراني قرب أراضيها.

 

لكن الحرب تجاوزت، مع مرور الوقت، حدود عملية عسكرية محدودة. فقد خلّفت ضربات جوية ومعارك برية وحصاراً وقيوداً على حركة السلع والأشخاص آثاراً إنسانية هائلة، وساهمت في تدمير البنية التحتية وتفاقم الجوع والأمراض والنزوح. كما وثقت الأمم المتحدة ومنظمات دولية انتهاكات ومخاوف جدية بشأن أفعال أطراف متعددة في النزاع.

 

والسؤال هنا: هل كان بالإمكان معالجة المخاوف الأمنية السعودية عبر تسوية سياسية وضمانات حدودية، بدلاً من حرب طويلة أضعفت الدولة اليمنية ووسعت نفوذ القوى المسلحة؟

 

إن أمن السعودية حق مشروع، كما أن أمن اليمن وسيادته حق لا يقل مشروعية. لكن الأمن لا يتحقق بالقصف وحده، ولا يمكن بناء جوار مستقر على أنقاض دولة منهكة. لقد أثبتت سنوات الحرب أن التفوق العسكري لا يضمن إخضاع مجتمع يمتلك دوافع سياسية واجتماعية عميقة للقتال، وأن الحسم الذي تتوقعه العواصم قد يتحول إلى استنزاف طويل للجميع. الإمارات وعُمان: حين تتعدد الأجندات داخل الجوار الخليجي

 

لم يكن التدخل الخارجي في اليمن سعودياً وحده. فقد شاركت الإمارات في التحالف، لكنها بنت أيضاً علاقات مع قوى محلية مسلحة، ودعمت المجلس الانتقالي الجنوبي الذي رفع مشروع الانفصال، وارتبط نفوذها بحسابات الموانئ والجزر والممرات البحرية. وهنا ظهر التباين بين الرياض وأبوظبي: فهما تعاونتا في مواجهة أنصار الله، لكنهما لم تتطابقا دائماً في رؤيتهما لمستقبل اليمن ووحدته السياسية.

 

أما عُمان، التي عُرفت تقليدياً بسياسة التوازن والوساطة، فقد لعبت دوراً مهماً في قنوات التواصل بين الأطراف اليمنية والولايات المتحدة وأنصار الله. ولا يصح وضع مسقط في الخانة نفسها مع القوى التي شاركت عسكرياً في الحرب؛ إذ تميز دورها الدبلوماسي بالسعي إلى التهدئة، حتى عندما كانت تتعرض لضغوط إقليمية ودولية.

 

وتشير التطورات الحديثة إلى أن الخلافات الخليجية نفسها أصبحت جزءاً من الأزمة اليمنية، وأن النفوذ الخارجي لم يؤدِّ إلى توحيد القرار اليمني، بل ساهم في تعدد مراكز القوة وتضارب مشاريعها. وقد رصدت تقارير بحثية حديثة التنافس السعودي الإماراتي على القوى المحلية ومناطق النفوذ، ولا سيما في الجنوب.

 

أنصار الله وفلسطين: لماذا تتجاوز المعركة حدود اليمن؟

 

هنا نصل إلى أحد أكثر أبعاد القضية اليمنية حساسية. فمنذ اندلاع الحرب على غزة بعد السابع من أكتوبر 2023، أعلن أنصار الله استهداف إسرائيل وسفن مرتبطة بها، وقدموا عملياتهم باعتبارها إسناداً للشعب الفلسطيني، وربطوا وقفها بإنهاء العدوان على غزة.

 

هذا الموقف منح اليمن حضوراً يتجاوز وزنه الاقتصادي والعسكري التقليدي، ووضعه في قلب معادلة البحر الأحمر وباب المندب. فالممر الذي تمر عبره نسبة مهمة من التجارة العالمية لا يمثل لليمن مجرد حدود بحرية، بل ورقة استراتيجية تستطيع التأثير في حسابات القوى الكبرى.

 

لكن التحليل الموضوعي يقتضي التمييز بين إعلان التضامن مع فلسطين والنتائج الفعلية للعمليات العسكرية. فقد أثرت الهجمات على الملاحة التجارية، واستدعت ضربات أميركية وبريطانية، كما شنت إسرائيل هجمات على مواقع في اليمن. وفي المقابل، أدت الضربات والقيود المفروضة على الحركة والتجارة إلى مخاطر إضافية على شعب يعاني أصلاً من واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم.

 

لماذا تتدخل الولايات المتحدة؟ لأن واشنطن ترى في حماية الملاحة ومصالح حلفائها وإسرائيل جزءاً من استراتيجيتها الإقليمية. ولماذا تتدخل إسرائيل؟ لأنها تعتبر قدرات أنصار الله الصاروخية والبحرية وتهديداتهم لأراضيها ومصالحها البحرية خطراً ينبغي احتواؤه. أما بعض القوى الأوروبية، فقد انخرطت في عمليات بحرية أو عسكرية تحت عناوين حماية الملاحة وردع الهجمات.

 

وفي خلفية هذا المشهد، تقف إيران بوصفها داعماً سياسياً وعسكرياً لأنصار الله، ضمن شبكة علاقات إقليمية أوسع. وقد تطورت القدرات العسكرية للجماعة مع مرور الوقت، فيما تؤكد طهران دعمها لما تسميه محور المقاومة. لكن اختزال أنصار الله في أنهم مجرد أداة إيرانية يتجاهل جذورهم اليمنية، كما أن تجاهل الدعم الإيراني لا يقدم صورة مكتملة عن قدراتهم وعلاقاتهم

الإقليمية .

اليمن اليوم: صمود لا يلغي المأساة

 

حتى أكتوبر 2026، عاد الصراع إلى التصعيد بعد سنوات من الهدوء النسبي الذي أعقب هدنة 2022. واتسعت المواجهات على ساحل البحر الأحمر وفي جبهات أخرى، فيما استؤنفت الهجمات المتبادلة بين أنصار الله والسعودية والقوى اليمنية المدعومة منها. وأشارت تقارير حديثة إلى تجدد الحرب واتساع المخاوف من تهديد الملاحة في باب المندب.

 

وقد أسهم الدعم الإيراني في تعزيز قدرات أنصار الله، لكن صمودهم لا يمكن تفسيره بهذا العامل وحده؛ فهناك أيضاً بنية تنظيمية محلية، وخبرة ميدانية تراكمت خلال سنوات الحرب، وقدرة على التعبئة في بيئة اجتماعية وسياسية معقدة. وفي المقابل، لا يجوز أن يحجب الحديث عن الصمود مسؤولية القوى اليمنية المختلفة عن الانتهاكات والاعتقالات والتضييق، ولا حجم المعاناة التي يتحملها المدنيون في مناطق سيطرة جميع الأطراف.

 

لقد دفع اليمنيون ثمناً باهظاً لصراع لم يكن اليمن فيه صاحب القرار الوحيد. ملايين البشر احتاجوا إلى المساعدات، وتضررت قطاعات الصحة والتعليم والاقتصاد، وتراجعت فرص أجيال كاملة في الحياة الكريمة. وهذه الحقيقة تفرض علينا ألا نكتفي بتمجيد الصمود، بل أن نسأل أيضاً: متى يستعيد اليمنيون دولتهم، ومتى يتوقف تدخل جيرانه به ؟

 

لماذا اليمن؟

 

لأن اليمن يجمع بين الموقع الاستراتيجي والتاريخ العريق والقرار السياسي الذي يرفض أن يكون تابعاً بصورة مطلقة. ولأن السيطرة على أمن البحر الأحمر وباب المندب ليست مسألة يمنية داخلية فقط، بل قضية تتصل بالطاقة والتجارة والأمن الإقليمي والدولي. ولأن فلسطين أضافت إلى الصراع بعداً سياسياً وأخلاقياً جديداً، جعل أنصار الله طرفاً حاضراً في معادلة تتجاوز حدود بلدهم.

 

لكن اليمن لا يحتاج إلى حرب أبدية كي يثبت كرامته، ولا يحتاج إلى أن يبقى فقيراً كي يكون حراً. إنه يحتاج إلى دولة عادلة، وسيادة مصانة، وتسوية تنهي التدخلات الخارجية ، وعلاقات متكافئة مع جيرانه، لا تقوم على الإملاء ولا على تصدير الصراعات.

 

إن عظمة اليمن ليست في أنه لا يُهزم، فليس هناك شعب لا يتألم أو جيش لا يتعرض للخسائر؛ عظمته في أن شعبه ما زال يطالب بحقه في تقرير مصيره رغم سنوات الخراب. وإذا أرادت السعودية والإمارات وسائر القوى الإقليمية والدولية استقراراً حقيقياً، فعليها أن تدرك أن أمن اليمن جزء من أمن المنطقة، وأن فلسطين لا يمكن أن تُمحى من وجدان العرب بالقوة، وأن السيادة لا تُبنى بالقصف.

 

فلماذا اليمن؟ لأن ما يجري فيه ليس صراعاً على أرض فقيرة فحسب، بل صراع على من يملك قرارها، وعلى شكل المنطقة التي ستولد من حروبها. ويبقى الاختبار الحقيقي أن يتحول صمود اليمن إلى سلام عادل ودولة موحدة، لا إلى انتصار عسكري جديد فوق أنقاض شعب أنهكته الحروب.

شارك