
الأنطولوجيا السياسية لبناء الدولة: من تحرير العقل والبيئة المجتمعية إلى مجاوزة “منظومة الهدم” في العراق
إعداد: الأمانة العامة لاتحاد القبائل العراقية — قسم الدراسات والبحوث الاستراتيجية
الملخص (Abstract)
تستهدف هذه الورقة التأسيس لإطار مفاهيمي ونظري غير اختزالي لبناء الدولة والمجتمع في العراق، وذلك باستلهام الأطر الفلسفية للنظرية السياسية والبيئية المعاصرة، وعلى رأسها أطروحات المفكر والفيزيائي السياسي جون بيري (John Barry) حول التلازم العضوي والحر بين الإنسان، الاقتصاد، السياسة، والبيئة.
تُشخّص الدراسة أزمة العراق الراهنة باعتبارها “أزمة بنشرٍ وتجهيل ممنهج للعقل العراقي”، وقطعاً صريحاً لروابطه بالأرض والموارد، ممّا خلق ثقافة “مجهولية المالك” وتكثيف ثقافة “أنا ومن بعدي الطوفان”. وتخلص الورقة إلى أن الإصلاح من داخل منظومة المحاصصة الطائفية مستحيل عقلاً وبناءً، وأن الشروع الحقيقي يبدأ بتحرير العقل والارتقاء بالوعي المجتمعي، وفرض المطلب الوطني الموحد: “العراق دائرة انتخابية واحدة مع الانتخاب المباشر” كأداة قانونية وسياسية ناظمة لتصفير المنظومة المعوجة وتأسيس بيئة استقرار مستدامة.
المقاربة الفلسفية والإبيستمولوجية (العقل، الأرض، والبيئة المتكاملة)
تستند هذه الدراسة إلى ركيزة أنطولوجية مفادها أن خلق العقل الإنساني في المنظومة الكونية يمثل نقطة البدء لأي فعل تأسيسي. فلا يمكن التفكير في بناء نظام سياسي أو اقتصادي رشيد بمعزل عن البيئة الشاملة للإنسان.
1- الترابط العضوي غير القابل للتجزئة:
إن البيئة الحقيقية للإنسان تتمثل في أبعاد متداخلة تداخل العضو الحيوي (العقل والوعي — الأرض والانتماء — البنية الاجتماعية — المنظومة السياسية والاقتصادية). وإن فصل أحد هذه المكونات عن الآخر يؤدي قسراً إلى انهيار البناء بأكمله؛ فالمجتمع المتفكك يصبح عرضة للاختراق وسهل الكسر، بينما المجتمع المترابط يمثل حزمة الأعواد المترابطة التي تستعصي على الكسر أو التفتيت.
2- التأصيل في الفكر السماوي والحضاري:
تؤكد الرؤية الإبستمولوجية للبحث أن الفلسفة الإلهية والرسالات السماوية اعتمدت مبدأ التأسيس التدرجي من القاعدة إلى القمة؛ إذ جاء أغلب الأنبياء والرسل من الطبقات الكادحة والعاملة (كالرعاة والصناع والزارعين)، لتأكيد أن العبادة الحقيقية تتجلى في العمل وعمارة الأرض وتأمين القوت اليومي. فالإنسان الجائع أو المغصوب الموارد يُرفع عنه شرط الاستقامة الكاملة في العبادة حكماً وعقلاً، لأن تأمين الكفاية الاقتصادية شرط مسبق للتكليف الحضاري والفكري، وكسب الرزق هو الجهاد الأكبر.
3- قانون البناء الداخلي قبل التوسع:
لم تشهد حركة التاريخ بناءً ختامُه النجاح الحضاري إلا بعد إحكام البناء الداخلي وتماسكه. فالبيئة الهشة الممزقة من الداخل مستحيلة التصدير أو البناء، وإن إقامة السقف السياسي والدولي لا تتم إلا بعد إقامة الجدران المجتمعية الصلبة والمنغرسة في أرضها.
التشخيص البنيوي للواقع العراقي بعد عام 2003
تُقدم الورقة تفكيكاً علمياً لميكانيزمات الخراب التي طالت البيئة المجتمعية والسياسية في العراق:
1- تغريب العراقي عن أرضه وموارده:
تم الاشتغال الممنهج على قطع الشريان الحيوي بين المواطن العراقي وإرثه الحضاري الممتد لـ 7000 سنة، وذلك بتحويله من “سيد ومبتكر وصانع” إلى مجرد “مورد مستغل” أو مستهلك يبحث عن فتات المغانم الحزبية، وترسيخ حالة التبعية للخارج.
2- زرع ثقافة “مجهولية المالك” والأنانية المفرطة:
عمدت المنظومة الحاكمة إلى تحويل المال العام وموارد الدولة إلى “أموال مجهولة المالك” لتسويغ سرقتها وتشريع نهبها تحت غطاء تشريعات وسياسات دخيلة. ورافق ذلك تغذية ثقافة “أنا ومن بعدي الطوفان” لتفكيك التضامن المجتمعي وإبقاء الشعب في صراع مالي وفئوي خادع.
3- المعالجات الترقيعية والشعارات الموسمية:
تؤكد الدراسة على كذب وافتراء الشعارات الانتخابية والموسمية (مواسم التغيير، مواسم الخدمات، الطاولات المستديرة)؛ إذ يستحيل إقامة بناء متزن وسليم على “أساس معوج” ألا وهو نظام المحاصصة الطائفية والإثنية.
المحاور الاستراتيجية لبناء الدولة وتغيير قواعد اللعبة
تطرح هذه الورقة خارطة طريق عملية ونظرية منظمة عبر محاور استراتيجية متكاملة:
المحور الأول — الثورة الفكرية والتحرر العقلي:
البدء بجهد توعوي وإصلاحي يستهدف العقل الجمعي، وإسقاط ثقافة الاستسلام والانتقال من الاتكالية والانتظار السلبي لـ “المنقذ الغيبي أو الخارجي” إلى ثقافة الفاعلية والمواطنة العارفة بحقوقها وواجباتها، مع اقتلاع ثقافة “أنا ومن بعدي الطوفان” وإحلال روح التكافل والتراص المجتمعي.
المحور الثاني — إعادة ربط الإنسان بأرضه واقتصاده:
ترسيخ مفهوم أن الأرض هي مصدر السيادة والانتماء، وأن تأمين كرامة المواطن الاقتصادية وحمايته من الجوع والاستغلال هي أصل صيانة الحريات والسيادة الوطنية، مع اعتبار السعي الاقتصادي وبناء الإنتاج الوطني صورة من صور الجهاد الحضاري الأصيل.
المحور الثالث — تعرية منظومة المحاصصة ورفض الترقيع:
الحسم الفكري والشعبي بعدم إمكانية الإصلاح من داخل أطر النظام السياسي الحالي، وإسقاط الشرعية المزعومة لكل القوانين والأنظمة التي تشرعن التقاسم والغنيمة وإعادة إنتاج الأزمة تحت مسميات براقة.
المحور الرابع — اعتماد “العراق دائرة انتخابية واحدة” بالانتخاب المباشر:
التمسك بالممر القانوني والدستوري الوحيد الكفيل بتفتيت الإقطاعيات الحزبية والطائفية، عبر جعل العراق كلاً متكاملاً في دائرة انتخابية واحدة، ترتكز على انتخاب مباشر، وإحاطتها بتشريعات صلبة تمنع عودة المحاصصة بأي شكل دخيل.
المحور الخامس — تفعيل الضغط المجتمعي واختبار مصداقية النخب:
إلزام كافة القوى السياسية، وخاصة الأحزاب والشخصيات التي تدعي “المعارضة” أو “الاستقلالية”، بتبني مطلب “الدائرة الانتخابية الواحدة” علناً وجماعياً أمام الداخل والخارج، ليكون هذا المطلب هو الفرز الحقيقي بين الوطني الصادق والمتاجر بمطالب الشعب.
الخاتمة والتوصيات (Conclusion)
تخلص الدراسة إلى أن مشروع اتحاد القبائل العراقية لا يقدم نفسه كوصي أو قائد حصري لهذه الحركة النهضوية، بل يطرح هذه المتبنيات كـ “مظلة وطنية جامعة”، ويعلن التأييد المباشر والكامل لأي كتلة بشرية، أو تنظيم حزبي، أو تيار اجتماعي وعقائدي يتبنى هذه الرؤية ويرفع لواء هذا المطلب الوطني الشامل.
إن تعافي العراق يستلزم الانتقال السريع من شتات التردي والتبعية إلى كتلة مجتمعية متراصة كـ “حزمة الأعواد العصية على الكسر”، تبدأ بوعي العقل وتتوج بسيادة الشعب على أرضه ودولته.
التوصيات:
1- الأكاديميون والباحثون: اعتماد المقاربة البيئية-السياسية (Ecological-Political Approach) في تحليل ظاهرة الدولة والتحول السياسي في العراق والمنطقة.
2- النخب والمنظمات المجتمعية: تحويل المحاور الخمسة إلى أوراق عمل للحوار الوطني الميداني، وتفعيل حملات الضغط الشعبي لإلزام القوى السياسية برفع مطلب الدائرة الانتخابية الواحدة بشكل علني ورسمي.
15 تشرين الاول 2026



