من سفارة لبنان في واشنطن، إلى سفارة واشنطن في لبنان. 

لم تعد المسألة مجرد زلة لسان أو مكالمة عابرة. ما قامت به السفيرة اللبنانية في واشنطن ندى حمادة معوض، حين اتصلت بالسفير الإسرائيلي يحيئيل ليتر للأطمئنان على نجله الجندي المصاب في الضفة، ليس (عملاً دبلوماسياً) كما يحاولون تبريره. هذا فعل يقع تحت طائلة قانون مقاطعة العدو الصادر عام 1955، وهو خيانة صريحة للأصول الدبلوماسية والأخلاقية.

رئيس الجمهورية كلّفها بالتفاوض غير المباشر عبر الوسيط الأمريكي حول وقف إطلاق النار. هذا التفاوض بحد ذاته مرفوض شعبياً ووطنياً من قبل أكثرية اللبنانيين. لكن أن تتحول المفاوضة من ملف سياسي إلى علاقة شخصية وإنسانية مع ممثل كيان يقتل أطفالنا في غزة ويدمر قرانا في الجنوب، فهذا أنحدار لم يسبق له مثيل في تاريخ الدبلوماسية اللبنانية. هل رأيتم سفيراً فلسطينياً يتصل ليطمئن على جندي إسرائيلي دهس طفلاً فلسطينياً؟

وحين تقدم المحامي حسن عادل بزي بإخبار قضائي أمام النيابة التمييزية، وأحاله النائب العام التمييزي إلى مفوض الحكومة لدى المحكمة العسكرية، كان يفترض أن يأخذ القانون مجراه، على الأقل شكلياً. لكن ماذا حصل؟

تدخلت أمريكا مباشرة. وبكل وقاحة، خرج متحدث بأسم الخارجية الأمريكية ليقول، (من المخجل أن تتولى محكمة عسكرية النظر في شكوى ضد سفيرة لبنان) وأن (القضاء يجب أن يلاحق حزب الله بدلاً من ذلك) مهدداً، (لن نتسامح مع أي عرقلة) .

من أنتم لتهددوا القضاء اللبناني؟ من أعطاكم الحق لتقرروا من يُلاحق ومن لا يُلاحق في محاكم بيروت؟ هذه هي الوصاية الأمريكية بأوضح صورها. لم يعودوا حتى يتسترون عليها. لبنان لم يعد تحت الوصاية، لبنان تحت الإدارة المباشرة. سفيرهم يملي على رئيس حكومتنا ماذا يقول، وخارجيتهم تملي على قضائنا ماذا يفعل.

لكن، ورغم فداحة التدخل الأمريكي، أنا على قناعة تامة بأن هذا الملف لن يصل إلى أي إدانة. ليس فقط بسبب التهديد الأمريكي، بل لسببين داخليين أكثر خزيا.

السبب الأول هو وجود

وزير العدل الحالي المعروف بمواقفه الداعية للسلام مع العدو، وهو نفسه الذي أعلن جهاراً أنه لن يسمح بأستدعاء أي ناشط على وسائل التواصل للتحقيق بسبب تواصلهم مع العدو. فكيف لمن يشرعن التطبيع الشعبي أن يحاسب سفيرة طبّعت رسمياً؟ فاقد الشيء لا يعطيه، وفاقد السيادة لا يحاسب على خيانتها.

السبب الثاني،هو وزير خارجية القوات البنانية الذي هو وزير الوصاية على السفيرة،والتحقيق مع أي دبلوماسي يحتاج لإذن من وزيره المباشر، أي وزير الخارجية. وهنا تكمن الكارثة الكبرى. وزير الخارجية الحالي أشد فداحة في عمالته وخطابه التطبيعي من السفيرة نفسها. هو مَن يغطيها، وهو مَن يبارك مسارها، وهو مَن يعتبر أن الجلوس مع الإسرائيلي إنجاز تاريخي. فهل ننتظر من رأس التطبيع أن يحاسب ذيله؟

القضية إذاً ليست قضية سفيرة تافهة أجرت مكالمة. القضية قضية نظام كامل قرر أن يبيع سيادته وقضاءه وكرامته في مزاد واشنطن. سفيرة تطمئن على أبن سفير العدو، ووزير عدل يبرر التواصل مع العدو، ووزير خارجية يغطي، وأمريكا تهدد القضاء إذا تجرأ على المحاسبة.

هذا هو لبنان الجديد الذي بشرنا به السفير الأمريكي ميشال عيسى،هذا هو لبنان الذي تريده تريده إسرائيل، ولأجل ذلك يحاربون المقاومة. والأتفه من هذا كله هو بعض الأبواق التي تدافع عن السفيرة وعمالتها وإذا أردتم أن تتقيئوا أكثر من روائح العمالة وندالة المواقف أسمعو المدافع عنها علي حمادة.

نضال عيسى

شارك