
دعاية الدماء و التسلق السياسي: كيف يستغل الإحتلال أوجاع السويداء و الأقليات السورية في مزاده الانتخابي؟
أشرف التهامي.
في المشهد السياسي الإسرائيلي المزدحم بالمزايدات والتنافس الانتخابي المحموم، لم يتوانَ رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو عن تحويل الجراح السورية وأوجاع الأقليات إلى ورقة مناورة انتخابية يبتز بها الرأي العام الداخلي والخارجي، ويحاول من خلالها رسم صورة “المخلص الإنساني” لكيانٍ قام أساساً على التشريد والتوسع والإجرام.
تجلّى هذا الاستغلال السياسي المقيت في التجمع الميداني الذي عقده نتنياهو في بلدة “يركا” الدرزية، حيث نقلت صحيفة “يديعوت أحرونوت” العبرية تفاصيل خطابه الصريح الذي حاول فيه توظيف أحداث محافظة السويداء وما تعرضت له الطائفة الدرزية من أعمال عنف واعتداءات حادة.
ولم يتردد نتنياهو في تقديم نفسه كحامٍ إقليمي، مستعرضاً اتصاله المباشر بالرئيس السوري أحمد الشرع، ومهدداً بتكثيف الضربات العسكرية ضد النظام السوري ما لم تتوقف المذابح، في خطاب يبطن الابتزاز ويظهر الحرص الزائف.
تفاصيل تقرير الصحيفة العبرية : استعراض القوة ومناورة الرسائل المباشرة.
أبرزت صحيفة “يديعوت أحرونوت” تقريراً حول تصريحات نتنياهو الموجهة للجمهور الدرزي، والتي كشف فيها كواليس تحركاته وضغوطاته أثناء تصاعد المعارك في جنوب سوريا، حيث أشار إلى أنه اتصل شخصياً بالشرع موجهاً إنذاراً حازماً.
· رسالة تهديد مقتضبة: صرح نتنياهو قائلاً: “لقد كانت محادثة مقتضبة للغاية وصريحة جداً، وتوقفت على إثرها المجزرة [التي كانت تستهدف الدروز]. سأفعل كل ما يلزم لحماية إخواننا الدروز. لا يزال هناك عمل ينبغي القيام به، ولا يمكنني الكشف عن كل التفاصيل”.
· الضغط العسكري والتدخل: جاءت هذه التصريحات في سياق التذكير بالقصف والضربات الإسرائيلية التي استهدفت موقع وزارة الدفاع ومواقع تابعة للنظام في دمشق والسويداء، حيث اعتبر نتنياهو أن تلك الضربات العسكرية والإنذار المباشر هما ما أرغما السلطات على إيقاف العمليات العسكرية ضد أبناء الطائفة.
خلفية الأزمة: جراح السويداء والحصار الممتد.
تعود جذور التوتر الميداني الذي استغله الاحتلال إلى يوليو 2025، عندما شهدت المنطقة اشتباكات دموية حادة بين مجموعات مسلحة وقوات الأمن، أسفرت عن سقوط أكثر من 3500 قتيل ونزوح نحو 225 ألف شخص ، وقد رافق تلك الأحداث توثيق انتهاكات واختطاف لعشرات النساء والفتيات وممارسات عنف ممنهجة.
ورغم اتفاقات وقف إطلاق النار التي رعتها أطراف دولية، إلا أن الهدوء كان هشاً؛ إذ تجددت التوترات حتى فرضت السلطات السورية في فبراير 2026 حصاراً خانقاً على مدينة السويداء، منع دخول المواد الغذائية والطبية إلى المحافظة، ممّا ترك آلاف المدنيين في مواجهة ظروف إنسانية قاسية وشديدة التعقيد.
وعلى الرغم من إدانة الشرع للمجازر التي ارتكبها بعض العناصر والجهات التابعة، وتعهده بالتحقيق ومحاسبة الأفراد والمنظمات الخارجيين عن القانون واصفاً تلك الأفعال بأنها تتناقض مع مبادئ الدولة، إلا أن الأزمة بقيت ملفاً مفتوحاً جراء ضعف الأجهزة ونقص آليات الحماية للمدنيين.
الاستغلال الانتخابي للكيان والتجاهل الإنساني.
تظهر هذه الممارسات والتصريحات بوضوح النفاق السياسي لكيان الاحتلال؛ حيث إن ادعاءات نتنياهو بـ “حماية الدروز والأقليات” ليست سوى غطاء براغماتي يُستغل في صندوق الاقتراع لجلب الأصوات وتلميع الصورة الاستعمارية.
فالكيان الذي يمارس القتل والحصار اليومي ويحتل الأراضي السورية والعربية، لا يتحرك بدوافع إنسانية أو أخلاقية، بل يسعى لتفتيت النسيج الاجتماعي لدول الجوار وإدامة حالة الانقسام.
إن التعامل اللا إنساني لكيان الاحتلال يقتات على جراح الشعوب ويستغل حالة ضعف الدولة الجديدة في سوريا وهشاشة مؤسساتها في هذه المرحلة الانتقالية، لفرض واقع الجوار المهدَّد وإظهار سوريا كساحة مستباحة للتدخلات الخارجية.
ويبقى القفز على دماء الضحايا وتوظيف مآسيهم في الدعاية الانتخابية شهادة إضافية على الانحطاط الأخلاقي الذي يحكم سياسات الاحتلال تجاه المنطقة وسكانها.



