
لبنان الذي يأكل أبناءه…كيف تحوّل المواطن إلى رهينة؟
بقلم: أمين السكافي
لم يولد لبنان فقيراً، ولم يكن أبناؤه أقلّ قدرة من أبناء الدول التي سبقتهم إلى الاستقرار والازدهار، ولم تكن أرضه تفتقر إلى الموقع والثروات البشرية والطبيعية التي تؤهّله ليكون وطناً قادراً على حماية ناسه وتأمين الحد الأدنى من الحياة الكريمة لهم. لكنّ لبنان، على امتداد عقود، كان يعيش مفارقةً غريبة: مجتمعٌ يعمل ويهاجر وينجح، ودولةٌ تتراجع؛ مواطنٌ يدفع الضرائب والرسوم، ثم يضطر إلى دفع المزيد للحصول على الخدمات التي يفترض أن تكون حقاً له؛ وشعبٌ ينتخب ممثليه على أمل أن يحملوه إلى مستقبل أفضل، فإذا به يجد نفسه، مرةً بعد أخرى، أمام أبواب الزعماء بحثاً عن دواء أو وظيفة أو مقعد دراسي أو مساعدة تعينه على عبور شهرٍ جديد.
هنا تبدأ الحكاية التي تتجاوز الفساد بمعناه التقليدي، وتتخطّى أسماء السياسيين وأحزابهم وطوائفهم. إنّها حكاية وطنٍ اختلّت فيه العلاقة بين المواطن والدولة، حتى باتت الحقوق التي يفترض أن تُمنح بالتساوي بموجب القانون تُستبدل، في حالات كثيرة، بالخدمات التي تُمنح عبر الوساطات والولاءات والانتماءات.
لقد أصبح السؤال في لبنان، بالنسبة إلى شرائح واسعة من الناس، ليس: ماذا يحقّ لي بصفتي مواطناً؟ بل: مَن أعرف كي أحصل على ما أحتاج إليه؟
وهذه ليست أزمة إدارة فحسب؛ إنّها أزمة معنى الدولة نفسها.
من دولة الحقوق إلى دولة الوساطات
عندما نعود إلى تاريخ لبنان الحديث، نجد أنّ الطائفية السياسية لم تكن مجرّد توزيع للمناصب بين الجماعات، بل ارتبطت تدريجياً ببنية المصالح والتمثيل والخدمات. ومع الحرب الأهلية، بين عامَي 1975 و1990، تمدّدت القوى المسلحة والتنظيمات الحزبية في مناطق نفوذها، وأنشأت شبكات من الخدمات والمساعدات والرعاية، في ظلّ انهيار مؤسسات الدولة أو عجزها عن أداء وظائفها.
وبعد انتهاء الحرب، لم تختفِ هذه الشبكات مع عودة الحياة الدستورية، بل استمرّ بعضها وتطوّر، وتحولت قوى كانت تمارس أدواراً عسكرية أو محلية إلى أطراف سياسية تشارك في الحكم، فيما بقيت الدولة عاجزة عن احتكار تقديم الخدمات العامة وتنظيمها بصورة عادلة.
وقد وثّقت دراسات أكاديمية عن لبنان هذه الظاهرة، مبيّنةً كيف أصبحت الأحزاب والمنظمات المرتبطة بالطوائف تؤدي أدواراً في تقديم المساعدات الصحية والتعليمية والاجتماعية، وكيف يمكن أن يتحول الوصول إلى بعض المنافع العامة إلى علاقة تتوسط فيها الروابط السياسية والحزبية. ولا يعني ذلك أنّ كل مساعدة حزبية مشروطة بالولاء، أو أنّ كل مؤسسة أهلية تعمل لحساب زعيم، لكنه يكشف عن خلل بنيوي حين يصبح المواطن معتمداً على الوسيط السياسي للحصول على منفعة يُفترض أن تكفلها الدولة.
وهكذا، لم تعد المشكلة محصورةً في غياب الخدمة، بل امتدت إلى الطريقة التي يحصل المواطن من خلالها عليها. فالخدمة التي تُقدَّم بوصفها حقاً عاماً تحفظ كرامة صاحبها، أما حين تُقدَّم بوصفها هبةً شخصية، فإنّها تنشئ علاقة تبعية بين مَن يطلب ومَن يمنح.
وفي هذه اللحظة، يتراجع المواطن من مرتبة صاحب الحق إلى مرتبة طالب الرعاية، ويتقدّم الزعيم من موقع المسؤول عن إدارة الدولة إلى موقع الوسيط الذي يفتح أبوابها أو يغلقها.
الاستشفاء والتعليم… حين تصبح الحاجة باباً للولاء
أيّ معنى للمواطنة حين يضطر أبٌ إلى الاتصال بمكتب سياسي كي يؤمّن سريراً لابنه في المستشفى؟ وأيّ معنى للدولة حين تصبح كلفة العلاج عبئاً يهدد الأسرة بأكملها، فيبحث المريض عن جهة حزبية أو جمعية أو متبرع لتأمين الدواء؟
وأيّ عدالة اجتماعية يمكن أن تقوم حين تتوقف فرص التعليم أو الحصول على المساعدة على قدرة العائلة على الوصول إلى شبكة علاقات نافذة؟
لا يجوز إنكار أنّ الأحزاب والجمعيات والمؤسسات الدينية والخيرية ساعدت، في مراحل مختلفة، عائلات لبنانية كثيرة، وسدّت ثغرات تركها غياب الدولة. وبعض هذه المؤسسات يقدّم خدمات حقيقية، ويعمل بموارد محدودة، ويصل إلى أشخاص لا يجدون باباً آخر مفتوحاً أمامهم. لكنّ المشكلة ليست في تقديم المساعدة، بل في أن تصبح المساعدة بديلاً دائماً عن بناء نظام عام يضمن الحقوق.
فحين تعجز الدولة عن تأمين الرعاية الصحية الكافية، تتوسع الحاجة إلى الوسطاء. وحين لا تكفي المدارس الرسمية لتوفير تعليم جيد ومتوازن، تضطر الأسر إلى البحث عن بدائل مكلفة أو عن جهات تساعدها. وحين تتراجع الحماية الاجتماعية، تصبح المساعدة الطارئة وسيلةً للبقاء، وقد تتحول، في بعض الحالات، إلى علاقة طويلة الأمد من الاعتماد المتبادل بين الناخب والجهة السياسية.
وتشير الأبحاث المتعلقة بشبكات الرعاية الحزبية في لبنان إلى ارتباط بين النشاط السياسي وإمكانية الوصول إلى بعض أشكال المساعدة الاجتماعية. لكنّ هذه النتائج لا تبرر تعميم الاتهام على جميع الأحزاب أو المستفيدين؛ بل تؤكد ضرورة إخضاع توزيع المساعدات لقواعد واضحة تضمن عدم التمييز على أساس الانتماء السياسي أو الطائفي.
إنّ أخطر ما في هذه المعادلة أنّ الفقير لا يملك دائماً رفاهية رفض المساعدة التي يحتاج إليها. قد يعرف أنّ حقه مسلوب، وقد يدرك أنّ ما يحصل عليه أقلّ مما يستحق، لكنه لا يستطيع أن يضع كرامته في مواجهة جوع أطفاله أو مرض والديه.
وعندها لا تعود التبعية دليلاً على اقتناع سياسي بالضرورة؛ فقد تكون، في جانب منها، نتيجةً لغياب البدائل.
الودائع… حين تفقد الدولة ثقة الناس
إذا كانت أزمة الخدمات قد جعلت المواطن رهينة حاجاته اليومية، فإنّ الانهيار المالي الذي بدأ عام 2019 أصاب العلاقة بين اللبنانيين ودولتهم ومصارفهم في صميمها.
فقد وجد المودعون أنفسهم أمام قيود واسعة على سحب أموالهم، فيما تراجعت قيمة مدخرات كثيرة بفعل انهيار سعر الصرف والتضخم. ولم تكن تلك الأموال أرقاماً في دفاتر المصارف فحسب؛ كانت حصيلة أعوام من العمل والاغتراب، ومدخرات عائلات، وأثمان منازل ومشاريع، وأماناً مالياً ظنّ أصحابه أنّه سيحمي شيخوختهم وأبناءهم.
لكنّ الأزمة كشفت خللاً أعمق من مجرد انهيار مصرفي: غياب معالجة عادلة وشفافة توضح حجم الخسائر، وتحدد المسؤوليات، وتوزع الأعباء وفق القانون والقدرة على التحمل، وتحمي صغار المودعين من أن يدفعوا ثمن قرارات لم يتخذوها.
وفي حزيران 2025، شدّد صندوق النقد الدولي على ضرورة إعادة تأهيل القطاع المصرفي، وحماية المودعين قدر الإمكان، وتحقيق الاستدامة المالية، وتعزيز الحوكمة والشفافية. وهذه الأولويات تكشف حجم العمل الذي بقي مطلوباً لاستعادة الثقة بالنظام المالي اللبناني.
وليس من الإنصاف اختزال الأزمة في اتهام فرد أو مؤسسة واحدة؛ فالمسألة تتعلق أيضاً بالسياسات المالية والنقدية، وطريقة تمويل الدولة، والعلاقة بين المصارف ومصرف لبنان والسلطة السياسية، والتأخر في الاعتراف بالخسائر ومعالجتها.
لكنّ النتيجة التي عاشها المواطن واضحة: حين اهتزّت المؤسسات التي يفترض أن تحمي مدخراته، وجد نفسه وحيداً أمام خسارة لم يستطع التحكم بمسارها.
الهجرة… حين يصبح الرحيل خطةً للحياة
من أكثر المؤشرات إيلاماً في الأزمة اللبنانية أنّ الهجرة لم تعد، بالنسبة إلى كثيرين، مجرد رغبة في تحسين مستوى المعيشة أو اكتشاف فرص جديدة. لقد أصبحت، لدى عائلات وشباب وأصحاب اختصاصات، وسيلةً للبحث عن الحد الأدنى من الاستقرار.
يغادر الطبيب حين يشعر بأنّ عمله لا يضمن له حياة مستقرة، ويسافر المهندس حين يرى أنّ فرص التطور محدودة، ويبحث الشاب عن بلد يستطيع فيه أن يبني مستقبله من دون أن يظلّ قلقاً من الكهرباء والدواء والمدرسة والراتب وسعر الصرف.
ولا تعني الهجرة أنّ من يغادر يرفض وطنه، ولا أنّ من يبقى عاجز عن النجاح. فكثيرون يسافرون حباً في التجربة أو طلباً للعلم والعمل، وكثيرون يتمسكون بأرضهم رغم الصعوبات. لكنّ المؤشر الأخطر يظهر حين يشعر المواطن بأنّ البقاء صار مخاطرة، وأنّ التخطيط للمستقبل خارج البلاد أكثر قابلية للتحقق منه داخلها.
وهنا يخسر لبنان أكثر من عددٍ من السكان. إنّه يخاطر بخسارة الخبرات، والطاقة المنتجة، والقدرة على تجديد مؤسساته، كما يخسر أبناءً كان يمكن أن يساهموا في بناء الاقتصاد والمجتمع لو توافرت لهم بيئة أكثر استقراراً وعدالة.
وفي المقابل، أصبحت تحويلات المغتربين سنداً مهماً لكثير من الأسر وللاقتصاد اللبناني. غير أنّ الاعتماد على أموال تأتي من الخارج لا يمكن أن يكون بديلاً دائماً عن اقتصاد ينتج فرص العمل، ولا عن دولة تؤمّن خدماتها وتمنح أبناءها أسباب البقاء.
هل المشكلة في الأشخاص أم في النظام؟
قد يتبدل الوزراء والنواب، وقد تتغير التحالفات وتتبدل الشعارات، لكنّ السؤال يبقى: لماذا تستمر الأزمات نفسها في بلد تتكرر فيه الوعود بالإصلاح؟
لأنّ المشكلة ليست في الفساد وحده، على أهميته وخطورته، بل في بيئة تسمح بإعادة إنتاجه؛ وليست في الطائفية بوصفها انتماءً اجتماعياً أو دينياً، بل في تحويل الانتماء إلى أداة لتوزيع الفرص والموارد والوظائف والحماية.
عندما تصبح الوظيفة العامة مكافأةً للولاء بدلاً من أن تكون استحقاقاً للكفاءة، تخسر الإدارة قدرتها على العمل. وعندما تُدار الخدمات من خلال شبكات الوساطة بدلاً من معايير الحاجة والحق، يتراجع مبدأ المساواة. وعندما يُطلب من المواطن أن يثبت قربه من جهة سياسية كي يحصل على منفعة، تصبح المواطنة نفسها متفاوتة القيمة.
ولا يعني ذلك أنّ جميع السياسيين متشابهون، أو أنّ كل مؤسسة عامة فاشلة، أو أنّ كل مساعدة تُقدّمها جهة حزبية تنطوي على استغلال. لكنّ المطلوب هو محاسبة الأفعال والسياسات والنتائج، لا الاكتفاء بتبادل الاتهامات بين الأطراف.
وقد أشار البنك الدولي، في تقييمه الصادر في آب 2026، إلى أنّ التصعيد العسكري المتجدد أعاد الاقتصاد اللبناني إلى مسار انكماشي، مع توقع تراجع الناتج المحلي الحقيقي بنسبة 6.4% خلال العام، فيما بقي القطاع المصرفي ضعيفاً، واستمرت الحاجة إلى إصلاحات بنيوية وإعادة إعمار واسعة. وهذا يعني أنّ المواطن لا يواجه إرث الانهيار المالي وحده، بل يتحمل أيضاً كلفة الحرب والدمار والنزوح وتعطل النشاط الاقتصادي.
ولا يمكن مطالبة الناس بالصمود إلى ما لا نهاية، ثم تحميلهم وحدهم مسؤولية النتائج. فالصمود قيمة وطنية حين يقترن بمؤسسات تحمي الناس وتوزع الأعباء بعدالة، لكنه يتحول إلى عبء حين يُطلب من المواطن أن يعوض، بقدرته على الاحتمال، ما تعجز الدولة عن إصلاحه.
استعادة المواطن تبدأ باستعادة الدولة
إنّ الخروج من هذه الحلقة لا يبدأ بتبديل شعار انتخابي بآخر، ولا بإقناع اللبنانيين بأنّ عليهم اختيار وسيط أفضل للحصول على حقوقهم. يبدأ بإعادة بناء العلاقة بين الدولة والمواطن على أساس واضح: الخدمة العامة حقّ، وليست منّة؛ والوظيفة استحقاق، وليست مكافأة؛ والمساعدة الاجتماعية معيارها الحاجة، لا الولاء؛ والمال العام ملك المجتمع، لا مورد مفتوحاً لتثبيت النفوذ.
وهذا يقتضي إدارةً شفافة للمال العام، وإصلاحاً فعلياً للقطاع المصرفي، وحمايةً عادلة للمودعين، وقضاءً مستقلاً، وإدارات عامة قائمة على الكفاءة، وأنظمة صحية وتعليمية واجتماعية يستطيع المواطن الوصول إليها وفق قواعد معلنة. كما يقتضي نشر المعلومات عن الإنفاق العام والمساعدات والعقود، وتوفير آليات تظلم ورقابة تسمح بكشف التمييز والفساد ومحاسبة المسؤولين عنهما.
ولا تُبنى الدولة القوية بإلغاء المجتمع الأهلي أو منع الأحزاب من مساعدة الناس؛ بل بضمان ألّا يضطر المواطن إلى الاستعانة بأحد كي يحصل على حقه، وألّا تتحول الحاجة الإنسانية إلى باب للابتزاز السياسي أو إلى وسيلة لشراء النفوذ.
فالدولة التي تؤدي وظائفها لا تخاف من مواطن مستقل، بل تحتاج إليه. والمواطن الذي يضمن حقه بالقانون يستطيع أن يختار بحرية، وأن يحاسب من يحكمه، وأن يمنح صوته لمن يقتنع ببرنامجه، لا لمن يستطيع تأمين دوائه أو فاتورة مدرسته.
لبنان لا يأكل أبناءه لأنّ أبناءه عاجزون عن النجاح، بل لأنّ نجاح الفرد فيه بات كثيراً ما يحتاج إلى مغادرة الوطن، أو إلى شبكة حماية لا يفترض أن يحتاج إليها.
وهنا تكمن المأساة الكبرى: أن يصبح الرحيل طريقاً إلى الحياة، وأن يصبح البقاء اختباراً يومياً للقدرة على الاحتمال، وأن يضطر المواطن إلى البحث عن دولةٍ تحميه خارج الدولة التي يحمل جنسيتها.
إنّ استعادة لبنان لا تبدأ من سؤال من يحكم، وحده، بل من سؤال أعمق: هل يستطيع اللبناني أن يعيش في بلده مواطناً، لا تابعاً؛ صاحب حق، لا طالب منّة؛ شريكاً في وطنه، لا رهينةً لحاجته؟
فحين يستطيع المواطن أن يتعالج من دون واسطة، وأن يتعلم من دون استجداء، وأن يعمل من دون محسوبية، وأن يستردّ ماله بالقانون، وأن يشيخ بكرامة، عندها فقط يمكن القول إنّ الدولة بدأت تعود إلى أبنائها.
وإلى أن يحدث ذلك، سيظلّ لبنان بلداً يملك من الطاقات ما يكفي لبناء مستقبل أفضل، لكنه يترك أبناءه يدفعون ثمن العجز عن تحويل هذه الطاقات إلى حياة كريمة. وسيظلّ السؤال مفتوحاً أمام كل سلطة تتعاقب عليه: كم جيلاً آخر ينبغي أن يخسر لبنان قبل أن تقرر الدولة أن تحمي أبناءها بدلاً من أن تتركهم يبحثون عن الحماية من خارجها؟



