بين صراع الأمم ومصلحة الشعوب: الشرق الأوسط نموذجًا

أقامت الجمعية الثقافية للشعوب الديمقراطية في لبنان_بيروت ندوة تحت عنوان:”بين صراع الأمم ومصلحة الشعوب: الشرق الأوسط نموذجًا”.ألقاها الخبير العسكري والإستراتيجي العميد الدكتور بهاء حلال وقدمت الندوة الإعلامية اللبنانية تانيا إصطفان بحضور فاعليات أكاديمية وصحافية ونخب فكرية وسياسية وثقافية من مختلف المكونات في المجتمع اللبناني..وذلك في مقر الجمعية في بيروت منطقة الجديدة سد البوشرية..

 

قدمت الإعلامية نبذة عن عنوان الندوة وما تحتويه للدراسة في جدلية الدولة والمجتمع والهوية والسلطة… ثم ألقى العميد حلال شروحاته حول الشرق الأوسط بين صراع الأمم ومصلحة الشعوب..وقال:

أيها السادة،عندما نتحدث عن الشرق الأوسط، نتحدث عادةً عن الدول والحدود والجيوش والطوائف والأحزاب والمحاور وموازين القوى.لكنني أريد أن أبدأ اليوم من مكان مختلف تمامًا.أريد أن أبدأ من الإنسان.لأن السؤال الذي يهمني ليس فقط: من انتصر في الحرب؟بل: من دفع ثمنها؟وليس فقط: من يملك الدولة؟بل: لمن تعمل الدولة؟وليس فقط: أي أمة أصبحت أقوى؟بل: هل أصبحت قوة الأمة قوةً لشعبها، أم تحولت الشعوب إلى وقود لصراع الأمم؟

من هنا يأتي عنوان بحثنا:

«بين صراع الأمم ومصلحة الشعوب: الشرق الأوسط نموذجًا».

وهو عنوان لا يحاول أن يضع دولة في خانة الخير وأخرى في خانة الشر، ولا أن يفسر كل أزمات المنطقة بالمؤامرة الخارجية، كما لا يحاول أن يلقي المسؤولية كلها على الداخل.بل يحاول أن ينظر إلى المنطقة من زاوية أعمق:ماذا يحدث عندما تتباعد مصالح الدولة عن مصالح المجتمع؟وماذا يحدث عندما تتحول الهوية من مساحة للانتماء إلى أداة للصراع؟وماذا يحدث عندما يصبح النظام السياسي أهم من الإنسان الذي يفترض أن يخدمه؟

وتطرق العميد الدكتور الى الإنسان كغاية بحدِّ ذاته قائلاً:

أولًا: الإنسان قبل الدولة..وإذا أردنا أن نفهم الدولة، علينا أن نتذكر حقيقة بسيطة:

قبل أن توجد الدولة كان هناك المجتمع.الإنسان لم يولد مواطنًا في دولة حديثة.

ولد إنسانًا يحتاج إلى الآخرين من أجل البقاء والحماية والتعاون وصناعة المعنى.

ثم نشأت السلطة.ثم المؤسسات.ثم الدولة.ثم الأمة السياسية والدولة القومية.وهنا تظهر أولى المفارقات.الدولة، من حيث المبدأ، جاءت لتنظيم المجتمع وحمايته وتحقيق الأمن والمصلحة العامة.لكن التاريخ يخبرنا أن الدولة يمكن أن تتحول أحيانًا من وسيلة لخدمة المجتمع إلى غاية تسعى إلى حماية ذاتها.وعندما يحدث ذلك، تبدأ المشكلة.فحين يصبح بقاء النظام أهم من بقاء المجتمع،وحين تصبح صورة الأمة أهم من حياة المواطنين،وحين تصبح حدود الدولة أهم من كرامة الإنسان،نكون أمام انقلاب في العلاقة بين الدولة والمجتمع.الدولة التي يفترض أن تكون خادمة للمصلحة العامة تصبح صاحبة مصلحة مستقلة عن المجتمع.وهنا يبدأ السؤال السياسي الحقيقي.

 

ثانيًا: من المجتمع إلى السلطة… ومن السلطة إلى الصراع

 

يمكننا أن نقرأ التاريخ السياسي للإنسان كسلسلة من العلاقات المتحركة:الفرد والمجتمع.ثم المجتمع والسلطة.ثم السلطة والدولة.ثم الدولة والأمة.ثم الأمة والهويات الفرعية.ثم الدولة والنظام الإقليمي والدولي.كل مرحلة من هذه المراحل تحمل تناقضاتها.وفي الشرق الأوسط تتجمع هذه التناقضات فوق بعضها البعض:الدولة في مواجهة المجتمع.المركز في مواجهة الأطراف.النخبة في مواجهة الجمهور.القومية في مواجهة التعدد.الدين في مواجهة توظيف الدين سياسيًا.السيادة في مواجهة التدخل الخارجي.والأمن في مواجهة الحرية.ولذلك لا يمكن اختزال أزمة الشرق الأوسط في عامل واحد.ليست المشكلة طائفية فقط.وليست قومية فقط.وليست اقتصادية فقط.وليست خارجية فقط.إنها بنية مركبة من التناقضات المتداخلة.

 

ثالثًا: عندما تتحول الهوية إلى سلاح سياسي

 

فالإنسان يحتاج إلى الهوية.يحتاج إلى أن يعرف من هو، وإلى أي مجتمع ينتمي، وما هي ذاكرته وثقافته وتاريخه.الدين يمكن أن يكون مصدرًا للإيمان والأخلاق والمعنى.والقومية يمكن أن تكون مصدرًا للانتماء.والطائفة يمكن أن تكون إطارًا اجتماعيًا وثقافيًا.لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول الهوية من انتماء إلى احتكار للشرعية.أي عندما يصبح السؤال:من أنت؟أهم من السؤال:ما حقوقك كمواطن؟

 

وعندما يصبح المواطن أولًا شيعيًا أو سنيًا أو مسيحيًا أو كرديًا أو عربيًا أو تركيًا أو فارسيًا، قبل أن يكون مواطنًا، تبدأ الدولة بفقدان وظيفتها الأساسية.

 

وهنا علينا أن نميز بين أمرين:التعددية شيء، والطائفية السياسية شيء آخر.وجود طوائف متعددة ليس مشكلة بحد ذاته، المشكلة تبدأ عندما تتحول الطائفة إلى مؤسسة سياسية تنافس على الدولة والثروة والسلطة.عندها يصبح الانتماء وسيلة للوصول إلى الموارد.ويتحول الخوف من الآخر إلى أداة لحشد الجماعة.

 

ومن هنا تبدأ سلسلة خطيرة:اختلاف ثم خوف ثم استقطاب ثم تخندق ثم صراع.

 

رابعًا: جيرار والرغبة التي تصنع المنافسة

 

هنا يمكن أن نستفيد من فكرة رينيه جيرار حول الرغبة المحاكية.فالإنسان لا يرغب دائمًا في الشيء لذاته، بل قد يرغب فيه لأنه يرى الآخر يريده.وعندما تتكرر العملية تتحول الرغبة إلى منافسة.ويمكن أن نقرأ شيئًا مشابهًا سياسيًا.دولة ترى قوة دولة أخرى، فتسعى إلى موازنتها جماعة ترى نفوذ جماعة أخرى، فتطالب بنفوذ مماثل.طائفة ترى امتيازات طائفة أخرى، فتطالب بامتيازاتها.قوة إقليمية ترى نفوذ منافستها، فتوسع مجال نفوذها.وهكذا يصبح الآخر ليس فقط منافسًا، بل مرآة للرغبة السياسية.لكن علينا ألا نبالغ في استخدام هذه النظرية.فالصراع لا يصنعه التقليد وحده.هناك الاقتصاد. والأمن. والجغرافيا. والتاريخ. والموارد. والتدخل الخارجي. والطموحات السياسية.أي أن الرغبة المحاكية يمكن أن تساعدنا على الفهم، لكنها لا تكفي وحدها لتفسير الشرق الأوسط.

 

خامسًا: من يملك الدولة يملك جزءًا من الاقتصاد

 

وهنا نصل إلى ماركس، لا باعتباره جوابًا نهائيًا، وإنما باعتباره سؤالًا ضروريًا:

 

من يملك الموارد؟من يقرر توزيعها؟من يستفيد من الدولة؟ومن يدفع تكلفة الصراع؟

 

في عدد من دول المنطقة، يصبح الصراع على السلطة في الوقت نفسه صراعًا على:

 

الوظيفة،العقد،الاستثمار،النفط،المعابر،الحدود،المؤسسات،والامتيازات.وعندما تصبح الدولة مصدرًا أساسيًا للثروة، يصبح الصراع على الدولة صراعًا على الثروة نفسها.

 

ولهذا فإن الفساد السياسي ليس دائمًا مشكلة أخلاقية فردية.

 

قد يكون جزءًا من بنية سياسية كاملة تقوم على توزيع الموارد مقابل الولاء.

 

وهنا تظهر العلاقة الخطيرة:ضعف الدولة يولّد الحاجة إلى الزعيم، والحاجة إلى الزعيم تقوي الزعيم، وقوة الزعيم قد تضعف الدولة أكثر.وهذه الدائرة نراها، بدرجات مختلفة، في أكثر من تجربة شرق أوسطية.

 

سادسًا: لبنان — عندما تصبح الطائفة وسيطًا بين المواطن والدولة، إذا أردنا مثالًا قريبًا منا، فإن لبنان يقدم نموذجًا بالغ الدلالة.لبنان ليس مشكلة طوائف.لبنان مشكلة كيفية إدارة التعدد.التوافق الطائفي جاء تاريخيًا كوسيلة لحماية التوازن.لكن المفارقة أن الآلية التي صُممت لحماية التعدد يمكن أن تتحول إلى آلية لترسيخ الانقسام.فعندما يحتاج المواطن إلى الزعيم للحصول على حق يفترض أن يحصل عليه من الدولة، تتغير العلاقة بين المواطن والدولة.يصبح الولاء السياسي مقابل الخدمة.وتصبح الخدمة مقابل النفوذ.ويصبح النفوذ مقابل إعادة إنتاج الزعيم.وهنا ندخل في الحلقة نفسها:

 

ضعف الدولة → الحاجة إلى الزعيم → قوة الزعيم → ضعف الدولة.وهذا لا يعني أن الطائفة هي المشكلة.المشكلة هي تحويل الانتماء الطائفي إلى قناة حصرية للتمثيل السياسي والاجتماعي.

 

سابعًا: العراق — عندما تصبح الدولة ساحة لتوزيع الجماعات

 

العراق يقدم نموذجًا مختلفًا، لكنه يحمل بعض الملامح المشتركة.هناك الطائفية.والإثنية.والنفط.والتدخل الخارجي.والصراع على السلطة.والسؤال هنا:

 

هل المواطن عراقي أولًا؟أم يصبح تعريفه السياسي سابقًا على مواطنته؟شيعي.سني.

 

كردي.أو تابع لهذا الحزب أو ذاك.وعندما يحدث ذلك، تصبح الدولة ساحة لتوزيع الجماعات بدل أن تكون إطارًا لصناعة المواطنة.والخطر هنا أن كل جماعة تبدأ بالنظر إلى الدولة باعتبارها غنيمة يجب أن تحصل على حصتها منها، بدل أن تراها مؤسسة مشتركة للجميع.

 

ثامنًا: سوريا — عندما يصبح الصراع الداخلي دوليًا

 

سوريا تقدم لنا درسًا آخر.يمكن لصراع أن يبدأ داخليًا، ثم يتحول تدريجيًا إلى ساحة صراع إقليمي ودولي.وعندها تتغير الأسئلة.بدل أن نسأل فقط:ماذا يريد المواطن السوري؟نبدأ بالسؤال:من يسيطر؟من يملك النفوذ؟من يحمي الحدود؟من يضمن مصالحه؟من يملك مناطق النفوذ؟ومن يرسم مستقبل الدولة؟وهنا تظهر إحدى أخطر نتائج تدويل الصراعات:

 

كلما زاد عدد اللاعبين، أصبح تحديد المصلحة الوطنية المشتركة أكثر صعوبة.المواطن يصبح جزءًا من معادلة أكبر منه.والبلد يتحول من وطن إلى ساحة.

 

زتطرف أخيراً العميد الدكتور الى القضية الكردية في البند التاسع قائلاً:

 

تاسعًا: تركيا والقضية الكردية — هل تحتاج الدولة إلى التجانس؟

 

القضية الكردية تطرح سؤالًا بالغ الأهمية:هل تحتاج الدولة إلى التجانس القومي لكي تكون مستقرة؟الأكراد يعيشون أساسًا في تركيا وإيران والعراق وسوريا، وقد شهد تاريخهم الحديث صراعات طويلة حول اللغة والحقوق السياسية والحكم الذاتي والاستقلال.لكن علينا أيضًا أن نكون دقيقين.هناك تيارات وأحزاب ورؤى مختلفة.

 

وهنا تظهر أمامنا ثلاثة نماذج:دولة قومية مستقلة.حكم ذاتي داخل الدولة.أو تكامل ديمقراطي داخل دولة متعددة القوميات.المهم هنا ليس اختيار نموذج مسبق، بل طرح معيار:

 

أي نموذج يضمن الحقوق والمواطنة والاستقرار ويحترم السيادة؟وهذا السؤال لا يخص الأكراد وحدهم.إنه سؤال الدولة الحديثة كلها.

 

عاشرًا: إيران — التمييز بين الدولة والنظام والمجتمع الحالة الإيرانية أكثر تعقيدًا.

 

فهي تجمع بين الدولة القومية والثورة والجمهورية والمرجعية الدينية والهوية الفارسية والتعدد الإثني والمشروع الإقليمي.لكن هنا أريد أن أضع قاعدة أعتقد أنها ضرورية في أي تحليل سياسي:لا تساووا بين الدولة والنظام والمجتمع.فإيران الدولة ليست بالضرورة النظام السياسي الإيراني.والنظام السياسي ليس المجتمع الإيراني كله.والسياسة الخارجية ليست بالضرورة التعبير عن جميع مصالح المواطنين.وهذه القاعدة يجب أن تنطبق على إيران وعلى غيرها.فالتحليل العلمي لا يبدأ من الحب أو الكراهية، بل من التفريق بين مكونات الظاهرة.

 

الحادي عشر: الخليج — عندما تصبح الثروة مصدرًا للشرعية

 

في الخليج نجد نموذجًا آخر.الثروة الريعية منحت عددًا من الدول قدرة كبيرة على توفير الخدمات والاستقرار وإدارة الموارد.لكن الثروة وحدها لا تجيب عن سؤال الشرعية السياسية.

 

فالسؤال ليس:هل الدولة قادرة على توفير الموارد؟بل:هل المواطن شريك في القرار أم متلقٍ للموارد؟وهنا تظهر مفارقة مهمة:يمكن للثروة أن تقلل الصراع على الموارد، لكنها لا تعني تلقائيًا المشاركة السياسية.وهذا يذكرنا بأن الاستقرار ليس دائمًا مرادفًا للديمقراطية.

 

الثاني عشر: الدولة العميقة والسلطة غير المرئية،هناك أيضًا مفهوم الدولة العميقة.

 

ويجب استخدامه بحذر.فليس كل جهاز أمني أو عسكري أو إداري يمثل دولة عميقة.لكن المفهوم يصبح مفيدًا عندما نتحدث عن شبكات قوة غير منتخبة تستطيع التأثير في القرار السياسي من خارج آليات المساءلة الطبيعية.وهنا يجب أن نميز بين:

 

الدولة المؤسسية،وشبكات النفوذ داخل الدولة.فكلما أصبحت الشبكات أقوى من المؤسسات، اتسعت المسافة بين الشرعية القانونية والسلطة الفعلية.

 

الثاني عشر: الدولة العميقة والسلطة غير المرئية،هناك أيضًا مفهوم الدولة العميقة.

 

ويجب استخدامه بحذر.فليس كل جهاز أمني أو عسكري أو إداري يمثل دولة عميقة.لكن المفهوم يصبح مفيدًا عندما نتحدث عن شبكات قوة غير منتخبة تستطيع التأثير في القرار السياسي من خارج آليات المساءلة الطبيعية.وهنا يجب أن نميز بين:

 

الدولة المؤسسية،وشبكات النفوذ داخل الدولة.فكلما أصبحت الشبكات أقوى من المؤسسات، اتسعت المسافة بين الشرعية القانونية والسلطة الفعلية.

 

 

الثالث عشر: هل الديمقراطية تعني الانتخابات فقط؟هنا نصل إلى جوهر المسألة.الديمقراطية ليست صندوق اقتراع فقط.الانتخابات ضرورية، لكنها ليست كافية.الديمقراطية تحتاج إلى:سيادة القانون.استقلال القضاء.حرية الإعلام.المساءلة.حماية الحقوق. التداول السلمي للسلطة.المساواة أمام القانون. ومؤسسات تمنع احتكار الدولة. قد ينتخب المواطن الزعيم نفسه مرة بعد مرة، ليس لأنه مقتنع بكل سياساته، بل لأنه يخاف البديل.أو لأنه يعتمد على شبكة خدماته.أو لأنه يشعر بأن هويته مهددة.وهنا يمكن أن تتحول الانتخابات من أداة للتغيير إلى أداة لإعادة إنتاج النظام نفسه.إذن السؤال ليس فقط:

 

هل توجد انتخابات؟بل:هل يستطيع المواطن أن يغيّر؟

 

الرابع عشر: من صراع الأمم إلى صراع المصالح

 

الصراع بين الدول ليس ظاهرة يمكن إلغاؤها.كل دولة تمتلك مصالح أمنية واقتصادية وجيوسياسية.لكن المشكلة تبدأ عندما تصبح مصالح القوى الكبرى أو الإقليمية أهم من مصالح المجتمعات المحلية.عندها يتحول البلد إلى ساحة نفوذ.وتصبح الحدود خطوطًا للصراع.ويصبح السكان كتلة بشرية في معادلة جيوسياسية.ويصبح اللاجئ ورقة تفاوض.وتصبح الطائفة أداة نفوذ.ويصبح الأمن مبررًا دائمًا لتقييد الحرية.

 

وهنا يحدث أخطر تحول:الإنسان ينتقل من غاية السياسة إلى موضوع من موضوعاتها.

 

الخامس عشر: أين تقف مصلحة الشعب؟هنا أريد أن أصل إلى السؤال الأساسي في هذه الدراسة.هل تتعارض دائمًا مصالح الأمم مع مصالح الشعوب؟الجواب: لا.الدولة قد تخوض حربًا دفاعية عادلة.وقد تتطابق المصلحة الوطنية مع مصلحة المجتمع.وقد تحتاج الدولة إلى القوة لحماية شعبها وسيادتها.إذن المشكلة ليست في الدولة.وليست في الأمة.وليست في القوة.المشكلة تبدأ عندما يحدث الخلط:مصلحة النظام تصبح مصلحة الدولة.مصلحة الحزب تصبح مصلحة الأمة.مصلحة الطائفة تصبح مصلحة المواطن.مصلحة الحليف الخارجي تصبح مصلحة الوطن.عندها يحدث الانحراف.والقاعدة التي يمكن أن نخرج بها هي:

 

كلما اتسعت المسافة بين المصلحة العامة ومصلحة السلطة، أصبحت الدولة أكثر قابلية للتحول إلى أداة لصراع النخب والهويات والمحاور.

 

السادس عشر: هل نحتاج إلى نموذج سياسي جديد؟

 

بعد هذه المقارنة، يمكننا أن نسأل:إذا كانت الدولة القومية عاجزة أحيانًا عن استيعاب التعدد،وإذا كانت الديمقراطية الانتخابية لا تكفي،وإذا كانت الطائفية تعيد إنتاج السلطة،وإذا كانت التدخلات الخارجية تحول الدول إلى ساحات،فما البديل؟

 

هنا تظهر أفكار متعددة، ومنها مفهوم الحداثة الديمقراطية والأمة الديمقراطية في أدبيات عبد الله أوجلان والحركة المرتبطة به.وهذه الأفكار ليست نظرية محايدة أو محل إجماع في العلوم السياسية.لكن قيمتها الفكرية تكمن في أنها تطرح سؤالًا مهمًا:هل يمكن بناء أمة سياسية من دون اشتراط التجانس القومي؟أي:هل يستطيع العربي والكردي والتركي والفارسي، والمسلم والمسيحي، والسني والشيعي، أن يعيشوا في فضاء سياسي واحد من دون أن يلغي أحدهم الآخر؟

 

هذا السؤال يستحق النقاش، بغض النظر عن الاتفاق أو الاختلاف مع المشروع السياسي الذي طرحه أوجلان.

 

السابع عشر: نحو حداثة ديمقراطية إنسانية،من هنا أقترح، على المستوى النظري، مفهومًا أسميه:

 

الحداثة الديمقراطية الإنسانية.وهو ليس تبنيًا حرفيًا لأي نظرية سياسية قائمة، بل تركيب تحليلي يقوم على سبعة مبادئ:

 

أولًا: الإنسان قبل الهوية.لاُختزل المواطن في دينه أو طائفته أو قوميته.

 

ثانيًا: المواطنة قبل الجماعة.

 

الحقوق السياسية تُمنح على أساس المواطنة لا على أساس الولاء الطائفي أو الحزبي.

 

ثالثًا: الدولة قبل الحزب.

 

الدولة ملك المجتمع وليست ملك الحزب الحاكم.

 

رابعًا: القانون قبل السلطة.

 

لا أحد فوق القانون.

 

خامسًا: الديمقراطية قبل الشرعية العددية.

 

الانتخابات جزء من الديمقراطية وليست كل الديمقراطية.

 

سادسًا: السيادة قبل المحاور.

 

العلاقات الخارجية يجب ألا تلغي المصلحة الوطنية.

 

سابعًا: المواطن شريك في إنتاج القرار.

 

المواطن ليس مجرد ناخب يظهر مرة كل أربع سنوات.

 

إنه شريك في المجال العام.

 

الثامن عشر: ما الذي يحتاجه الشرق الأوسط؟

 

إذا أردنا تلخيص الأزمة، فلن نجد أزمة واحدة.

 

سنجد:أزمة دولة.أزمة مواطنة.أزمة هوية.أزمة ثقة.أزمة شرعية.أزمة تنمية.أزمة سيادة.وأزمة في العلاقة بين الداخل والخارج.ولهذا فإن الحل العسكري وحده لا يكفي.والحل الأمني وحده لا يكفي.والانتخابات وحدها لا تكفي.وتغيير الحكومة وحده لا يكفي.لأن الأزمة أعمق من الحكومة.إنها أزمة في العقد الاجتماعي نفسه.

 

وختم حلال : ماذا بقي للإنسان؟أيها السادة،الشرق الأوسط ليس مجرد جغرافيا للحروب.إنه جغرافيا للتاريخ.وجغرافيا للهويات.وجغرافيا للأديان.وجغرافيا للموارد.وجغرافيا لتنافس المشاريع.وجغرافيا لتداخل المصالح الدولية.ولهذا فإن اختزال أزماته في الدين وحده، أو الطائفية وحدها، أو الاستعمار وحده، أو إسرائيل وحدها، أو إيران وحدها، أو تركيا وحدها، أو الولايات المتحدة وحدها، لا يقدم إلا جزءًا من الحقيقة.المشكلة أعمق.إنها مشكلة العلاقة بين:

 

الإنسان والمجتمع،والمجتمع والدولة،والدولة والأمة،والأمة والهوية،والهوية والسلطة،والسلطة والمصلحة.لقد أثبت التاريخ أن الدولة يمكن أن تنتصر بينما يخسر الشعب.وأن الأمة يمكن أن توسع نفوذها بينما يضيق هامش الإنسان.وأن الحزب يمكن أن يحافظ على سلطته بينما تنهار الدولة.وأن الطائفة يمكن أن تحافظ على نفوذ زعيمها بينما يفقد أبناؤها حقوقهم.وأن القوى الخارجية يمكن أن تحقق أهدافها الاستراتيجية بينما يدفع المجتمع المحلي ثمن الصراع.ولهذا فإن السؤال الحقيقي الذي يجب أن يحكم التفكير السياسي في الشرق الأوسط ليس فقط:

 

من انتصر؟ولا:من هُزم؟ولا:أي محور أصبح أقوى؟بل:

 

ماذا بقي للإنسان؟

 

فإذا كانت الدولة لا تحمي كرامة مواطنها،وإذا كانت الديمقراطية لا تنتج مساواة سياسية،وإذا كانت الهوية تحتاج إلى إلغاء الآخر لكي تثبت ذاتها،وإذا كانت الأمة تتحول إلى ذريعة للحرب،فإننا لا نكون أمام أزمة في نظام سياسي فقط.نكون أمام أزمة في مفهوم السياسة ذاته.إن مستقبل الشرق الأوسط لا ينبغي أن يُختزل في انتصار محور على محور.ولا طائفة على طائفة.ولا قومية على قومية.ولا دولة على دولة.بل في قدرة شعوبه على الانتقال من منطق الغلبة إلى منطق الشراكة.ومن سياسة الخوف إلى سياسة المواطنة.ومن الدولة التي تطلب الولاء إلى الدولة التي تستحق الثقة.ومن الإنسان الذي يتحول إلى وقود للتاريخ إلى الإنسان الذي يصبح غاية التاريخ والسياسة.ولعل الخلاصة الأعمق التي يمكن أن نخرج بها اليوم هي:

 

الأمم قد تتصارع من أجل القوة، لكن الشعوب لا تريد في النهاية إلا أن تعيش.وهنا تحديدًا يبدأ الفرق بين مصلحة الدولة ومصلحة السلطة، وبين قوة الأمة وكرامة الإنسان.فإذا استطعنا أن نجعل الدولة قوية لأنها تحمي مواطنيها، لا لأن مواطنيها يخافون منها؛وأن نجعل الهوية مصدر غنى لا جدارًا يفصل الإنسان عن أخيه؛وأن نجعل السيادة حماية للمجتمع لا ذريعة لعزله؛فربما نستطيع عندها أن ننتقل من:صراع الأمم… إلى تعاون الشعوب.

 

وشكرًا لكم…

 

شارك