
الزمن ينحت الإنسان.
بقلم: الكاتبة والمربّية فاطمة يوسف بصل
للزمن إزميلٌ لا يُرى، ويدٌ لا تُمسَك، ومطرقةٌ لا يسمع الإنسان صداها إلا حين يلتفت إلى نفسه، فلا يجدها حيث تركها. يعمل الزمن فينا بصمت النحّات الذي يختبئ خلف صخرته؛ يقتطع من أرواحنا ما كنّا نظنّه جزءًا لا ينفصل عنها، ويهدم في داخلنا مدنًا بنيناها من اليقين، ثم يتركنا أمام أنقاضها لنتعلّم فنّ البناء من جديد. وما أشدّ غرابة الإنسان! يدخل الحياة صفحةً بيضاء، ثم لا يلبث أن يخرج منها كتابًا مثقوبًا بالأسئلة، تتدلّى من أطرافه حكاياتٌ لم تكتمل، ووجوهٌ غادرت، وأحلامٌ ماتت قبل أن تتعلّم كيف تطير. وبين البداية والنهاية، لا يكون الزمن قد مرّ به فحسب، بل يكون قد مرّ من خلاله، تاركًا في أعماقه ملامح إنسانٍ لم يكن يعرف أنّه قادرٌ على أن يصير إليه.
في أول الطريق، نمشي بقلوبٍ لم تتعلّم الحذر، ونمنح ثقتنا كما تمنح السماء مطرها، دون أن تسأل الأرض إن كانت ستنبت أم ستبتلع الماء في صمت. نظنّ أنّ الوجوه مرايا للقلوب، وأنّ الكلمات جسورٌ إلى الحقيقة، وأنّ من نفتح لهم أبواب أرواحنا لن يحملوا مفاتيحنا يومًا إلى الغدر. ثم تأتي الحياة، لا لتعتذر عن براءتنا، بل لتضعها تحت ضوءٍ قاسٍ، وتتركنا نكتشف أنّ بعض الأيدي التي امتدّت إلينا لم تكن تريد انتشالنا من الغرق، بل كانت تختبر عمق الماء. هناك، عند أول خذلانٍ يخلع عن القلب ثوب الطمأنينة، يبدأ الزمن نحتَه الحقيقيّ؛ تسقط من أعيننا طبقاتٌ من الوهم، ونفهم أنّ البراءة ليست أن نرى العالم جميلًا دائمًا، بل أن نرى قبحه دون أن نسمح له بسرقة الجمال من أرواحنا.
وللزمن طريقةٌ ماكرة في تعليمنا؛ لا يكتب دروسه على الورق، بل يحفرها في المواضع التي لا تصل إليها الكلمات. يعلّمنا قيمة الأمان بعد أن يتركنا نتخبّط في العراء، ومعنى الوفاء حين نجرّب وحشة الغياب، وحدود الكرامة حين نكتشف أنّ بعض الأبواب لا تستحقّ أن نطرقها ولو وقفنا خلفها بأجمل ما فينا. وقد نحتاج إلى عمرٍ كاملٍ لنفهم موقفًا استغرق لحظة، وإلى خيبةٍ واحدةٍ لنعيد تفسير عشرات السنوات. فكم من حقيقةٍ كانت تقف أمامنا عاريةً، لكنّنا كنّا نرتدي من الأمل ما يحجبها عن أعيننا! وكم من إنسانٍ لم نعرف حقيقته إلا حين توقّفت حاجته إلينا، فسقط القناع وبقي الوجه الذي لم نكن نريد رؤيته!
لكنّ الزمن لا ينحت الجميع بالاتجاه نفسه؛ فالإزميل ذاته الذي يصنع من الصخر تحفةً قد يحوّله إلى ركام. هناك من تخرجهم العواصف أكثر اتّساعًا للآخرين، كأنّ الألم فتح في صدورهم نوافذ لم تكن موجودة، وهناك من يحوّلون جراحهم إلى سكاكين، ويقفون عند أبواب الحياة متأهّبين لجرح كلّ يدٍ تقترب منهم. هناك من يتعلّم من الخذلان ألّا يخون، ومن القسوة ألّا يقسو، ومن الظلم أن يكون أكثر عدلًا؛ وهناك من يتّخذ ممّا عاناه رخصةً لإيلام الآخرين، كأنّ الوجع ميراثٌ ينبغي توريثه، لا دائرةٌ ينبغي كسرها. وهنا يكمن السرّ الأكثر غموضًا في طبيعة الإنسان: لسنا مجرّد ما فعلته بنا الحياة، بل نحن أيضًا ما فعلناه بما تركته الحياة فينا.
إنّ الزمن لا يسرق وجوهنا وحدها، بل يبدّل علاقتنا بالمرايا. يأتي يومٌ ننظر فيه إلى صورتنا القديمة، فنشعر أنّنا نتأمّل غريبًا يحمل ملامحنا؛ ذلك الذي كان يركض خلف رضا الجميع، ويعتذر عن حزنه، ويمنح الآخرين حقّ تحديد قيمته، ويظنّ أنّ التضحية بالنفس هي الثمن الضروريّ للمحبّة. نبتسم له بحنانٍ موجع، ونتمنّى لو نستطيع أن نربّت على كتفه ونقول: لا تُفرط في روحك كي لا تخسر أحدًا، فبعض الذين تخشى رحيلهم لا يرون في بقائك إلا فرصةً أخرى لاستنزافك. لكنّ الزمن لا يسمح لنا بالعودة إلى الماضي لننقذ نسخنا القديمة؛ إنّه يتركنا نراها من بعيد، لنتعلّم أنّ بعض النجاة لا تأتي حين يتغيّر العالم، بل حين نتوقّف عن تقديم أنفسنا قرابين على مذابح الآخرين.
ومع ذلك، ليس كلّ ما يكسره الزمن فينا جديرًا بالرثاء. فثمة أبوابٌ لا تُفتح إلا بعد أن تتحطّم أقفال التعلّق، وثمة ضوءٌ لا يدخل الروح إلا من الشقوق التي خلّفتها التجارب. كم من خسارةٍ ظنناها قبرًا، فإذا بها ممرٌّ سرّيّ إلى حياةٍ لم نكن نجرؤ على تخيّلها! وكم من نهايةٍ أغلقت خلفنا طريقًا، لتكشف أمامنا أنّنا كنّا نسير طويلًا في الاتجاه الخطأ! لا يعني هذا أنّ الألم جميل، أو أنّ الخذلان ضرورةٌ للنضج، بل يعني أنّ الإنسان يمتلك قدرةً مدهشة على انتزاع المعنى من قلب العبث، وعلى زراعة زهرةٍ في تربةٍ لم يبقَ فيها سوى الرماد. فليست البطولة أن نخرج من التجارب بلا ندوب، بل ألّا تتحوّل ندوبنا إلى خرائط تقودنا دائمًا نحو الوجع نفسه.
ولعلّ أكثر ما يثير الدهشة أنّنا نقضي سنواتٍ في محاولة تغيير الزمن، بينما يقضي الزمن سنواته في محاولة إيقاظنا. نطارده بالشباب، ونقاومه بالإنكار، ونخبّئ أعمارنا خلف الصور والذكريات، كأنّنا نستطيع أن نوقف النهر بإغلاق أعيننا. لكنّ النهر لا يتوقّف، والضفاف لا تبقى كما كانت، والماء الذي لامس أقدامنا بالأمس لا يعود هو الماء ذاته. وكذلك نحن؛ كلّ تجربةٍ تضيف إلى أرواحنا طبقةً من الفهم، وكلّ فراقٍ يعيد رسم حدود احتياجنا، وكلّ حقيقةٍ تنكشف تنتزع منّا قدرةً قديمة على خداع أنفسنا. والنضج، في جوهره، ليس أن نكسب معركتنا مع الزمن، بل أن نكفّ عن محاربته، وأن نفهم أنّ بعض الأشياء لا يمكن الاحتفاظ بها إلا في الذاكرة، وأنّ بعض الذين كنّاهم لا بدّ أن يرحلوا كي يولد فينا إنسانٌ أكثر وعيًا وأقلّ انكسارًا أمام أوهامه.
غير أنّ الخطر الحقيقيّ لا يكمن في أن ينحت الزمن ملامحنا، بل في أن ينجح في إقناعنا بأنّ الحجر الذي صرنا إليه هو طبيعتنا الأصلية. أن نسمّي خوفنا حكمةً، وانطفاءنا اتّزانًا، وعجزنا عن الحبّ نضجًا، وانسحابنا من الحياة انتصارًا للكرامة. فليس كلّ صمتٍ وقارًا، ولا كلّ ابتعادٍ قوّة، ولا كلّ قلبٍ لم يعد يتألّم قد بلغ الطمأنينة؛ فقد يكون بعض الصمت موتًا مؤجّلًا للكلمات، وبعض القسوة مقبرةً أقامها الخوف حول روحٍ لم تتعافَ، وبعض اللامبالاة صرخةً طال احتباسها حتى فقدت صوتها. ولهذا، يحتاج الإنسان إلى شجاعةٍ أخرى غير شجاعة الاحتمال: شجاعة أن يفتّش في أعماقه عن الأجزاء التي أنقذها الزمن، والأجزاء التي دفنها، ثم يميّز بين الحكمة التي اكتسبها والمرارة التي استوطنت قلبه دون إذن.
فالزمن ينحت الإنسان، لكنّه لا يكتب وحده شكل النهاية.إنّه يقدّم الصخر، وتأتي التجارب لتضربه، ويأتي الوعي ليختار ما يستحقّ أن يبقى. قد يترك في الروح شقوقًا عميقة، لكنّ الشقوق ليست دائمًا علامة انهيار؛ أحيانًا تكون المواضع التي يتسرّب منها النور، وأحيانًا تكون الذاكرة التي تذكّرنا بأنّنا عبرنا ما كنّا نظنّ عبوره مستحيلًا. وما قيمة أن نخرج من العمر بوجهٍ لم تمسّه التجارب، إذا كانت أرواحنا لم تتعلّم الرحمة؟ وما جدوى أن نحافظ على كلّ ما كنّاه، إذا كان بعض ما كنّاه لا يشبه الحقيقة التي وصلنا إليها؟
في نهاية المطاف، سنكتشف أنّ الزمن لم يكن ذلك اللصّ الذي سرق أعمارنا فحسب، ولا ذلك الحكيم الذي منحنا الدروس مجّانًا؛ كان مرآةً متحرّكة، كلّما ابتعدنا عنها اتّضحت لنا صورتنا، وكلّما حاولنا الهرب منها أعادتنا إلى السؤال الذي نخشى مواجهته: ماذا فعلت بنا الحياة، وماذا فعلنا نحن بأنفسنا في أثناء ذلك؟ وعندما يسدل العمر ستاره، لن تكون الحكاية الأهمّ كم سنةً عشنا، ولا كم وجهًا عرفنا، ولا كم خسارةٍ احتملنا؛ بل أيّ إنسانٍ خرج من بين كلّ تلك السنوات. أخرجنا الزمن تماثيل باردةً، مصقولة السطح، فارغة الروح؟ أم أخرجنا كائناتٍ تعرف أنّ القوّة ليست في ألّا تنكسر، بل في ألّا تجعل من انكسارها عقيدة، وأنّ الحكمة ليست في أن تفقد قدرتها على الدهشة، بل في أن ترى قسوة العالم كاملةً، ثم تختار، رغم كلّ شيء، ألّا تصبح نسخةً أخرى منه؟
ذلك هو الامتحان الأخير للروح: أن يسمح لها الزمن بأن تنضج، لا بأن تتوحّش؛ أن يعلّمها الحذر، لا أن يسلبها الثقة بالحياة؛ وأن ينحت من وجعها نافذةً، لا جدارًا. فليس أعظم ما يمكن أن يفعله الزمن بالإنسان أن يغيّر ملامحه، بل أن يمنحه، وسط كلّ هذا التغيّر، القدرة على أن يبقى وفيًّا لأجمل ما فيه.



