الحياة الضائعة بين عقارب الساعة.

 

بقلم: الكاتبة والمربّية فاطمة يوسف بصل

 

ماذا لو كانت الساعة التي نعلّقها على جدراننا ليست أداةً لقياس الزمن، بل شاهدًا صامتًا على جريمةٍ نرتكبها بحقّ أعمارنا كلّ يوم؟ ماذا لو كانت عقاربها أصابعَ خفيّة تنتزع من أرواحنا لحظاتٍ لن تعود، فيما نحدّق إليها ببرودٍ مدهش، كأنّ الذي يُذبح ليس نحن؟ إنّها المفارقة الأكثر قسوةً في الوجود: نقضي أعمارنا نحاول أن نقتل الوقت، ولا ندرك أنّ الوقت يقتل فينا الحياة؛ نطارده كأنّه عدوّنا، ونمنحه أثمن ما نملك، ثم نبكي حين نكتشف أنّه لم يترك لنا سوى ذاكرةٍ مثقلة بما لم نفعله، وأحلامٍ شاخت قبل أن ترى النور.

نحن لا نموت حين تتوقّف قلوبنا فحسب، بل نموت على دفعات؛ في كلّ حلمٍ نؤجّله خوفًا، وفي كلّ حبٍّ نؤخّر الاعتراف به، وفي كلّ لحظةٍ نستبدل فيها دفءَ الحياة ببرودة الانشغال. وما أشدّ فجيعة الإنسان حين يكتشف، بعد رحلةٍ طويلة من الركض، أنّه لم يكن يطارد الزمن ليبلغ الحياة، بل كان يهرب من الحياة حتى لا يواجه حقيقة الزمن! فأيُّ عبثٍ هذا الذي يجعلنا نعدّ الدقائق ونُهمل الأعمار، ونحتفل بمرور السنوات فيما تتساقط من أرواحنا أشياء لا يرمّمها ألف عام؟ وأيُّ وهمٍ أقنعنا بأنّ الغد ملكٌ مضمون، وأنّ الأبواب التي لم نطرقها اليوم ستظلّ مفتوحةً غدًا، وأنّ الذين نحبّهم سيبقون واقفين عند محطّات الانتظار حتى ننتهي من انشغالاتنا؟

لعلّ المأساة ليست في أنّ الزمن يمضي، بل في أنّنا نتركه يمضي ونحن نؤجّل الحياة، حتى يأتي اليوم الذي نبحث فيه عن أعمارنا فلا نجدها، ونبحث عن أحلامنا فنجدها قبورًا صغيرةً لما كنّا نستطيع أن نكونه. ومن هنا يبدأ السؤال الذي ينبغي أن يُزلزل أعماقنا: هل نعيش الزمن حقًّا، أم أنّنا مجرّد ضحايا لعقارب ساعةٍ تتقن عدَّ أنفاسنا، فيما نعجز نحن عن عدِّ اللحظات التي شعرنا فيها بأنّنا أحياء؟

إن سألت الساعة، أجابتك ببرود الأرقام: مضت دقيقة، وانقضت ساعة، وانطوى يوم. وإن سألت الفيلسوف، ربّما حدّثك عن الزمن بوصفه لغزًا يتخفّى في ثنايا الوجود. أمّا أنا، فأراه نهرًا لا يشبه الأنهار؛ يحملنا فوق مائه من دون أن نشعر، ويأخذ معه وجوهًا أحببناها، وأحلامًا خبّأناها في تجاويف القلب، وكلماتٍ ظلّت معلّقةً على شفاهنا حتى شاخت قبل أن تولد. وأراه سكينًا من حرير، لا يقطر منها دم، لكنّها تنحت في ملامحنا آثار الغياب، وتقتطع من أعمارنا أجزاءً لا تنفع معها استغاثة، ولا يستردّها ندم، ولا تشتريها خزائن الأرض مهما فاضت بالذهب.

منذ صرختنا الأولى، وُضعنا في حضرة الساعة. سُجّلت لحظة ميلادنا بدقّة، وكأنّ العالم أراد أن يعلّق على مهدنا إعلانًا صامتًا: لقد بدأ العدّ. ثم كبرنا، فلقّنونا أبجدية المواعيد، وربطوا خطواتنا بالأرقام، وأقنعونا أنّ التأخّر خطيئة، وأنّ الإسراع فضيلة، وأنّ الإنسان الناجح هو الذي يملأ يومه حتى آخر ثانية، ولو عاد إلى فراشه خاويًا من نفسه. وهكذا، قبل أن نتعلّم الإصغاء إلى نبض أرواحنا، أتقنّا الإصغاء إلى دقّات الساعة؛ وقبل أن نكتشف اتّساع الحياة، حاصرناها بجداول ضيّقة، كأنّ العمر غرفةٌ مغلقة، لا يجوز لنا أن نتنفّس خارج حدودها.

انظر إلى هذا العالم الذي أرهقه الركض؛ تراه يلهث خلف عقارب لا تتعب، ويطارد مواعيد لا تشفق، ويقايض سكينته بفتاتٍ من الوقت. طالبٌ يخشى أن تسبقه الثامنة، وموظّفٌ ترتجف خطواته أمام التاسعة، وأمٌّ تؤجّل تعبها إلى مساءٍ لا يأتي، وأبٌ يبيع سنواته في سوق المسؤوليات كي يشتري لأبنائه مستقبلًا آمنًا، ثم يكتشف، حين يلتفت، أنّ أبناءه كبروا، وأنّ السنوات التي أراد أن يمنحهم فيها الحياة قد استهلكت حياته هو. وعاشقٌ يحدّق في شاشة هاتفه، يستنطق صمتها، ويحسب المسافات بين رسالةٍ وأخرى، كأنّ قلبه معلّقٌ بعقربٍ صغير لا يعرف الرحمة.

كلّنا نركض، لكنّ أحدًا لا يسأل الطريق إلى أين يقودنا. نسرع كأنّنا نطارد الحياة، فيما الحياة نفسها تتراجع أمامنا، لا لأنّها تهرب، بل لأنّنا لا نمنحها فرصةً كي تلامسنا. نصل إلى أماكن كثيرة، ونغادر أمكنةً أكثر، ونراكم الإنجازات فوق ظهورنا، لكنّنا ننسى أن نسأل أرواحنا إن كانت قد وصلت معنا. وما أقسى أن يبلغ الإنسان آخر الطريق، ثم يكتشف أنّ قدميه كانتا تركضان طوال العمر، بينما قلبه ظلّ واقفًا عند البدايات، ينتظر لحظةً لم يمنحها إيّاها أحد.

أتعرف أين تُدفن الحياة من دون جنازة؟ في تلك الكلمة الصغيرة التي نتلفّظ بها باطمئنانٍ قاتل: غدًا

غدًا سأبدأ، وغدًا سأعتذر، وغدًا سأفتح نافذة الحلم التي أغلقتها المخاوف. غدًا سأزور أمّي، وأجلس إلى أبي، وأقول لمن أحبّهم إنّهم ليسوا تفصيلًا عابرًا في ازدحام أيّامي، بل المعنى الذي يجعل لكلّ هذا الركض جدوى. غدًا سأكتب، وسأغامر، وسأخرج من دائرة التردّد التي أحكمت إغلاقها حول روحي. غدًا سأمنح قلبي حقّه في الحياة، وسأكفّ عن تأجيل الأشياء التي تجعلني أشعر بأنّني موجود.

ثم يأتي الغد، فنستقبله بالوعد نفسه، ونعلّق أحلامنا على مشجب يومٍ آخر، حتى تتراكم الأيام فوق بعضها كأوراقٍ يابسة، وتتحوّل الأمنيات إلى مقبرةٍ صامتة نعرف مكانها ولا نجرؤ على دخولها. وما نسمّيه انتظارًا قد لا يكون سوى خوفٍ يرتدي ثياب الحكمة؛ نخشى أن نبدأ فنفشل، ونخشى أن نحبّ فنُخذل، ونخشى أن نخطو نحو أحلامنا فنكتشف أنّ الطريق أصعب ممّا تخيّلنا، فنختار التأجيل، متوهّمين أنّ الزمن سيحفظ لنا الفرص في مكانٍ آمن، إلى أن نصبح نحن الغرباء عن أحلامنا، ويغدو ما أردناه يومًا مجرّد حكايةٍ نرويها بحسرة.

كم من كلمة حبّ ماتت في الحلق لأنّ صاحبها انتظر اللحظة المناسبة؟ وكم من موهبةٍ أُطفئت تحت رماد التسويف، وكم من بابٍ ظلّ مغلقًا لأنّ يدًا خافت أن تطرق؟ كم من أمٍّ أخفت شوقها خلف دعاء المساء، تنتظر صوت ابنها الذي لا يجد في يومه دقيقةً يتّسع فيها لحنانها؟ وكم من أبٍ شاخ وهو يتقن دور القويّ، فيما كان كلّ ما يحتاج إليه جلسةً صغيرة تجمعه بأبنائه، ونظرةً تقول له إنّ تعبه لم يذهب هباءً؟

إنّ أكثر الخسارات وجعًا تلك التي لا نسمّيها خساراتٍ حين تقع. نمرّ بجانبها مطمئنّين، نؤجّلها إلى الغد، ونظنّ أنّ ما لم نفعله اليوم يمكن أن نفعله غدًا، وأنّ الوجوه التي نحبّها ستظلّ معلّقةً على جدار الحياة، تنتظر التفاتتنا كلّما فرغنا من انشغالاتنا. لكنّ الحياة لا توقّع عقودًا للبقاء، ولا تمنحنا ضماناتٍ ضدّ الفقد. وقد يأتي يومٌ نبحث فيه عن صوتٍ اعتدنا سماعه، فلا نجد سوى صداه في الذاكرة؛ ونمدّ أيدينا إلى مكانٍ كان مأهولًا بالحبّ، فلا تلامس أصابعنا إلا فراغًا باردًا. عندها نفهم، متأخّرين، أنّ بعض اللحظات لم تكن عابرةً كما ظننّا، وأنّ بعض الأشخاص كانوا أعمارًا كاملةً تسير على قدمين.

لقد أقنعتنا الساعة بأنّ الدقيقة تشبه أختها، وأنّ الساعات تتساوى كما تتساوى الأرقام على وجهها، لكنّ الروح تعرف حقيقةً أخرى. دقيقةٌ واحدة بجانب إنسانٍ نحبّه قد تتّسع كسماءٍ لا نهاية لها، وساعةٌ من الانتظار قد تنكمش في الصدر حتى تصير عمرًا من الاختناق. لحظةٌ من الفرح الصافي قد تظلّ مضيئةً في الذاكرة سنواتٍ طويلة، فيما أعوامٌ كاملة قد تمرّ من دون أن تترك فينا سوى غبارٍ لا نعرف كيف تراكم. فالساعة تقيس مقدار الزمن، لكنّها تعجز عن قياس كثافته؛ تعرف كم مرّ من الدقائق، ولا تعرف كم مرّ من الحياة في دقيقةٍ واحدة.

ولهذا، ليست المشكلة في أنّ الوقت يمضي، بل في أنّنا نسمح له بأن يمضي من دون أن نكون حاضرين. قد يجلس اثنان إلى مائدةٍ واحدة، لكنّ المسافة بين روحيهما أبعد من المسافة بين نجمين؛ وقد يمرّ يومٌ كامل على إنسانٍ لا يرفع رأسه عن هاتفه، فلا يرى شجرةً أزهرت قرب نافذته، ولا يلاحظ حزنًا خافتًا في عيني أمّه، ولا ينتبه إلى أنّ طفله كبر قليلًا، وأنّ ضحكته التي كانت تملأ البيت بدأت تتغيّر. إنّ الحياة لا تختبئ دائمًا في الأحداث العظيمة؛ كثيرًا ما تتوارى في التفاصيل الصغيرة التي ندوسها ونحن نركض نحو الأشياء الكبيرة.

نملك ساعاتٍ تلمع بالذهب، وهواتف تختصر المسافات، وتقنياتٍ تجعل العالم كلّه في قبضة اليد، لكنّنا نعجز أحيانًا عن امتلاك لحظةٍ صادقة مع أنفسنا. نرتدي الوقت في معاصمنا، ونعلّقه على جدراننا، ونحمله في جيوبنا، حتى أصبحنا نعامل أعمارنا كما نعامل الملفات: نرتّبها، ونؤجّلها، ونضغطها في خاناتٍ ضيّقة، ثم نتعجّب من ضيق أرواحنا. لقد ازدادت قدرتنا على قياس الزمن، لكنّ قدرتنا على الإصغاء إلى الحياة أخذت تتناقص؛ صرنا نعرف متى تبدأ المواعيد ومتى تنتهي، لكنّنا نسينا متى يبدأ الشوق، وكيف ينضج الحلم، وأين تختبئ الطمأنينة حين يطول بنا التعب.

الحياة الحقيقية ليست في أن نتحرّر من الساعة، بل في ألّا نتحوّل إلى عبيدٍ لها. ليست في أن نهجر مسؤولياتنا، بل في أن نمنعها من ابتلاع كلّ ما يجعلنا بشرًا. فثمة فرقٌ بين إنسانٍ ينظّم وقته ليمنح حياته اتّساعًا، وإنسانٍ يملأ وقته حتى لا يضطرّ إلى مواجهة فراغه الداخلي. الأوّل يجعل من الزمن جسرًا يعبر به نحو أحلامه، والثاني يبني من المواعيد جدارًا يختبئ خلفه من أسئلته. وما أكثر الذين يبدون مشغولين بالحياة، بينما هم في الحقيقة يهربون من مواجهة أنفسهم.

تأمّل عقارب الساعة؛ إنّها تدور وتعود إلى الأرقام ذاتها، فتمنحنا وهم التكرار، لكنّ الزمن لا يعود. قد تشير الساعة غدًا إلى السابعة مساءً، كما أشارت اليوم، غير أنّ المساءين لن يكونا واحدًا، والوجوه التي تملأ أحدهما قد يغيب بعضها عن الآخر، والقلب الذي استقبل الأوّل قد لا يكون القلب نفسه حين يأتي الثاني. إنّ الأرقام تتكرّر، أمّا اللحظات فتُولد مرّةً واحدة، ثم تمضي إلى حيث لا تستطيع الذاكرة أن تستعيدها كاملةً، مهما احتفظت من صورٍ وأصوات.

وهنا تكمن مأساة الإنسان: أنّه يعيش كأنّ أمامه عمرًا لا ينفد، ويؤجّل الأشياء الثمينة كأنّها تنتظر في خزائن الأبد. يظنّ أنّ الحبّ يمكن تأجيله، وأنّ الاعتذار سيظلّ ممكنًا، وأنّ الأحلام لن تشيخ ما دام صاحبها يتنفّس، وأنّ الأبواب التي لم يطرقها اليوم ستظلّ مفتوحةً غدًا. لكنّ العمر لا يسرق أحلامنا دفعةً واحدة؛ إنّه يتركنا نؤجّلها بأنفسنا، ثم يمرّ من خلفنا بهدوء، حتى نلتفت ذات يوم فنكتشف أنّنا أصبحنا خبرةً واسعةً في الانتظار، وفقراء إلى التجربة، نحمل في ذاكرتنا خرائط طرقٍ لم نسلكها، وأسماء أماكن لم نصل إليها، وصورًا لحيواتٍ كان يمكن أن نعيشها لو امتلكنا شجاعة الخطوة الأولى.

ومع ذلك، ليس في الزمن عدوٌّ يستحقّ أن نلعنه، ولا في العمر خصمٌ ينبغي أن نهزمه. الزمن يمضي بطبيعته، لا ينتقم من أحد، ولا يتعمّد إيلامنا؛ نحن الذين نحمّله ما لا يحتمل حين نطالبه بأن يعيد إلينا ما أهملناه، أو أن يمنحنا فرصةً أخرى لنقول ما سكتنا عنه. وربّما كانت الحكمة أن نتصالح مع حقيقة فنائنا، لا بوصفها دعوةً إلى الخوف، بل بوصفها نداءً إلى اليقظة؛ أن نفهم أنّ محدودية العمر هي التي تمنح اللحظة قيمتها، وأنّ الأشياء تصبح أثمن حين ندرك أنّها ليست مضمونة البقاء.

لذلك، لا تنتظر أن يفرغ العالم من ضجيجه كي تسمع صوتك، ولا أن تختفي مسؤولياتك كي تمنح من تحبّهم لحظةً من حضورك. لا تنتظر الظروف المثالية لتبدأ، فالحياة لا تفتح أبوابها دائمًا في الطقس الذي نختاره، ولا تهيّئ لنا الطرق كما نشتهي. ابدأ بما تملك، ومن حيث تقف، وبالخطوة التي تستطيعها الآن. قل الكلمة الطيّبة قبل أن تصبح ذكرى، واعتذر قبل أن يتحوّل الكبرياء إلى جدارٍ لا تعبره القلوب، وامنح أحلامك حقّ المحاولة قبل أن تقنع نفسك بأنّ الوقت قد فات. فما فات لا يعود، لكنّ ما بقي لا ينبغي أن نضيّعه في البكاء على ما فات.

وفي لحظةٍ ما، ستجد نفسك أمام الساعة نفسها التي رافقت طفولتك وشبابك، لكنّك ستنظر إليها بعينين مختلفتين. ستدرك أنّها لم تكن تعدّ الدقائق فحسب، بل كانت تشهد على غيابك عن لحظاتٍ كان ينبغي أن تحضرها، وعلى حضورك في لحظاتٍ لم تكن تستحقّ أن تستهلكك. ستتذكّر كيف منحت الأشياء الصغيرة أكبر من حجمها، وكيف أخّرت الأشياء الكبيرة حتى كادت تفقد معناها، وكيف سمحت للخوف بأن يختار عنك، وللانتظار بأن يصبح أسلوب حياة. وعندها، لن يكون السؤال كم بقي من العمر، بل ماذا فعلت بالعمر الذي مُنح لك؟

فيا أيّها الإنسان، لا تجعل عقارب الساعة أسرع من نبضك، ولا تجعل جدول أيامك أوسع من مساحة روحك. لا تملأ عمرك بالمواعيد حتى تنسى الموعد الأهمّ: موعدك مع نفسك. واعلم أنّك قد تربح سباقًا طويلًا، وتبلغ مكانةً عالية، وتجمع من الإنجازات ما يثير إعجاب العالم، ثم تخسر في الطريق ضحكةً كانت تمنحك الحياة، أو يدًا كانت تسندك، أو حلمًا كان ينتظر منك شجاعةً واحدة.

ستواصل الساعة دورانها حين نضحك وحين نبكي، حين نصل وحين نتعثّر، حين نحبّ وحين نفقد. لن تتوقّف لتواسي قلبًا مكسورًا، ولن تعود إلى الوراء لتمنحنا فرصةً إضافية. لكنّنا نستطيع، ما دام في العمر متّسع، أن نغيّر الطريقة التي نعبر بها هذا الزمن؛ أن نعيش لا أن نكتفي بالمرور، وأن نحبّ لا أن نكتفي بالاشتياق، وأن نبدأ لا أن نظلّ أسرى البدايات المؤجّلة.

وحين تنطفئ الأضواء، وتسكن الأصوات، وتصبح الساعة مجرّد جسمٍ صامتٍ على جدارٍ بارد، لن يهمّ كم كان عقربها دقيقًا، ولا كم مرّةً احترمنا المواعيد. ما سيبقى حقًّا هو ما زرعناه في القلوب، وما أضأناه في أرواح الآخرين، وما امتلكنا من شجاعةٍ لنكون أنفسنا، وما عشنا من لحظاتٍ جعلتنا نشعر أنّنا لم نكن مجرّد أرقامٍ عابرة في سجلّ الزمن.

إنّ الحياة لا تضيع حين تتوقّف الساعة، بل حين تتوقّف أرواحنا عن الدهشة، وحين نؤجّل الفرح إلى أجلٍ مجهول، ونؤجّل الحبّ إلى ظروفٍ مثالية، ونؤجّل أحلامنا حتى يصبح تحقيقها حنينًا إلى نسخةٍ قديمة من أنفسنا. فالمأساة ليست أن يمرّ العمر، بل أن يمرّ بنا ونحن لا ننتبه؛ أن تنقضي أعمارنا في الاستعداد للحياة، حتى نصل إلى نهايتها من دون أن نكون قد عشناها.

وفي آخر المطاف، حين تُسدل الحياة ستارها الأخير، وتغدو الساعة مجرّد عقاربَ تدور في فراغٍ لا ينتظر أحدًا، سنكتشف أنّ الزمن لم يكن يسرق أعمارنا بقدر ما كنّا نحن نهبها لأشياء لا تستحقّ، ونؤجّل الحياة كأنّها موعدٌ يمكن استعادته، ونؤجّل الحبّ كأنّ القلوب لا تتعب من الانتظار. سنلتفت إلى الوراء، فنرى أحلامًا شاخت على عتبات الخوف، وأمنياتٍ ذبلت في حقول التسويف، ووجوهًا غابت قبل أن نمنحها ما ادّخرناه لها من كلمات. عندها، لن يؤلمنا أنّ العقارب قد بلغت نهايتها، بل أنّنا أمضينا أعمارنا نراقب حركتها، ولم ننتبه إلى أنّ أرواحنا كانت تنزف الحياة في صمت.

فيا لغرابة الإنسان؛ يقضي عمره خائفًا من أن يسبقه الوقت، حتى يسبقه العمر إلى نهايته، ويظلّ ينتظر اللحظة المناسبة ليحيا، إلى أن تصبح الحياة نفسها ذكرى. ولعلّ الحقيقة التي لا تكشفها الساعات أنّ العمر لا يُقاس بما مرّ من أيامنا، بل بما استطعنا أن نُحييه فيها؛ بفرحٍ أنقذناه من التأجيل، وحبٍّ انتشلناه من الصمت، وحلمٍ أطلقناه من سجن التردّد. فليس الخلود أن نبقى طويلًا، بل أن نترك في الحياة أثرًا لا تمحوه المغادرة، وأن نعبر هذا العالم وقد أضفنا إلى قسوته شيئًا من الحنان، وإلى عتمته قبسًا من النور.

وحين تتوقّف ساعتنا ذات يوم، لن يكون السؤال كم بقي لنا من الوقت، بل كم من الحياة بقي في قلوب الآخرين لأنّنا مررنا من هنا. فلا تدع عقارب الساعة تكتب حكايتك بدلًا منك؛ اكتبها أنت، بجرأة الحالمين، وصدق العاشقين، وحكمة الذين أدركوا أنّ اللحظة التي نعيشها بامتلاءٍ قد تكون أثمن من عمرٍ كامل قضيناه في الانتظار.

عِشْ قبل أن يصبح الحلم حنينًا، والحبّ ندمًا، والغد بابًا لا يعود مفتاحه في يدك؛ فبعض ما يفوت لا يعوّضه الزمن، وبعض ما نؤجّله لا يعود، وأقسى أنواع الفقد أن تصل إلى نهاية العمر، فتكتشف أنّك كنت حاضرًا في الزمن، غائبًا عن الحياة.

فلا تسأل عقارب الساعة كم مضى من عمرك؛ اسأل قلبك كم مرّةً خفق للحياة حقًّا. ولا تسأل كم يومًا بقي لك، بل كم معنى تستطيع أن تمنحه للأيام التي ما زالت بين يديك.** فربّ لحظةٍ واحدة نعيشها بصدقٍ تعادل أعوامًا مرّت بنا من دون أن نشعر، وربّ خطوةٍ شجاعة تنقذ من العمر ما عجزت عنه سنوات الانتظار.

وفي نهاية المطاف،ليست المأساة أن نموت يومًا، فذلك قدر كلّ حيّ؛ المأساة أن نقضي العمر كلّه نستعدّ للحياة، ثم نكتشف عند آخر الطريق أنّنا كنّا نعيش على هامشها، نراقب عقارب الساعة وهي تتحرّك، وننسى أنّ قلوبنا كانت تتحرّك معها نحو النهاية.

فاحذر أن تبلغ آخر العمر وأنت لا تحمل من أيامك سوى تواريخها، ولا من أحلامك سوى أسماءها، ولا من أحبّتك سوى صورهم. عِشْ الآن، لا لأنّ الغد مستحيل، بل لأنّ اليوم هو الباب الوحيد الذي تستطيع أن تعبر منه إلى الحياة.

فما أقسى أن يرحل العمر كاملًا، ويبقى الإنسان غريبًا عن حياته؛ وما أعمق الخسارة أن تكون قد امتلكت الوقت يومًا، لكنّك لم تمتلك شجاعة أن تعيشه.

شارك