
انقراض الإنسان من داخل الإنسان
بقلم: الكاتبة والمربّية فاطمة يوسف بصل
أخطرُ ما قد يحدث للبشرية ليس أن تنطفئ الشمس، ولا أن تنهار المدن، ولا أن تبتلع الحروب آخر ما تبقّى من ملامح الأرض؛ بل أن يستيقظ العالم ذات صباح، فيجد الإنسان ما زال يمشي في الطرقات، ويتحدّث، ويبتسم، ويصافح الآخرين، بينما يكون الإنسان الذي في داخله قد مات منذ زمن، ولم ينتبه أحد إلى الجنازة. فثمة انقراضٌ لا ترصده الأقمار الصناعية، ولا تسجّله كتب التاريخ، ولا تُعلن عنه نشرات الأخبار؛ انقراضٌ صامت يحدث حين تنسحب الرحمة من القلب، ويخلع الضمير ثوبه الأخير، وتتحوّل الروح إلى غرفةٍ مهجورة تتردّد في زواياها أصداء إنسانٍ كنّا نظنّ أنّه لن يتغيّر.
لقد أتقن الإنسان فنّ تشييد الحضارات، لكنه لم يتقن دائمًا فنّ البقاء إنسانًا. رفع الأبراج حتى لامست الغيوم، واخترق الفضاء، واخترع آلاتٍ تختصر المسافات، وصنع من المعرفة سلّمًا يصعد به نحو المجهول؛ لكنه، في غمرة هذا الصعود، ترك قلبه يتعثّر عند أول عتبةٍ من عتبات الرحمة. صار قادرًا على رؤية ما يحدث في أقصى الأرض بلمسة إصبع، عاجزًا عن رؤية الدمع المتجمّد في عينٍ تجلس إلى جواره. اختصر المسافات بين القارات، ووسّع المسافة بين قلبه وقلوب الآخرين، حتى غدا العالم قريةً صغيرةً تتبادل الأخبار، وغابةً شاسعةً يتوه فيها الشعور بالمسؤولية.
والمفارقة التي تستحقّ أن نقف أمامها طويلًا أنّ الإنسان لم يفقد إنسانيته دفعةً واحدة؛ لم يستيقظ ذات يومٍ وقد صار وحشًا كامل الملامح، بل تنازل عنها بالتقسيط. كذبةٌ صغيرة أقنع بها نفسه أنّها ضرورة، وخيانةٌ برّرها بالمصلحة، ودمعةٌ تجاهلها لأنّها لا تخصّه، ووجعٌ مرّ أمامه فأدار وجهه كي لا يُفسد صفاء يومه. هكذا، قطرةً بعد قطرة، تسرّبت الإنسانية من شقوق الروح، حتى صار القاسي ينام مطمئنًّا، والظالم يجد في منطقه ألف حُجّة، والمتفرّج يخلد إلى راحته بعدما أقنع ضميره بأنّ الصمت لا يُعدّ مشاركةً في الجريمة.
إنّ الكارثة الحقيقية ليست في وجود الشرّ وحده، بل في قدرته على ارتداء ثياب الفضيلة. فكم من قسوةٍ دخلت المجتمعات من باب الحكمة، وكم من أنانيةٍ جلست على عرش النجاح، وكم من كذبةٍ اعتلت منبر الحقيقة لأنّ صوتها كان أعلى من صوتها. حين يتعلّم الإنسان كيف يبرّر خطأه بدل أن يصحّحه، وكيف يُدين الآخرين ليُعفي نفسه من المحاسبة، يصبح عقله محكمةً فاسدة، وقلبه شاهدًا زور، وضميره محامي دفاعٍ لا يتعب من اختراع الأعذار. عندها لا يعود الخطر في أن يفعل الإنسان الشرّ، بل في أن يفقد القدرة على التعرّف إليه حين يسكنه.
وفي زمنٍ تتسابق فيه الوجوه إلى صناعة صورٍ مثالية عن ذواتها، باتت الأقنعة أكثر لمعانًا من الوجوه، وأكثر قدرةً على خداع العيون. نرى ابتساماتٍ مصقولةً بعناية، وكلماتٍ تتزيّن بالحكمة، ومواقفَ تُعرض أمام الناس كأنّها شهادات براءة، فيما تختبئ خلف الستائر أرواحٌ لا تعرف من الأخلاق إلا أسماءها. لقد أصبح بعض الناس بارعين في تمثيل الفضيلة إلى حدّ أنّهم أقنعوا أنفسهم بأنّ التمثيل حقيقة، وصار المظهر عندهم وطنًا، والجوهر منفى، والتصفيق دليلًا على الصواب، ولو كان التصفيق نفسه صادرًا عن جهلٍ جماعيّ.
وما أشدّ فداحة أن يصبح الألم مشهدًا، لا نداءً؛ وأن تتحوّل مآسي البشر إلى صورٍ عابرة تمرّ أمام العيون، فتستدرج دهشةً قصيرةً ثم تُطوى في زحام المحتوى. طفلٌ يبكي، وأمٌّ تبحث عن أمانٍ تكسّرت أبوابه، وإنسانٌ يمدّ يده من قاع العوز؛ ثم تمرّ الحياة كأنّ شيئًا لم يحدث. ليست المشكلة أنّنا لا نرى الوجع، بل أنّنا نراه كثيرًا حتى نخشى أن تكون أرواحنا قد اعتادت عليه. فحين يصبح المشهد المأساويّ مألوفًا، ويصبح الاعتياد أقوى من التعاطف، نكون قد بدأنا نفقد الجزء الذي يجعلنا بشرًا، لا لأنّ العالم خلا من المآسي، بل لأنّ المآسي لم تعد توقظ فينا ما يكفي من الحياة.
ومع ذلك، لا يجوز أن نخلط بين انقراض الإنسان وانكساره؛ فليس كلّ من قسا قد مات قلبه، وليس كلّ من صمت قد فقد ضميره، وليس كلّ من أثقلته الحياة عاجزًا عن استعادة نوره. ففي أعماق الإنسان بذرةٌ عنيدة لا تستسلم بسهولة، وقد تكفي يدٌ تمتدّ في اللحظة المناسبة، أو كلمةٌ صادقةٌ تُقال حين يعجز الجميع عن الكلام، أو موقفٌ شجاعٌ يقف في وجه الظلم، كي يعود إلى الروح شيءٌ من اخضرارها. إنّ الإنسانية لا تُقاس بقدرتنا على إطلاق الشعارات، بل بما نفعله حين لا يرانا أحد، وبما نختاره حين تكون المصلحة في جهةٍ والضمير في الجهة الأخرى، وبقدرتنا على إنصاف إنسانٍ لا نحبّه، لأنّ العدالة التي لا تتّسع إلا للأحبّة ليست عدالة، بل انحيازٌ يرتدي قناع القانون.
إنّ إنقاذ الإنسان لا يبدأ من تغيير العالم كلّه، بل من منع العالم من تغيير أسوأ ما فينا إلى ما نعدّه أمرًا طبيعيًّا. يبدأ حين نرفض أن نُصبح نسخةً من القسوة التي آذتنا، وحين لا نسمح للخذلان بأن يحوّلنا إلى خائنين، ولا للظلم بأن يجعلنا ظالمين، ولا لفساد الآخرين بأن يقنعنا بأنّ النزاهة ضربٌ من السذاجة. فليس الانتصار أن ننجو من الأذى وحده، بل أن ننجو منه من دون أن نحمله في أرواحنا ونوزّعه على الأبرياء. وليس النضج أن نتعلّم كيف نُخفي مشاعرنا، بل أن نعرف كيف نحمي نقاءنا من دون أن نفقد قدرتنا على الحبّ، وكيف نضع حدودًا لقسوة الآخرين من دون أن نبني في داخلنا سجنًا للقسوة.
لعلّ التاريخ لن يكتب يومًا شهادة وفاةٍ للإنسان الذي انقرض في داخل الإنسان؛ فلن تُقرَع أجراس الحداد، ولن تُنصَب له النُصُب، ولن تُضاء الشاشات السوداء حدادًا على موته. سيواصل العالم ضجيجه، وستواصل المدن اتّساعها، وستزداد المعرفة، وربما تتضاعف قدراتنا على السيطرة على الأشياء؛ لكنّ السؤال الذي سيبقى معلّقًا فوق رؤوسنا كحكمٍ لا يقبل الاستئناف هو: ماذا ينفع أن نربح العالم إذا خسرنا الإنسان الذي فينا؟
وحين يأتي ذلك اليوم الذي يصبح فيه الضمير غريبًا في وطنه، والرحمة عملةً نادرة، والصدق مغامرةً غير مأمونة، لن نحتاج إلى عدوٍّ يدمّر حضارتنا؛ سنكون قد أنجزنا المهمّة بأيدينا، وأقمنا فوق أنقاض إنسانيتنا تمثالًا ضخمًا لأنفسنا، ثم وقفنا أمامه نصفّق لانتصارٍ لا نعرف أنّه هزيمتنا الكبرى.
فاحذروا انقراض الإنسان من داخل الإنسان؛ فالأجساد التي تمشي ليست دليلًا كافيًا على أنّ الحياة ما زالت تسكن أصحابها، والعالم الذي يزداد ذكاءً لا يصبح أكثر حكمةً بالضرورة. قد تنجو البشرية من نهاية العالم، لكنّ المأساة أن ينجو العالم كلّه، ولا ينجو الإنسان من نفسه.



