
من إنتاج المعنى إلى نشوء الهيمنة الذكورية (2)
مركز الحداثة الديموقراطية في الشرق الأوسط
تمهيد :
تأتي هذه الدراسة استكمالًا للمسار الفكري الذي بدأته في دراستي السابقة بعنوان «مقاربة سوسيولوجية في جدلية الوجود والتحول وإنتاج المعنى»، التي تناولت الانتقال من الوجود المادي والطبيعة الأولى إلى الحياة والوعي والمعنى، وعلاقة الإنسان بالطبيعة، وقدرته على إنتاج الرموز والمفاهيم والثقافة.
وانطلاقًا من هذا التأسيس، تنتقل الدراسة الحالية من سؤال: كيف ظهر المعنى؟ إلى سؤال آخر: كيف تحوّل المعنى إلى علاقات اجتماعية وتنظيمات وقيم وأشكال من السلطة والهيمنة؟ وبذلك تشكّل الدراستان مسارًا فكريًا متصلًا، يبدأ من جدلية الوجود والتحول وإنتاج المعنى، وينتقل إلى دراسة الطبيعة الاجتماعية، ثم إلى بحث الشروط التاريخية والاجتماعية التي أسهمت في نشوء التراتبية والهيمنة.
ومن هنا، ينبغي قراءة هذه الدراسة بوصفها امتدادًا وتحليلًا للمرحلة التالية من هذا المسار؛ أي المرحلة التي ينتقل فيها الإنسان من إنتاج المعنى إلى إنتاج المجتمع، ومن تنظيم الحياة المشتركة إلى بناء علاقات القوة والسلطة.
المقدمة :
لا يمكن فهم المجتمع بوصفه مجرد تجمع عددي لأفراد ينتمون إلى النوع البشري؛ فالمجتمع، في مستواه الأعمق، ليس نتيجة تلقائية لاجتماع مجموعة من البشر، بل هو عملية تاريخية متواصلة لإنتاج المعنى وتنظيم العلاقات وإعادة تشكيل الذات والآخر والطبيعة.
فالإنسان لا يوجد داخل الطبيعة بوصفه كائنًا منفصلًا عنها، ولا يعيش في المجتمع بوصفه فردًا مكتملًا يسبق الجماعة، وإنما يتشكل وجوده الإنساني من خلال علاقة جدلية بين الطبيعة والمجتمع، وبين الحاجة والمعنى، وبين العمل والمعرفة، وبين الفرد والجماعة. ومن هنا تبرز أهمية مفهوم «الطبيعة الاجتماعية»، لأنه ينقل السؤال من البحث في الإنسان باعتباره كائنًا بيولوجيًا إلى البحث في الكيفية التي أصبح بها قادرًا على إنتاج اللغة والرموز والقيم والمعايير والمؤسسات والذاكرة والثقافة.
فالإنسان يعيش في الطبيعة، لكنه لا يكتفي بالتكيف معها، بل يعيد تنظيم علاقته بها من خلال العمل واللغة والخيال والمعرفة. ومن خلال هذه العملية تتشكل «الطبيعة الثانية»، أي ذلك العالم الاجتماعي والثقافي الذي ينتجه الإنسان تاريخيًا، والذي يصبح بدوره قوة مؤثرة في الإنسان نفسه. وبذلك لا يعود المجتمع مجرد فضاء خارجي يعيش فيه الفرد، وإنما يصبح المجال الذي تتشكل داخله شخصيته ووعيه وقيمه وتصوراته عن ذاته وعن الآخرين وعن العالم.
وتنطلق هذه الدراسة من فرضية مركزية مفادها أن إنتاج المعنى كان أحد الشروط المؤسسة للاجتماع الإنساني، وأن المجتمع لم يبدأ مع الدولة أو الطبقة أو المدينة، بل سبقت نشوء هذه المؤسسات مراحل طويلة من التفاعل بين الإنسان والطبيعة والعمل واللغة والرمز. وفي هذا المسار تبرز العلاقة بين النساء والرجال بوصفها إحدى العلاقات المهمة لفهم التحول من الاجتماع إلى الهيمنة؛ إذ إن الاختلاف بين الجنسين لا ينطوي في ذاته على تراتبية، وإنما تبدأ الإشكالية عندما يتحول الاختلاف إلى تفاوت في المكانة، ثم إلى تراتب اجتماعي، فالسلطة إلى ملكية ومؤسسة وقانون يعيد إنتاج علاقات السيطرة.
ومن هنا تتقاطع الدراسة جزئيًا مع إميل دوركهايم في فهم المجتمع باعتباره واقعًا يتجاوز الفرد ويمارس تأثيرًا في سلوكه، ومع كارل ماركس وفريدريك إنجلز في تحليل العمل والملكية والاستغلال والطبقة، ومع ميشيل فوكو في تحليل العلاقة بين السلطة والمعرفة والجسد، ومع غيردا ليرنر في دراسة النظام الأبوي باعتباره بناءً تاريخيًا، ومع غوردون تشايلد في تفسير التحولات النيوليتية والحضرية. إلا أن الدراسة تختلف عن هذه المقاربات في ترتيب أولوياتها النظرية؛ إذ تحاول جعل العلاقة بين الجندر والهيمنة على المرأة مدخلًا أساسيًا لفهم بعض المراحل التي سبقت نشوء الطبقة والدولة أو تزامنت معها.
ولا تتعامل الدراسة مع جميع فرضياتها باعتبارها حقائق تاريخية نهائية؛ فبعض القضايا المتعلقة بالمجتمعات السابقة للتاريخ، ومكانة المرأة فيها، والتحولات الرمزية بين الأنوثة والذكورة، والعلاقة بين الصيد والهيمنة، تحتاج إلى قرائن أثرية وأنثروبولوجية متعددة. ولذلك تميّز الدراسة بين ما تطرحه بوصفه فرضية فلسفية أو سوسيولوجية، وما يمكن اعتباره نتيجة تاريخية تدعمها الأدلة المتاحة.
وبهذا المعنى، لا يتمثل الهدف الأساسي للدراسة في إعادة سرد الماضي، بل في البحث في الكيفية التي انتقل فيها الإنسان من إنتاج المعنى من أجل الحياة إلى إنتاج علاقات سلطة أصبحت قادرة، في بعض السياقات التاريخية، على إعادة تشكيل الحياة نفسها.
المبحث الأول
الطبيعة الاجتماعية من الطبيعة الأولى إلى إنتاج المعنى
يبدأ فهم المجتمع من فهم الإنسان نفسه. فالإنسان، قبل أن يكون كائنًا اجتماعيًا، هو كائن طبيعي، شأنه في ذلك شأن سائر الكائنات الحية، يعيش ضمن شروط بيئية ومادية لا يستطيع الانفصال عنها. ولذلك، فإن الطبيعة الاجتماعية لا تمثل قطيعة مطلقة مع الطبيعة الأولى، وإنما تمثل مستوى جديدًا من تنظيمها وإعادة إنتاجها.
يحمل الإنسان في جسده وذاكرته وجهازه العصبي آثار تاريخ طويل من التطور الطبيعي، لكنه يمتلك، في الوقت نفسه، قدرة على إنتاج الرموز والمعاني واللغة، وهي القدرة التي مكنته من بناء عالم يتجاوز حدود التكيف البيولوجي المباشر.
ومن هذا المنظور، يمكن وصف الإنسان بأنه كائن إيكولوجي اجتماعي، أي إن اجتماعيته ليست منفصلة عن علاقته بالطبيعة. فالطبيعة توفر شروط الحياة، والإنسان يعيد تنظيم علاقته بهذه الشروط بواسطة العمل والمعرفة. ومن هنا يصبح المجتمع، في معناه العميق، امتدادًا تاريخيًا للطبيعة الأولى؛ لكنه امتداد لا يكررها بصورة آلية، بل يعيد تنظيمها من خلال الوعي والعمل واللغة والعلاقات الاجتماعية.
وعندما نقول إن الإنسان يصنع المجتمع، فإننا لا نعني أنه يقف خارجه ثم يصممه كما يصمم آلة، بل نعني أنه يدخل في علاقات مع الآخرين، وينتج القواعد والمعاني والرموز والمؤسسات، ثم يجد نفسه أمام عالم اجتماعي سبق أن ساهم في إنتاجه. ولذلك تتخذ العلاقة بين الإنسان والمجتمع شكلًا جدليًا: الإنسان يصنع المجتمع، والمجتمع يعيد تشكيل الإنسان.
وتقترب هذه العلاقة، جزئيًا، من مفهوم «الوقائع الاجتماعية» عند إميل دوركهايم، الذي يرى أن أنماط الفعل والتفكير والشعور تمتلك قدرًا من الاستقلال عن الأفراد، وتمارس عليهم نوعًا من الإلزام الاجتماعي [2]. غير أن المجتمع، وفق المقاربة التي تنطلق منها هذه الدراسة، لا ينبغي أن يُفهم بوصفه قوة خارجية فقط، بل بوصفه أيضًا عملية مستمرة لإنتاج المعنى وإعادة تفسيره ومقاومته وتغييره.
ومن هنا لا يمكن اختزال الاجتماع في وجود مجموعة من البشر في مكان واحد؛ فالتجمع الفيزيائي يمثل شرطًا أوليًا، لكنه لا ينتج وحده مجتمعًا. إذ يحتاج المجتمع إلى عالم مشترك من القيم والرموز والذاكرة والتوقعات والقواعد.
فالإنسان لا يسأل فقط عن كيفية البقاء، وإنما يسأل أيضًا عن معنى وجوده، وعن علاقته بالآخر، وعن الخير والشر، وعن الموت والحياة، وعن حدود المقبول والمرفوض. وعندما يبدأ الإنسان في إنتاج إجابات عن هذه الأسئلة، تتشكل أنماط من المعنى المشترك تسهم في بناء الحياة الاجتماعية.
ولذلك يصبح المعنى أحد العناصر المؤسسة للطبيعة الاجتماعية. فالحاجة إلى الغذاء والحماية والماء والتكاثر والرعاية، إلى جانب المعرفة بالبيئة، تسهم في إنتاج معانٍ مرتبطة باستمرار الحياة. ثم تتوسع هذه المعاني لتشمل الانتماء والهوية والرمز والذاكرة. ومن هنا يمكن فهم حضور الشمس والماء والأرض والحيوان والحبوب في كثير من الرموز والمعتقدات القديمة، لا بوصفها ظواهر منفصلة عن الحياة، وإنما بوصفها عناصر ارتبطت في المخيال الإنساني بشروط استمرارها. ومع اتساع الاجتماع ، تظهر الحاجة إلى رموز تمثل الجماعة وتعبّر عن هويتها المشتركة. وهنا يمكن فهم العشيرة، أو الكلان، والطوطم بوصفهما من الأشكال التي أسهمت، في بعض المجتمعات، في بناء الهوية الجماعية وتعزيز الانتماء. فالطوطم ليس مجرد صورة لحيوان أو نبات أو عنصر طبيعي، بل يمكن أن يتحول إلى علامة للانتماء والذاكرة والهوية. وقد رأى دوركهايم، في دراسته للأشكال الأولية للحياة الدينية، أن الرمز الطوطمي يؤدي دورًا في تمثيل الجماعة لنفسها، وأن الجماعة تستطيع من خلال الرمز أن تعي وحدتها وتعيد تأكيدها [3]. ومن هنا يصبح الرمز أداة في إنتاج الروابط الاجتماعية، وليس مجرد انعكاس لها.
لكن إنتاج المعنى يرتبط أيضًا بإنتاج المعرفة، والمعرفة التي تبدأ بوصفها وسيلة لخدمة الحياة يمكن أن تتحول، في ظروف تاريخية معينة، إلى مصدر للسلطة. فمعرفة النبات والماء والحيوان والأرض والمناخ وصناعة الأدوات كانت مرتبطة مباشرة بشروط البقاء، لكن عندما تحتكر جماعة معينة المعرفة، أو تستخدمها لتصنيف البشر وتنظيمهم وضبط أجسادهم وسلوكهم، فإنها قد تتحول من معرفة تخدم الحياة إلى معرفة تُستخدم للسيطرة . وهنا تتقاطع الدراسة مع تحليل ميشيل فوكو للعلاقة بين السلطة والمعرفة؛ فالسلطة لا تعمل بالقوة المادية وحدها، بل تسهم أيضًا في إنتاج أنظمة للمعرفة تحدد ما يُعد حقيقة أو انحرافًا، ومن يمتلك حق الكلام والتعريف، ومن يخضع للتصنيف والمراقبة [4].
ومن هذا المنظور، لم يكن تطور الفكر الإنساني مجرد انتقال خطي من مرحلة إلى أخرى، بل يمكن فهمه بوصفه تراكمًا لأنماط متعددة من إنتاج المعنى تتداخل فيما بينها . فالفكر الميميتي ، القائم على المحاكاة والتقليد والاستجابة المباشرة ، لم يختفِ من الإنسان الحديث ، بل ظل حاضرًا في التعلم والسلوك الاجتماعي . ثم يأتي الفكر الأسطوري ، الذي يحاول تفسير المجهول بواسطة الرمز والحكاية والصورة ، فيمنح الإنسان وسائل للتعامل مع أسئلة أصل العالم والموت والحياة والسلطة والخوف والمصير.
أما الفكر الديني ، فيأخذ ، في بعض سياقاته التاريخية، الرموز والأساطير إلى منظومات أكثر انتظامًا من العقائد والطقوس والمعايير. ومن هنا يمكن أن يكون الدين مصدرًا للمعنى والتضامن ، لكنه قد يتحول ، عندما يرتبط بعلاقات السلطة ، إلى مصدر للشرعية والتراتب.
أما العلم، فقد فتح أمام الإنسان مجالًا للملاحظة والتجربة والقياس واكتشاف الانتظامات، لكنه قد يصبح بدوره عرضة للدوغمائية إذا تحولت نظرياته إلى حقائق نهائية غير قابلة للمراجعة. وتبدأ الفلسفة، في المقابل، عندما يتحول الوجود نفسه إلى سؤال؛ فهي تبحث في الحقيقة والوجود والخير والحرية والعدالة، ولا تكتفي بوصف ما هو قائم، بل تسأل أيضًا عما ينبغي أن يكون.
وبذلك يتضح أن المجتمع لم ينشأ من المادة وحدها، ولا من الفكر وحده، بل من التفاعل المستمر بين الحاجة والمعنى والعمل والرمز والمعرفة.
غير أن إنتاج المعنى لا يبقى محايدًا بالضرورة؛ فعندما تتحول القيم والمعارف والرموز إلى قواعد ملزمة، يظهر السؤال عن كيفية تنظيم الحياة المشتركة، وعن الجهة التي تمتلك حق تحديد القواعد والمعايير. ومن هنا ننتقل من سؤال: كيف أصبح الإنسان اجتماعيًا؟ إلى سؤال أكثر تعقيدًا: كيف ينظم المجتمع حياته، وكيف تتحول قواعد الاجتماع من تنظيم مشترك إلى سلطة منفصلة عن المجتمع؟
المبحث الثاني
تحوّل المعنى إلى تنظيم اجتماعي
إذا كان المعنى أحد الأسس التي تجعل الاجتماع ممكنًا، فإن الحياة المشتركة تحتاج إلى أكثر من وجود معانٍ مشتركة؛ فهي تحتاج إلى قواعد تحدد المسؤوليات والحقوق والواجبات، وإلى آليات لاتخاذ القرار، وإلى طرائق لتنظيم الإنتاج والتوزيع والحماية. وهنا يظهر المجتمع بوصفه بنية أخلاقية وسياسية واقتصادية في الوقت نفسه.
تقوم الأخلاق، في هذا المستوى، على السؤال عن كيفية تعامل الإنسان مع الآخر، بينما تتعلق السياسة بكيفية إدارة القرارات والعلاقات والموارد المشتركة. ولذلك لا يمكن فصل الأخلاق والسياسة بصورة كاملة عن الاقتصاد؛ لأن إنتاج الغذاء والعمل والرعاية وتوزيع الموارد واتخاذ القرارات كلها تدخل في تنظيم الحياة الاجتماعية.
ومن هنا تأتي أهمية مفهوم «المجتمع الأخلاقي والسياسي» في مشروع المفكر عبد الله أوجلان، حيث يُنظر إلى المجتمع بوصفه قادرًا على تنظيم نفسه من خلال المشاركة والمسؤولية والمعنى، لا من خلال الدولة وحدها [1].
وفق هذا المنظور، لا يبدأ المجتمع بالدولة، بل تسبق الدولةَ أشكالٌ متعددة من التنظيم الاجتماعي. وتظهر الدولة، في مراحل تاريخية معينة، عندما تنفصل بعض وظائف التنظيم والإدارة والحماية عن المجتمع، وتتركز في جهاز مؤسسي يمتلك أدوات السلطة والإكراه.
وهنا تظهر ضرورة التمييز بين المجتمع والدولة. فالمجتمع أوسع من الدولة وأسبق منها تاريخيًا في أشكاله الأولية، لأنه يضم العلاقات واللغة والعمل والذاكرة والتقاليد والتضامن، بينما تمثل الدولة شكلًا مؤسسيًا مركزيًا للسلطة والإدارة والإكراه. ولا يعني ذلك أن كل تنظيم اجتماعي يتعارض مع الدولة بالضرورة، بل إن السؤال يتعلق بكيفية توزيع السلطة، ومدى استقلال المجتمع في تنظيم شؤونه، وطبيعة العلاقة بين المؤسسات السياسية والجماعات الاجتماعية.
ومن هنا يصبح السؤال ليس لماذا يوجد المجتمع، وإنما كيف تطورت العلاقة بين المجتمع والسلطة، وتحت أي شروط أصبحت بعض وظائف التنظيم متمركزة في مؤسسات منفصلة عن الحياة الاجتماعية المباشرة؟
ويزداد هذا السؤال تعقيدًا عندما نأخذ في الاعتبار أن المجتمع ليس وحدة متجانسة؛ فهو يتكون من أفراد وجماعات وهويات ومصالح وذاكرات مختلفة. ولذلك لا يُعد التعدد عيبًا في الاجتماع، بل يمثل أحد شروطه الأساسية. ولا تبدأ المشكلة من وجود الاختلاف، وإنما عندما تتحول الاختلافات إلى تراتبات، وعندما يصبح الاختلاف مبررًا لحرمان جماعة من حقها في المشاركة أو إنتاج المعنى أو التأثير في القرارات المشتركة.
ومن هنا تختلف الديمقراطية عن مجرد فرض المساواة بالقوة. فالمساواة الديمقراطية لا تعني إلغاء الاختلاف، وإنما الاعتراف بالقيمة المتساوية للأفراد والجماعات، مع ضمان حقوقهم في المشاركة والتعبير والتنظيم. أما حين يسعى نظام سياسي إلى فرض هوية واحدة على المجتمع، فإنه لا يلغي الاختلاف فعليًا، بل قد يدفعه إلى المجال الخفي للصراع أو يعيد إنتاجه في صور أخرى.
وفي هذا السياق، يختلف مفهوم «القانون الاجتماعي» عن القانون الفيزيائي. فالإنسان يستطيع أن يعرف القاعدة الاجتماعية ويرفضها ويغيرها، ولذلك لا يتحرك المجتمع وفق حتميات جامدة. ويمكن الحديث عن اتجاهات وميول وانتظامات تاريخية، لكن لا ينبغي تحويلها إلى قوانين مغلقة تستبعد قدرة الإنسان والجماعة على الفعل والتغيير.
ومن هنا تأتي أهمية النقد الموجه إلى بعض الاتجاهات الوضعية التي تعاملت مع المجتمع كما لو كان جسمًا طبيعيًا يمكن إخضاعه للقوانين نفسها التي تحكم الظواهر الفيزيائية. فالبشر يستطيعون معرفة التفسيرات التي تُقدَّم عنهم، والتفاعل معها، وتغيير سلوكهم على أساسها؛ وهو ما يجعل العلاقة بين الباحث والمجتمع مختلفة عن العلاقة بين الباحث والظاهرة المادية التي يدرسها.
وعندما تتحول قواعد الاجتماع من معايير يشارك المجتمع في إنتاجها ومراجعتها إلى قواعد تفرضها سلطة منفصلة عنه، تبدأ عملية يمكن وصفها بانفصال السلطة عن المجتمع. ومن هنا يصبح السؤال عن الدولة والطبقة والملكية والفائض سؤالًا عن تاريخ تشكل علاقات القوة.
لكن هذا السؤال لا يكتمل من دون العودة إلى العلاقات الاجتماعية التي مهدت، في بعض السياقات التاريخية، لتحول الاختلاف إلى تراتبية. وفي مقدمة هذه العلاقات تبرز العلاقة بين المرأة والرجل؛ لأن تنظيم الجسد والإنجاب والقرابة والعمل يمكن أن يشكل أحد المجالات التي تتجسد فيها آليات السيطرة وإعادة إنتاج التراتب.
ولا يعني ذلك أن إخضاع المرأة كان بالضرورة أول أشكال الهيمنة في جميع المجتمعات، بل يعني أن دراسة العلاقة بين الجنسين تتيح مدخلًا مهمًا لفهم الكيفية التي تحولت بها بعض الاختلافات الاجتماعية إلى علاقات غير متكافئة في القوة والمكانة والقرار. وهنا نصل إلى الإشكالية التي يركز عليها المبحث التالي.
المبحث الثالث
نشوء الإشكالية الأولى وتحول الاختلاف الجندري إلى هيمنة
إذا كان المجتمع قد تطور من خلال إنتاج المعنى وتنظيم الحياة المشتركة، فإن السؤال التالي هو: متى، وتحت أي شروط، بدأ الاختلاف داخل المجتمع يتحول إلى عدم مساواة؟
لا يبدأ البحث عن الإجابة في الطبقة أو الدولة مباشرة، بل يتناول العلاقة بين النساء والرجال بوصفها أحد المجالات الأساسية لدراسة نشوء التراتبية الاجتماعية وآليات إعادة إنتاجها.
فالمرأة، بحكم الحمل والولادة والرضاعة، كانت تؤدي أدوارًا مرتبطة مباشرة بإعادة إنتاج الحياة. غير أن هذا المعطى البيولوجي لا يكفي وحده لتحديد مكانتها الاجتماعية أو السياسية، ولا يعني أن المجتمعات الأولى كانت جميعها أمومية أو أن النساء كن يحكمن الرجال. فمثل هذه الاستنتاجات العامة لا يمكن إثباتها بصورة شاملة من الأدلة المتاحة.
ويمكن القول إن الأدوار البيولوجية والاجتماعية المرتبطة بالأمومة والرعاية جعلت العلاقة بين الأم والطفل أحد المكونات المهمة في البنية الاجتماعية المبكرة، لكن مكانة المرأة الفعلية ظلت مرتبطة أيضًا بعوامل أخرى، منها طبيعة الاقتصاد، وتقسيم العمل، وأنماط القرابة، والموارد المتاحة، وأشكال التنظيم الاجتماعي.
ولا ينبغي اختزال دور المرأة في الإنجاب؛ فالعمل والرعاية والمعرفة بالبيئة وإعداد الغذاء ونقل الخبرة كلها أشكال من إنتاج الحياة واستمرار الجماعة. كما أن تقسيم العمل بين الجنسين اختلف باختلاف البيئة والثقافة والزمن، ولذلك لا تكمن القيمة التحليلية في افتراض أن المرأة أدت دائمًا عملًا معينًا، بل في الاعتراف بأن العمل الذي حافظ على استمرار الجماعة كان عنصرًا أساسيًا في تكوين المجتمع.
ومن هنا يصبح الاختلاف بين الذكورة والأنوثة نقطة انطلاق للتحليل، لكنه لا يتحول إلى مشكلة اجتماعية إلا عندما يُترجم إلى تفاوت في الحقوق أو المكانة أو القدرة على اتخاذ القرار. فالاختلاف لا يعني التفوق، والتكامل لا يعني التبعية، والتنوع لا يعني أن أحد الطرفين يجب أن يكون معيارًا للآخر.
وتبدأ الهيمنة عندما يتحول الاختلاف إلى نظام اجتماعي يجعل طرفًا يمتلك سلطة التعريف والقرار، بينما يتحول الطرف الآخر إلى موضوع للتنظيم والضبط. ومن ثم فإن المسألة لا تتعلق بالاختلاف البيولوجي في ذاته، بل بالمعاني والمؤسسات والعلاقات التي تُبنى حوله وتحدد ما يترتب عليه اجتماعيًا.
وتتوافق هذه الفرضية، من حيث المبدأ، مع التحليل التاريخي لغيردا ليرنر، التي درست تشكل النظام الأبوي بوصفه عملية تاريخية معقدة، لا حقيقة طبيعية ثابتة، وربطت تطوره بتفاعلات بين الأسرة والملكية والحرب والسلطة والرموز والقوانين [5]. وبذلك يصبح النظام الأبوي ظاهرة اجتماعية قابلة للدراسة والتفسير والتغيير، لا قدرًا بيولوجيًا لا يمكن تجاوزه.
وتقترح الدراسة أن تطور بعض جماعات الصيد والتعاون والحماية يمكن أن يكون أحد المجالات التي أعادت تنظيم علاقات القوة. فالصيد الكبير يحتاج إلى التخطيط والتعاون والأدوات وتنسيق الجهود، وربما أدى امتلاك مهارات معينة مرتبطة باستخدام الأدوات أو ممارسة العنف إلى تفاوت في المكانة داخل بعض المجتمعات.
لكن لا يجوز تحويل الصيد إلى أصل حتمي للهيمنة الذكورية؛ فالصيد نفسه نشاط اجتماعي تعاوني، كما أن الأدلة الأنثروبولوجية لا تسمح بتعميم نموذج واحد لتقسيم العمل أو توزيع المكانة على المجتمعات البشرية كافة. كذلك لا يمكن اعتبار العنف خاصية طبيعية ثابتة في الرجال، لأن استخدام القوة وأشكالها ومعانيها تتأثر بالشروط الاجتماعية والثقافية والتاريخية.
والمسألة الأهم ليست وجود القوة في ذاته، وإنما ما يحدث عندما تنفصل القوة عن وظيفتها الاجتماعية وتتحول إلى مصدر مستقل للسلطة. فعندما تستخدم جماعة ما القوة لحماية المجتمع، ثم تصبح قادرة على توظيفها للتحكم به وفرض إرادتها عليه، يمكن أن تنتقل من أداء وظيفة اجتماعية إلى موقع سلطوي.
غير أن القوة وحدها لا تكفي لإنتاج الهيمنة المستقرة؛ فالسلطة تحتاج أيضًا إلى معانٍ ورموز وخطابات تبررها. ولهذا تقترح الدراسة أن أحد التحولات المهمة يحدث عندما تتحد القوة المادية مع الشرعية الرمزية، بحيث تُقدَّم القوة بوصفها طبيعية أو مقدسة أو ضرورية، أو تصبح غير قابلة للمساءلة والاعتراض.
وفي هذا السياق، تستخدم الدراسة مفهوم «الزمروية القاتلة» بوصفه مفهومًا تحليليًا مقترحًا لتفسير تشكل جماعة تجمع بين القدرة على استخدام القوة والقدرة على إنتاج الشرعية الرمزية التي تبرر استخدامها. ويُقصد به هنا وصف آلية محتملة لانفصال القوة عن وظيفتها الاجتماعية وتحولها إلى أداة للسيطرة، وليس تقديم مصطلح تاريخي ثابت أو مفهوم مستقر في الأدبيات السوسيولوجية.
ويحتاج هذا المفهوم إلى مزيد من التأصيل النظري والاختبار التاريخي والمقارنة بالمفاهيم القائمة، كما ينبغي التمييز بينه وبين الطبقة والدولة والجماعات العسكرية أو الدينية، إذ لا يكفي وجود القوة أو المكانة الرمزية لإثبات تحقق الظاهرة التي يقترح المفهوم تفسيرها.
ومن هذه الزاوية، تصبح السيطرة على المرأة أكثر من علاقة غير متكافئة بين الجنسين؛ إذ يمكن أن تمثل أحد النماذج التي تتجسد فيها آليات الهيمنة، من خلال تحويل القدرة على إنتاج الحياة إلى مجال للسيطرة، وتحويل الجسد إلى موضوع للتنظيم، وتحويل القرابة إلى وسيلة لتحديد النسب والملكية، ثم تحويل الأسرة إلى مؤسسة قد تعيد إنتاج التراتب الاجتماعي.
لكن ينبغي التعامل مع هذا المسار بوصفه فرضية تفسيرية تحتاج إلى أدلة تاريخية متباينة، لا بوصفه تسلسلًا واحدًا مرّت به جميع المجتمعات. فقد تشكلت أنظمة الهيمنة بطرائق مختلفة، وتداخلت فيها عوامل اقتصادية وسياسية وثقافية ورمزية متعددة.
وإذا كانت السيطرة على الجسد والإنجاب والقرابة تمثل إحدى الآليات المحتملة لنشوء الهيمنة، فإن السؤال التالي يصبح: كيف انتقلت علاقات القوة من المجال الاجتماعي المباشر إلى أنظمة الدين والأسطورة والملكية والأسرة والمدينة والدولة؟ وهذا الانتقال هو موضوع المبحث الرابع.
المبحث الرابع
من الهيمنة الجندرية إلى الطبقة والدولة والحداثة
لا تحفظ الأساطير التاريخ بالمعنى الوثائقي المباشر، لكنها تحفظ جوانب من الطريقة التي تخيلت بها المجتمعات أصل العالم والسلطة والحياة والموت. ولهذا يمكن قراءة الأساطير القديمة بوصفها ذاكرة ثقافية تساعد على فهم التحولات التي شهدتها المجتمعات، شرط ألا تُعامل بوصفها سجلات تاريخية مباشرة أو أدلة كافية وحدها لإثبات أنماط العلاقات الاجتماعية.
وتقدم أساطير بلاد الرافدين، مثل قصص إنانا وإنكي، وملحمة جلجامش، وأسـطورة «إنوما إيليش»، مادة مهمة لهذا النوع من القراءة. فمفهوم «المي» في تقاليد إنانا وإنكي يرتبط بمجموعة من القوى والوظائف الحضارية والاجتماعية، بينما تقدم ملحمة جلجامش عالمًا تتداخل فيه السلطة والمدينة والجسد والصداقة والموت والسعي إلى الخلود.
غير أن هذه النصوص تشكلت عبر مراحل تاريخية مختلفة، وتنتمي إلى سياقات ثقافية ودينية متباينة، ولذلك لا يجوز اختزالها في تفسير واحد أو اعتبارها دليلًا مباشرًا على طبيعة العلاقات بين النساء والرجال في المجتمعات التي أنتجتها.
ومن هنا يمكن طرح سؤال أكثر دقة: هل تعكس التحولات في الرموز الدينية تحولات موازية في السلطة الاجتماعية؟
تقترح الدراسة أن بعض الانتقالات من رموز الأنوثة المقدسة إلى صور أكثر مركزية للذكورة يمكن أن تُقرأ في علاقتها بصعود المدينة والملك والجيش والملكية والدولة. لكنها لا تعتبر هذا المسار قانونًا تاريخيًا عالميًا؛ فالحضور القوي للإلهات في مجتمع معين لا يعني بالضرورة أن النساء كن يتمتعن بالمساواة، كما أن حضور الآلهة الذكور لا يثبت وحده قيام نظام أبوي متكامل.
وتظل التحولات الرمزية مهمة لأنها تكشف أن المجتمعات تعيد تمثيل علاقات القوة في المجال الثقافي والديني. ومن هنا يصبح الدين، في بعض السياقات، أكثر من مجرد منظومة اعتقاد؛ فقد يتحول إلى لغة تمنح السلطة شرعية، أو إلى وسيلة لتثبيت التراتب، أو، على العكس، إلى مجال للاحتجاج والنقد وإنتاج معانٍ بديلة.
وتتزامن بعض هذه التحولات الرمزية مع تحولات مادية بالغة الأهمية، من أبرزها الانتقال النيوليتي. فقد أحدث الاستقرار والزراعة وتدجين بعض الحيوانات وتطور الأدوات تغيرًا عميقًا في علاقة الإنسان بالأرض والعمل والفائض.
وقد أسهم غوردون تشايلد في تطوير مفهوم «الثورة النيوليتية» لتفسير التحولات المرتبطة بانتشار الزراعة والاستقرار، كما تناول التحولات اللاحقة المرتبطة بنشوء المدن والتخصص وتقسيم العمل والإدارة [6].
لكن السؤال الذي تضيفه هذه الدراسة هو: هل كانت النيوليتية تحولًا في تقنيات الإنتاج فقط، أم أنها أعادت تنظيم المجتمع نفسه؟
فالاستقرار غيّر علاقة الإنسان بالمكان، والزراعة أعادت تنظيم علاقته بالأرض والعمل، وظهور الفائض أتاح إمكانات جديدة للتخزين والتبادل والتوزيع. وقد فتحت هذه التحولات المجال أمام أشكال جديدة من التعاون والتخصص، لكنها أوجدت، في بعض السياقات، شروطًا ملائمة لنشوء تفاوتات في الوصول إلى الموارد والتحكم بها.
ولا تسمح الأدلة بالقول إن الانتقال إلى الزراعة كان قسريًا في جميع المجتمعات، أو إنه أدى بالضرورة إلى تدهور شروط الحياة أو نشوء الهيمنة. ولذلك فإن وصف النيوليتية بأنها «ثورة مضادة» بصورة عامة سيكون تبسيطًا لمسار تاريخي متعدد الأشكال.
والأدق النظر إلى التحول النيوليتي بوصفه عملية طويلة ومتفاوتة المسارات، حملت إمكانات للتعاون والابتكار وتطوير الإنتاج، لكنها أوجدت أيضًا، في بعض المجتمعات والظروف، شروطًا جديدة لعدم المساواة وتراكم الموارد والسلطة.
ومع تراكم الفائض وظهور التجمعات الحضرية، ازدادت الحاجة إلى الإدارة والتسجيل والحساب والتخزين والتوزيع. ومن هنا ارتبطت بدايات الكتابة في بلاد الرافدين، في جانب مهم منها، بالحاجات الإدارية والاقتصادية. فالكتابة وسعت قدرة الإنسان على حفظ المعرفة ونقلها، لكنها أصبحت أيضًا أداة لتسجيل الموارد وتنظيمها وإدارة شؤون التجمعات الحضرية.
وهكذا تظهر التقنية في صورة مزدوجة؛ فهي لا تحمل قيمة أخلاقية ثابتة في ذاتها، بل تتحدد وظائفها وفقًا للشروط الاجتماعية وعلاقات القوة التي تُستخدم ضمنها. فالكتابة تستطيع حفظ الذاكرة، كما تستطيع خدمة الإدارة؛ والعلم يستطيع توسيع المعرفة، كما يمكن توظيفه في الحرب؛ واللغة تستطيع فتح المجال أمام الحوار، كما يمكن استخدامها في إنتاج الأيديولوجيا وتبرير الهيمنة.
وفي هذه المرحلة تتضح أهمية الأسرة والملكية. فإذا أصبحت القرابة والنسب والإنجاب مرتبطة بانتقال الثروة والملكية، أمكن أن تصبح السيطرة على المرأة جزءًا من تنظيم العلاقات الاقتصادية والاجتماعية.
وهنا تبرز أهمية فريدريك إنجلز في كتابه «أصل العائلة والملكية الخاصة والدولة»، الذي ربط فيه بين التحولات في الأسرة والملكية الخاصة والطبقات وإخضاع المرأة، مستندًا إلى الأدبيات الأنثروبولوجية المتاحة في عصره [7].
لكن الدراسة لا تكتفي بهذا التفسير، بل تحاول أن تعكس اتجاه السؤال أيضًا: فبدل النظر إلى الملكية الخاصة وحدها بوصفها تفسيرًا لإخضاع المرأة، يمكن البحث في الكيفية التي أسهمت بها السيطرة على المرأة وتنظيم الأسرة والإنجاب والقرابة في توفير شروط معينة لتطور الملكية والطبقة والدولة.
ولا يعني ذلك أن السيطرة على المرأة سبقت الملكية الخاصة بالضرورة في جميع المجتمعات، بل يعني أن العلاقة بينهما تستحق دراسة تاريخية مقارنة لا تفترض مسبقًا اتجاهًا سببيًا واحدًا.
ومن هنا يجب التمييز بين «الزمروية القاتلة» والطبقة والطبقة المغلقة أو الكاست والدولة. فالطبقة تشير إلى موقع اجتماعي واقتصادي داخل علاقات الإنتاج وتوزيع الموارد، بينما تشير الكاست إلى نظام تراتبي موروث يتسم بدرجات متفاوتة من الانغلاق الاجتماعي. أما الدولة فتمثل جهازًا مؤسسيًا للسلطة والإدارة والإكراه.
وفي المقابل، يشير مفهوم «الزمروية القاتلة»، كما تستخدمه هذه الدراسة، إلى محاولة تفسيرية لنشوء جماعة تنفصل فيها القوة عن وظيفتها الاجتماعية، وتتداخل فيها القدرة على الإكراه مع إنتاج الشرعية الرمزية. وهو مفهوم لا يحل محل مفاهيم الطبقة أو الدولة، بل يُطرح بوصفه أداة تحليلية تحتاج إلى مزيد من التحديد والمقارنة والاختبار.
وبذلك لا تلغي الدراسة التحليل الماركسي، بل توسع مجال السؤال الذي يطرحه. فقد قدم كارل ماركس تحليلًا مهمًا للعمل والفائض والملكية والتراكم والطبقة، وأتاح فهمًا للعلاقات الاقتصادية التي تتشكل ضمنها علاقات الاستغلال والسيطرة [8].
لكن العلاقات الاجتماعية لا يمكن اختزالها في الاقتصاد وحده؛ فالسلطة تعمل أيضًا عبر الأسرة والدين والجسد واللغة والمعرفة والرمز، وتتداخل هذه المستويات في إعادة إنتاج التفاوتات أو مقاومتها.
ومع الرأسمالية الحديثة لم تختفِ الهيمنة الجندرية، بل تغيرت بعض أشكالها وآلياتها. فقد دخلت المرأة سوق العمل بصورة أوسع، لكن ذلك لم يلغِ التفاوت في الأجور أو أعباء الرعاية أو تقسيم العمل أو التمثيل السياسي أو السلطة الرمزية.
كما دخل الجسد في دائرة السوق بصورة متزايدة، فأصبح الجمال والصورة والإعلان والاستهلاك مجالات يمكن من خلالها إعادة إنتاج المرأة بوصفها موضوعًا اقتصاديًا وثقافيًا، مع اختلاف أشكال ذلك من مجتمع إلى آخر.
وهكذا لم تنتقل الهيمنة ببساطة من شكل قديم إلى شكل حديث، بل أعادت تشكيل نفسها ضمن علاقات أكثر تعقيدًا تتداخل فيها الأسرة والسوق والإعلام والمؤسسات والقوانين. ولذلك فإن فهم تاريخ الهيمنة لا يكفي وحده، بل يقود إلى السؤال الأهم: كيف يمكن تفكيكها وإعادة بناء المجتمع على أسس أكثر حرية ومساواة وديمقراطية؟
المبحث الخامس
حرية المرأة وإعادة بناء المجتمع الديمقراطي
إذا كان تاريخ المجتمع قد شهد تحولات من إنتاج المعنى من أجل الحياة إلى نشوء أنظمة للهيمنة، فإن التحرر لا يمكن أن يعني مجرد إزالة سلطة سياسية محددة، بل يحتاج إلى إعادة بناء العلاقة بين الإنسان ونفسه، وبين الرجل والمرأة، وبين المجتمع والدولة، وبين الاقتصاد والحياة، وبين الإنسان والطبيعة.
وفي هذا السياق تأتي فكرة المفكر عبد الله أوجلان حول «قتل الذكورية» بمعناها الرمزي والسياسي؛ فهي لا تعني قتل الرجل البيولوجي، وإنما تفكيك الشخصية الذكورية التي تشكلت حول الهيمنة والملكية والعنف والسيطرة [1].
والمقصود بذلك نقد نمط من الذكورة يجعل السيطرة شرطًا للهوية، ويربط المكانة الاجتماعية بالقدرة على إخضاع الآخر. ووفق هذا المنظور، يصبح تحرر المرأة في الوقت نفسه فرصة لتحرر الرجل من الشخصية السلطوية التي أعادت العلاقات الأبوية إنتاجها داخل الأسرة والمجتمع.
ومن هنا لا تعود حرية المرأة قضية جزئية تخص النساء وحدهن، بل تصبح معيارًا مهمًا لقياس طبيعة المجتمع كله. فإذا كانت المرأة محرومة من المشاركة في القرار والمعرفة والملكية والحياة العامة، فإن الحديث عن مجتمع حر يبقى ناقصًا، مهما بلغت درجة تطور مؤسساته الرسمية.
وتؤكد فلسفة عبد الله أوجلان أهمية تحرير المرأة في بناء مجتمع ديمقراطي حر، كما تربط بين نقد العلاقات الأبوية وإمكان تجاوز أشكال الهيمنة المتجذرة في المجتمع [1]. وتتقاطع هذه الفكرة مع اتجاهات في الفكر النسوي والاشتراكي أكدت أن الطبقة والجندر مجالان متداخلان للتحليل، وإن لم يكن أحدهما قابلًا للاختزال في الآخر.
فالملكية الجماعية، في حد ذاتها، لا تكفي لإنهاء الهيمنة إذا بقيت الثقافة الأبوية قائمة، كما أن المساواة القانونية لا تكفي إذا استمرت التراتبية داخل الأسرة وسوق العمل والثقافة. ولذلك يحتاج التحرر إلى تحول في الوعي، وإلى تغيير في المؤسسات والعلاقات الاجتماعية وآليات توزيع الموارد والقرار.
ومن هنا تأتي أهمية الفكر؛ فالإنسان لا يستطيع تغيير علاقاته بصورة عميقة إذا بقي أسيرًا للمعاني التي أنتجتها تلك العلاقات. وإذا كانت الهيمنة قد نجحت تاريخيًا، في بعض السياقات، في تقديم عدم المساواة بوصفها أمرًا طبيعيًا أو مقدسًا، فإن التحرر يبدأ بكشف تاريخية هذه المعاني وإظهار قابليتها للنقد والتغيير.
ولذلك فإن إعادة التفكير في المرأة والرجل والأسرة والعمل والسلطة ليست مرحلة ثانوية في عملية التحرر، بل جزء من عملية التحرر ذاتها.
وهنا يمكن استعادة السؤال الفلسفي عن الإنسان والحرية. فالفلسفة تبدأ عندما يرفض الإنسان الاكتفاء بما هو موجود، ويسأل عما ينبغي أن يكون. ومن هذا المنظور، يحتاج تحرير المجتمع إلى القدرة على نقد الواقع، لا إلى مجرد التكيف معه.
وعندما ننظر إلى موقع المرأة بوصفه مؤشرًا على طبيعة المجتمع، فإن المقصود ليس اختزال المجتمع في المرأة، وإنما اعتبار مكانتها أحد المؤشرات المهمة على طبيعة العلاقات الاجتماعية العميقة.
فإذا كانت المرأة قادرة على المشاركة في إنتاج المعرفة والقرار والعمل والمعنى، فإن ذلك يدل على اتساع إمكانات المشاركة والديمقراطية في المجتمع. أما إذا كانت محصورة في دور محدد، أو خاضعة للوصاية أو الاستغلال أو الحرمان من الحقوق، فإن ذلك يكشف استمرار بنى من الهيمنة تعوق تحرر المجتمع بأكمله.
ومن هنا تعود الدراسة إلى علم الاجتماع نفسه. فإذا كان المجتمع شبكة من المعاني والقيم والعلاقات المتحركة، فإن علم الاجتماع لا ينبغي أن يقتصر على البحث عن قوانين جامدة، بل عليه أن يسأل: كيف ينتج المجتمع معانيه؟ ومن يملك حق تعريف الحقيقة؟ وكيف تتحول الاختلافات إلى تراتبات؟ وكيف تتحول القيم إلى مؤسسات؟ وكيف تتحول المعرفة إلى سلطة؟ وكيف يتحول العمل إلى ملكية وعلاقات غير متكافئة؟
وعند هذه النقطة يلتقي علم الاجتماع بالفلسفة والأنثروبولوجيا والتاريخ وعلم الآثار؛ لأن المجتمع لا يمكن فهمه من خلال عامل منفرد. فالاقتصاد يفسر جوانب من علاقات الإنتاج والتوزيع، والسياسة تفسر جوانب من السلطة واتخاذ القرار، والأنثروبولوجيا تدرس القرابة والثقافة، والتاريخ يكشف التحولات، والفلسفة تبحث في المعنى والحرية والعدالة. أما الظاهرة الاجتماعية فتتضح بصورة أعمق عند دراسة التفاعل بين هذه المستويات.
وهذا هو أحد المعاني الأساسية لمفهوم «المجتمع الأخلاقي والسياسي»: أن يستعيد المجتمع قدرته على تنظيم حياته، وأن تكون السلطة خاضعة للمشاركة والمساءلة بدل انفصالها عن المجتمع، وأن تتحول السياسة من احتكار القرار إلى المشاركة فيه، وأن يصبح الاقتصاد وسيلة لخدمة الحياة بدل تحوله إلى غاية مستقلة عنها.
وفي هذا الإطار، يصبح الاختلاف مصدرًا للتنوع والتفاعل، بدل أن يتحول إلى أساس للتراتبية والإقصاء.
وبذلك تصبح الديمقراطية أوسع من الانتخابات والمؤسسات الرسمية؛ إنها نمط من الحياة الاجتماعية يقوم على المشاركة والتعدد والاعتراف المتبادل والمسؤولية. والمجتمع الديمقراطي ليس مجتمعًا بلا اختلاف، بل مجتمع يمتلك آليات سياسية واجتماعية وقانونية تمنع تحول الاختلاف إلى هيمنة، وتتيح إدارة النزاعات دون إلغاء الأطراف المختلفة.
ومن هنا لا تعود الحرية مجرد غياب للقيد، بل تصبح قدرة الفرد والجماعة على المشاركة في إنتاج الذات والعلاقات الاجتماعية وإعادة تشكيلها. فالإنسان الحر ليس إنسانًا يعيش خارج المجتمع، بل إنسان يشارك في إعادة تشكيل المجتمع الذي يعيش فيه.
وعندما نصل إلى هذه النقطة، يعود السؤال إلى بدايته ولكن على مستوى أعلى: إذا كان الإنسان قد صنع المجتمع، وإذا كان المجتمع قد أسهم في إعادة تشكيل الإنسان، فهل يستطيع الإنسان أن يعيد تشكيل المجتمع؟
إن الإجابة التي تقترحها هذه الدراسة هي أن هذه الإمكانية تظل قائمة ما دام المجتمع ليس قدرًا ثابتًا، بل عملية تاريخية مفتوحة تتفاعل فيها البنى الاجتماعية مع الفعل الإنساني والوعي والنقد والمقاومة.
الخاتمة
تظهر الدراسة أن الانتقال من الطبيعة إلى المجتمع لم يكن مجرد انتقال من الوجود البيولوجي إلى الوجود الاجتماعي، بل كان انتقالًا إلى عالم جديد من المعنى والرموز والعمل والمعرفة. فالإنسان لم يكتفِ بالبقاء داخل شروط الطبيعة، بل بدأ في تفسير العالم وإنتاج اللغة وبناء الرموز وتنظيم العلاقات، ومن خلال هذه العمليات تشكلت الطبيعة الثانية، أي العالم الاجتماعي والثقافي الذي ينتجه الإنسان ويعيد إنتاجه تاريخيًا.
ثم ارتبط إنتاج المعنى بتنظيم الحياة المشتركة، فتطورت أشكال من الأخلاق والسياسة والعمل والتوزيع والتعاون. ومع اتساع المجتمعات، ظهرت إمكانات جديدة لتحول التنظيم إلى سلطة، وتحول الاختلاف إلى تراتبية، وتحول المعرفة إلى احتكار، والقوة إلى جهاز مؤسسي قادر على فرض الإرادة.
وفي هذا السياق تبرز العلاقة بين المرأة والرجل بوصفها أحد المجالات الأساسية لدراسة الانتقال من الاختلاف إلى الهيمنة. ولا تكمن المشكلة في الذكورة والأنوثة بوصفهما اختلافين، وإنما في تحويل الاختلاف إلى عدم مساواة، ثم تحويل عدم المساواة إلى نظام اجتماعي يعيد إنتاج نفسه عبر الأسرة والملكية والدين والثقافة والدولة.
ومن هنا يصبح مفهوم «الزمروية القاتلة» محاولة نظرية لفهم اللحظة التي تنفصل فيها القوة عن وظيفتها الاجتماعية وتتحول إلى سلطة تجمع بين الإكراه المادي والشرعية الرمزية. وينبغي التعامل مع هذا المفهوم بوصفه أداة تحليلية مقترحة، لا بديلًا جاهزًا عن مفاهيم الطبقة أو الدولة أو الكاست، ولا حقيقة تاريخية مثبتة بصورة مستقلة عن الاختبار والمقارنة.
كما تكشف الدراسة أن التحولات النيوليتية والحضرية لم تكن مجرد تحولات في أدوات الإنتاج، بل أعادت تنظيم العلاقة بين الإنسان والأرض والعمل والفائض والملكية والسلطة. ومن هنا يصبح الانتقال إلى المدينة والدولة والطبقة جزءًا من عملية تاريخية أوسع، لا يمكن تفسيرها بعامل واحد أو بمسار موحد لجميع المجتمعات.
وفي هذا السياق، يظل ماركس وإنجلز أساسيين في تحليل العمل والفائض والملكية والطبقة، ويظل إنجلز مهمًا بصورة خاصة في دراسة العلاقة بين الأسرة والملكية الخاصة والدولة [7، 8]. وتقدم غيردا ليرنر إضافة حاسمة عندما تجعل تاريخ النظام الأبوي نفسه موضوعًا للتحليل التاريخي [5]، بينما يوسع فوكو فهم السلطة ليشمل الجسد والمعرفة والخطاب وآليات التطبيع [4]، ويساعد تشايلد على فهم التحولات النيوليتية والحضرية [6]. أما دوركهايم، فيلفت الانتباه إلى دور المجتمع في إنتاج رموزه وقواعده ووقائعه الاجتماعية [2، 3].
وفي المقابل، يقدم المفكر عبد الله أوجلان إطارًا يعيد ترتيب هذه الأسئلة من زاوية مختلفة، إذ يضع الطبيعة الاجتماعية والمجتمع الأخلاقي والسياسي وحرية المرأة في قلب البحث عن بديل للحضارة الدولتية والحداثة الرأسمالية [1].
وبذلك لا يكون تحرير المرأة نتيجة فرعية لتحرير المجتمع، وإنما يصبح أحد معاييره الأساسية. فإذا كانت المرأة قد تحولت تاريخيًا، في بعض السياقات، من ذات فاعلة ومنتجة للحياة والمعنى إلى موضوع للسيطرة والملكية والاستهلاك، فإن تجاوز هذه العلاقة يتطلب إعادة بناء الشروط الاجتماعية والثقافية والمؤسسية التي أنتجتها.
وعليه، فإن السؤال النهائي الذي تتركه الدراسة ليس فقط: كيف نشأت الهيمنة؟ بل أيضًا: كيف يمكن تجاوزها؟
لا تكمن الإجابة في استبدال سلطة بسلطة أو هيمنة بهيمنة أخرى، وإنما في إعادة بناء العلاقة بين الإنسان والمجتمع على أساس المشاركة والتعدد والحرية والمسؤولية، وفي تطوير أشكال من التنظيم الاجتماعي والسياسي تتيح للمجتمع المشاركة الفعلية في إدارة شؤونه ومساءلة المؤسسات التي تؤثر في حياته.
إن الإنسان، وفق هذه الرؤية، ليس مجرد نتاج للتاريخ، بل يمتلك أيضًا القدرة على المشاركة في إعادة إنتاجه وتغيير مساراته. وإذا كان المجتمع قد تشكل من خلال إنتاج المعنى، فإن تحرير المجتمع يبدأ بإعادة التفكير في المعاني التي تنظم العلاقات الإنسانية، وإنتاج معانٍ جديدة لا تجعل الاختلاف أساسًا للتراتبية، ولا القوة أساسًا للملكية، ولا المعرفة وسيلة للاحتكار، ولا السياسة أداة للهيمنة.
ومن هنا تصبح حرية المرأة أكثر من قضية حقوقية أو اجتماعية؛ إنها سؤال عن طبيعة الإنسان والمجتمع والدولة والاقتصاد والحضارة. ويصبح المجتمع الديمقراطي، في جوهره، ليس المجتمع الذي يلغي الاختلاف، وإنما المجتمع الذي يمنع تحوله إلى هيمنة، ويعيد للإنسان قدرته على المشاركة في صناعة المعنى والقرار والحياة.
وبذلك تنتهي الدراسة حيث بدأ السؤال: من إنتاج المعنى إلى نشوء الهيمنة، ومن نقد الهيمنة إلى استعادة القدرة على إنتاج معنى جديد؛ معنى يجعل الحرية والتعدد والمساواة شروطًا لبناء مجتمع لا يكون فيه الإنسان موضوعًا لقوة منفصلة عنه، بل شريكًا في صناعة التاريخ.
تنويه منهجي
تستند هذه الدراسة في بنيتها النظرية الأساسية إلى أفكار المفكر عبد الله أوجلان الواردة في كتاب «منافيستو السلام والمجتمع الديمقراطي».
المراجع
1. عبد الله أوجلان ، كتاب «منافيستو السلام والمجتمع الديمقراطي».
2. إميل دوركهايم ، «قواعد المنهج في علم الاجتماع»، ترجمة محمد بدوي. تُستكمل بيانات النشر والطبعة.
3. إميل دوركهايم . «الأشكال الأولية للحياة الدينية». تُستكمل بيانات النشر والترجمة والطبعة.
4. ميشيل فوكو ، «المراقبة والمعاقبة: ولادة السجن»، و«تاريخ الجنسانية، المجلد الأول: إرادة المعرفة».
5. غيردا ليرنر ، «خلق النظام الأبوي».
6. ف. غوردون تشايلد ، «الإنسان يصنع نفسه»، و«ما حدث في التاريخ».
7. فريدريك إنجلز ، «أصل العائلة والملكية الخاصة والدولة». 1884.
8. كارل ماركس ، «رأس المال».



