كتب رياض الفرطوسي
الشرق الأوسط مرة أخرى يتحول إلى مسرح لتجارب القوى الكبرى، حيث يتشابك فيه صراع الحلفاء والمصالح الاستراتيجية، وتتصاعد موجات العنف والصواريخ والطائرات المسيرة، لتصبح الحقيقة الضحية الأولى بين الخطاب السياسي والحقائق الميدانية. في هولندا، تثير هذه التطورات نقاشات حادة في البرلمان، وبين الصحافة، ومراكز الفكر، حول دور البلاد في مواجهة توترات المنطقة، ومدى مسؤوليتها الأخلاقية والقانونية والسياسية.
في لاهاي، يجلس النواب الهولنديون على طاولة النقاش، يتبادلون التحليلات حول إرسال السفينة الحربية “إيفرتسن” إلى البحر الأبيض المتوسط، كخطوة محتملة لدعم حاملة الطائرات الفرنسية “شار ديغول”، وتأمين الأجواء ضد أي صواريخ باليستية أو كروز محتملة. تقول مارتن كرويف، خبيرة شؤون الدفاع، إن السفينة الهولندية تمتلك قدرات دفاع جوي وقيادي متقدمة، فهي تستطيع حماية تشكيل الأسطول، وتوجيه العمليات البحرية، والتنسيق مع حلفاء الناتو بسلاسة. لكن مجلس الوزراء لم يتخذ بعد قراراً نهائياً، ويشير النواب إلى أن إرسالها مسبقاً هدفه تقليل زمن الاستجابة حال اتخاذ القرار.
وتتخذ النقاشات طابعاً سياسياً أعمق، حيث يقول رئيس كتلة حزب D66، إن هولندا تواجه معضلة واضحة: المشاركة في حماية حلفائها الأوروبيين مقابل المخاطرة بالجر إلى صراع إقليمي أوسع. “نحن ندعو إلى التهدئة وضبط النفس، لكن أيضاً نريد منع إصابة الدول الأخرى”، يقول، مشيراً إلى صاروخ إيراني اعترض فوق قبرص، ودخول آخر للمجال الجوي التركي، والذي تم التعامل معه عبر بطارية باتريوت إسبانية.
القلق من التصعيد يشمل القانون الدولي أيضاً. تثير تصريحات أستاذة القانون الدولي مارييك دي هون تساؤلات حادة، حيث اعتبرت أن الهجمات الأمريكية والإسرائيلية تمثل انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي، وأن صمت هولندا عنها يعد تقصيراً في الواجب الأخلاقي والدبلوماسي. بينما يرى بعض النواب أن المصالح الأوروبية تتطلب ضبط النفس، وعدم المجازفة بالوقوع في صراع طويل وواسع.
في الوقت نفسه، تتسارع الأحداث على الأرض، حيث أعلنت إيران أنها ستتخذ موقفاً دفاعياً واضحاً، مبدية استعدادها للامتناع عن استهداف دول الخليج ما لم تصدر منها اعتداءات تجاه أراضيها، في رسالة تؤكد أنها ليست طرفاً يسعى للتصعيد، بل تسعى للحفاظ على استقرار المنطقة ضمن حدود مصالحها. وفي الإعلام الهولندي، يبرز الخبراء التوازن الدقيق بين القدرات العسكرية الأمريكية، كما وصفها وزير الدفاع الأمريكي بيت هيغسيث، والواقع السياسي والجغرافي المعقد في المنطقة، حيث تمتلك إيران أدوات متعددة للتحرك، وشبكات إقليمية تؤثر على مسار الأحداث، ما يجعل أي تقييم لحرب محتملة أكثر تعقيداً ويشير إلى أن الصبر والاستراتيجية قد تكونان المفتاح لمنع التصعيد الشامل.
وبينما يناقش السياسيون الهولنديون، يظهر سؤال جوهري: إلى أين تتجه هذه الحرب، وما الهدف النهائي؟ بعض الأصوات ترى أن الهدف هو الإطاحة بالنظام الإيراني، أو على الأقل تحجيم نفوذه، بينما آخرون يحذرون من مغامرة عسكرية بلا خطة خروج واضحة. يظهر الخطر الإقليمي في خطوط الاتصال مع الأكراد في شمال العراق، الذين تلقوا اتصالات من وكالة المخابرات المركزية لدعم انتفاضة محتملة ضد الجمهورية الاسلامية ، لكن التاريخ يحذرهم من الوعد الأمريكي، كما جربوا في 1991 وفي السنوات الأخيرة.
أما على مستوى القيادة الإيرانية، فقد شكل استشهاد المرشد الأعلى السيد علي الخامنئي في الأيام الأولى للحرب صدمة كبرى على الصعيد السياسي، إلا أن النظام أظهر قدرة استثنائية على الصمود والتكيف مع هذا الحدث التاريخي. نجل الإمام الخميني، الذي يمتلك دوراً بارزاً في إدارة شؤون الدولة، أصبح الآن أحد اللاعبين الرئيسيين في موازين السلطة، بينما يظل السيد لاريجاني، المقرب من المرشد، عنصراً مؤثراً في صنع القرار. كل هذه المعطيات تؤكد أن النظام الإيراني، رغم فقدانه لرمز القيادة الأعلى، متجذر منذ 47 عاماً، وأن استمراره لا يعتمد فقط على الأفراد، بل على شبكة واسعة من النفوذ والقدرات السياسية والعسكرية، ما يجعل أي تغييرات في موازين السلطة الداخلية عملية معقدة وطويلة، تحتاج إلى استراتيجية دقيقة تتجاوز الضربات العسكرية لتشمل الحفاظ على الاستقرار الداخلي والتحكم في شبكة النفوذ الإقليمي.
في هذا المشهد المتشابك، يظهر الإعلام الهولندي والبرلمان كمرايا للقلق الأوروبي. يتساءل السياسيون: هل يجب على هولندا المشاركة في الدفاع عن حلفائها، أم الاكتفاء بالضبط والتهدئة، حتى لا تتحول الحرب إلى مواجهة إقليمية شاملة؟ يتقاطع هذا السؤال مع المخاوف الاقتصادية، حيث ارتفاع أسعار النفط والغاز مرتبط مباشرة بالتصعيد في المنطقة، ويؤثر على الأمن الأوروبي بشكل غير مباشر.
في الحرب، كما يرى المحللون الهولنديون، تموت الحقيقة أولاً. تصريحات المسؤولين تتغير كل يوم، المعلومات تتضارب، والضحايا المدنيون يتزايدون، بينما تحاول الدول الصغيرة مثل هولندا إيجاد التوازن بين الواجب الأخلاقي، ومصالحها الأمنية، والالتزام بالقانون الدولي.
هكذا يبقى الشرق الأوسط ميداناً لتجارب القوى الكبرى، والحقائق الضائعة بين الخطاب الإعلامي، والاستراتيجيات العسكرية، والسياسات الأوروبية، والسياسة الأمريكية المتقلبة، تجعل المواطن الأوروبي في لاهاي أو أمستردام يراقب الحرب كما لو كانت عرضاً مسرحياً، حيث النهاية لا تزال مجهولة، والحقيقة أول ضحاياها.

















Discussion about this post