د. عدنان منصور*
الحرب الدائرة اليوم بين إيران والامبراطورية الأميركية ومعها الكيان “الإسرائيلي”، والتي أشعلها “داعية السلام” دونالد ترامب، الطامح لنيل جائزة نوبل للسلام، وبمشاركة مجرم الحرب في تل أبيب، لا تزال تفرز آثارها المدمرة على المنطقة والعالم.
لقد افتتحت الولايات المتحدة حربها بقصف مدرسة ابتدائية في مدينة ميناب الإيرانية، أوْدى بحياة 181 طالبة وإصابة 95 مدنياً، ما شكل وصمة عار في جبين الدولة العظمى ورئيسها، على ما اقترفه جيشها بحق الأطفال من جريمة حرب موصوفة ضدّ الإنسانية!
لقد تصوّر ساكن البيت الأبيض ومعه نتنياهو أنهما بهذه الحرب المدمرة، يستطيعان إخضاع إيران خلال أيام قليلة، وإكراهها على رفع الراية البيضاء.
هذا ما بدا واضحاً في التصريحات المتلاطمة، والمتناقضة للرئيس الأميركي الهائج، الذي أعلن فيها عن انهيار النظام الإيراني وسقوطه خلال أيام قليلة، ومعلناً “تأهّبه”، واستعداده لتعيين قيادة جديدة لإيران، وعزمه على إعادتها كما كانت قبل الثورة، الى بيت الطاعة الأميركي، وبالتالي تغيير وجه الشرق الأوسط من جديد.
هل كان ترامب ومعه جزار غزة يتوقعان صمود إيران في ميدان القتال، وردّها العنيف على عدوانهما، وإصرار القيادة الإيرانية على تأديب المعتدي، وفضح سياسته، وتعرية السلوك العدواني الأميركي ـ الإسرائيلي في العالم؟!
هل كان ترامب يتصوّر، انّ حلفاءه سيتخلون عنه، بعدما عرفوا فيه تهوّره، وعنجهيته، وتسلطه، وغروره، وقراراته الخبط عشواء التي زعزعت اقتصادات العالم، فيما هو يبحث فقط عن مصالح الولايات المتحدة على حساب الآخرين، حاملاً شعار “أميركا أولاً”، ومن بعدها الطوفان!
هل توقع ترامب ان تقبض إيران على أهمّ شريان مائي تجاري واقتصادي في العالم،
وتفرض سلطتها عليه، وتهز به اقتصادات دوله؟!
جهل ترامب لإيران وتاريخها، وقدرة قيادتها، وصبر شعبها وصموده الأسطوري، وكراهيته الشديدة لقوى الاستكبار، ولكل الذين طغوا وهيمنوا وأساؤوا إلى إيران، وعلى رأسهم الولايات المتحدة، جعله لا يعرف حتى الآن كيفية الخروج من المستنقع الإيراني الذي يتخبّط فيه، فيما الإيرانيون توّاقون منذ عقود لتصفية حساب قديم مع الامبراطورية وسياساتها المستبدة.
لم يثر الشعب الإيراني على قيادته كما كان ينتظر ترامب بفارغ الصبر، بعد أن روّج له، وحرّضه على العصيان ضد النظام، وبشّره بقرب سقوطه!
لم يسقط النظام كما تمنّى وهماً، ولم يستسلم خلال أيام كما زعم. لم تتراجع إيران أمام التهديد والوعيد ولا أمام ترهيب ترامب بقصف المنشآت المدنية الحيوية والخدمية من طاقة ومياه. تهديد أثبت للعالم كله، أنّ سيد البيت الابيض لا يعنيه قانون الحرب، أو ما يُعرف بالقانون الدولي الإنساني الذي يهدف الى حماية المدنيين والمنشآت الخدمية والطبية والجامعية، وهو الذي دشن حربه بقتل الأطفال في مدرستهم في ميناب!
لم يحدث منذ نهاية الحرب العالمية الثانية وحتى اليوم، ان تصدّت دولة للولايات المتحدة بالشكل الذي تصدّت به إيران! من تجرّأ في هذا العالم على قصف القواعد الأميركية وحاملات الطائرات والردّ على التهديد بتهديد أكبر؟!
من وقف غير إيران في وجه عدوان الولايات المتحدة وتوأمها الإسرائيلي لأكثر من 35 يوماً ولا تزال تتصدى وتقاوم؟!
متى تأخذ الولايات المتحدة، ويأخذ الرؤساء فيها العِبر من دروس وتجارب الماضي القريب، ومن مستنقعات الحروب التي غرقت فيها أميركا في فيتنام، وأفغانستان، والعراق وسورية؟! ألم تخض واشنطن الحرب وتغرق في مستنقع أفغانستان، وهي الحرب الأطول في تاريخ الولايات المتحدة، والتي تركت وراءها خسائر فادحة مالية واقتصادية وإنسانية واجتماعية داخل أميركا وافغانستان على السواء؟!
مشروع نفقات الحرب Costs of War Projectقدّر تكاليف الحرب الأميركية في أفغانستان من عام 2002 الى عام 2021، تاريخ انسحاب أميركا المذلّ من أفغانستان، بـ 2 تريليون و300 مليار دولار!
لم يتعلّم ترامب من حرب فيتنام التي مرغت هيبة، وقوة، وسمعة الولايات المتحدة في العالم، وأسقطت النقاب عن وجهها الحقيقي، ولم يتعظ من الحروب التي أشعلتها في مناطق عديدة من العالم، كلّفتها الكثير، وشوّهت صورتها أمام دول العالم وشعوبها الحرة. لقد قدّر أيضاً مشروع Costs of War project إجمالي تكاليف الحروب الأميركية في الشرق الاوسط (العراق، أفغانستان، سورية وجبهات أخرى فيه) بين عامي 2001 و2022، من 8 إلى 12 تريليون دولار، منها 2.3 ترليون دولار في أفغانستان، 2.9 ترليون دولار في العراق وسورية. تكاليف هذه الحروب تشمل أيضاً النفقات العسكرية، ونفقات الرعاية الطبية للمحاربين القدماء، وفوائد ديون الحرب، وشغل القوات الأميركية، وعملياتها العسكرية الشاملة منذ عام 2001 وحتى اليوم. تجدر الإشارة إلى أنّ هذه الأرقام لا تشمل الخسائر الإنسانية، وانخفاض الاستثمار، وتأثير اللاجئين على اقتصادات الدول المجاورة.
منذ أن شنّ ترامب الحرب على إيران يوم 28 شباط/ فبراير وحتى شهر آذار/ مارس 2026، بلغ الإنفاق العسكري للولايات المتحدة في حربها هذه حوالي 30 مليار دولار. لقد كشفت إحاطة مغلقة للكونغرس الأميركي، أنّ الولايات المتحدة أنفقت 11.3 مليار دولار خلال الأيام الستة الأولى على العمليات العسكرية، وهذا بمعدل 1.88 مليار دولار يومياً، وبحلول منتصف آذار ارتفع الإنفاق الى 16.5 مليار دولار، ليتعدّى 30 مليار دولار مع نهاية الشهر. بعض التقارير الأميركية الموثوقة، أشارت الى انّ الولايات المتحدة أنفقت 5.6 مليار دولار على الذخائر خلال اليومين الأولين فقط، وإذا ما استمرت الحرب لستة أشهر، فإنّ التقديرات تشير الى احتمال بلوغ التكلفة 200 مليار دولار. هذا الرقم يضع الحرب الأميركية ضمن أغلى العمليات العسكرية تكلفة في التاريخ الحديث خلال فترة قصيرة.
عام 1956، وبعد اندحار العدوان الثلاثي الذي قادته بريطانيا وفرنسا و”إسرائيل” على مصر، أفل وهج الشمس عن بريطانيا وفرنسا، حيث استطاعت مصر بقيادة جمال عبد الناصر، والمقاومة البطولية لجيشها وشعبها، ان تخرج منتصرة، وتنهي مغامرة وغطرسة أنطوني إيدن وغي موليه، وتطوي صفحتهما السياسية السوداء الى الأبد، ليشهد العالم في ما بعد، تراجع المكانة العالمية للدولتين، وهما يتحصّنان ويحتميان بالولايات المتحدة وحلفها الأطلسي.
الآن جاء دور امبراطورية ترامب الأميركية التي لا تغيب الشمس عن حروبها، وسياساتها العدائية تجاه الدول الحرة في العالم، حيث الحرب على إيران، ستؤدي إلى انكفاء الدولة العظمى وتراجعها، وتمهّد لمعادلات جديدة لعالم متوازن متعدد الاقطاب!
من طهران، ومن مضيق هرمز سينبثق عالم جديد ترسمه هذه المرة إيران بكلّ قوة وثبات، لتقول بصوت عال: أمن المنطقة وسيادتها يُناط بدولها وأبنائها، ولا يُناط بترامب ونتنياهو، ولا بالقواعد العسكرية المنتشرة فيها طولاً وعرضاً!
حرب السويس أسقطت رئيس وزراء بريطانيا أنطوني إيدن، ورئيس وزراء فرنسا غي موليه، وها هي الحرب على إيران ستقرّر المصير السياسي لكلّ من دونالد ترامب، ومجرم الحرب في تل أبيب…!
*وزير الخارجية والمغتربين الأسبق


















Discussion about this post