بقلم: أمين السكافي
في لبنان، لا تحتاج الظواهر إلى مقدمات طويلة كي تُفهم؛ يكفي أن تُصنّف ضمن خانة “الترند” حتى تجد لها جمهورًا واسعًا، يردّدها بحماسة، ويُلبسها ما تيسّر من قناعات مؤقتة، تمامًا كما يُبدّل ثيابه مع تبدّل المواسم. فالشعب اللبناني، بطبعه، مولعٌ بكل ما هو رائج: من الأزياء إلى الأغاني، من الديكور إلى أنماط العيش، وصولًا إلى الشعارات والمواقف السياسية. لا يهم إن كانت هذه “الموضة” تناسب واقعه أو تنسجم مع تاريخه وثقافته، المهم أنها رائجة… وهذا يكفي.
اليوم، الموضة هي “السلام”. لا، ليس السلام بوصفه حالة إنسانية عميقة تُبنى على العدالة والحقوق، بل السلام ككلمة لامعة، كعنوان جذاب، كترند عالمي ينبغي اللحاق به. فجأة، صار جزء من اللبنانيين يتغنّى به، يكرّر عباراته، ويطالب به كما لو أنه منتج جديد في السوق يجب اقتناؤه قبل نفاد الكمية. “نريد السلام”، “نحب السلام”، “نستحق السلام”… عبارات تُقال بكثير من العاطفة، وقليل جدًا من الذاكرة.
وهنا تكمن المفارقة. فحين يريد اللبناني أن يستحضر الماضي، ينبش ذاكرته حتى يصل إلى أيام “السفربرلك”، يستعيد تفاصيل لم يعشها، ويرويها كما لو أنها حدثت بالأمس. لكن حين يتعلق الأمر بتاريخ قريب، دموي، موثق، تصبح ذاكرته كذاكرة السمكة، لا تتجاوز بضع ثوانٍ. كيف حصل هذا الانفصام؟ متى أصبح التغاضي عن الجرائم مهارة وطنية؟
فالحديث عن السلام مع العدو الإسرائيلي، وكأنه فكرة بريئة، يتجاهل عمدًا سجلًا طويلًا من الاعتداءات. منذ عام 1948 وحتى اليوم، لم يرَ لبنان من هذا العدو سوى القصف، التدمير، المجازر، واستباحة الأرض والبشر. لم يميّز يومًا بين طفل وامرأة وشيخ، ولم يتوقف عن انتهاك السيادة والحدود. ولا حاجة هنا لسرد طويل، فالمآسي أكبر من أن تُحصى، وأوضح من أن تُنكر.
أما فلسطين، فالقضية أعمق وأخطر. لأن الاعتراف بهذا الكيان على أرضها لا يعني فقط “تنظيم علاقة” أو “تحقيق استقرار”، بل يعني، ببساطة، إقرارًا بشرعية وجوده، وإلغاءً ضمنيًا لحق الشعب الفلسطيني في استعادة أرضه. وهنا، لا يعود السلام خيارًا داخليًا لبنانيًا فحسب، بل يتحول إلى موقف أخلاقي وتاريخي يتجاوز الحدود.
ثم تأتي التعقيدات الداخلية. ماذا عن مئات آلاف الفلسطينيين في لبنان؟ كيف سيتعامل البلد مع هذا الواقع في ظل “السلام الموعود”؟ وهل يمكن اتخاذ قرار بهذا الحجم دون العودة إلى المرجعية العربية، التي تمثلها، بشكل أساسي، المملكة العربية السعودية؟ أم أن بعض اللبنانيين قرروا، كعادتهم، أن يسبقوا الجميع، ولو على حساب التوازنات الدقيقة؟
الأخطر من كل ذلك، هو وهم أن السلام يمكن أن يُفرض على مجتمع منقسم، هش، متشظي. كيف يمكن لفريق أن يذهب نحو اتفاق مصيري كهذا دون إجماع وطني؟ وكيف يمكن تجاوز مسألة سلاح المقاومة، الذي لم يكن يومًا تفصيلًا عابرًا، بل نتيجة عقود من الصراع والتضحيات؟ آلاف الشهداء من مختلف الطوائف والمناطق، هل يمكن اختصار دمائهم بعبارة “لقد تغيّرت الظروف”؟
هنا، يتحول “السلام” من حلم إلى سراب. لأنه لا يستند إلى أرض صلبة، بل إلى رغبة عابرة، إلى موجة عاطفية، إلى ترند سياسي. والأسوأ، أنه قد يفتح الباب أمام تفسخ داخلي أخطر بكثير من أي مواجهة خارجية. فلبنان، بهذا التكوين الهش، لا يحتمل مغامرات كبرى تُفرض عليه من دون توافق.
وفي النهاية، قد يبدو الكلام قاسيًا، لكن الحقيقة أبسط مما نحب أن نصدق: ألف حرب مع عدو واضح، قد تكون أهون، بما لا يُقاس، من سلامٍ زائف يُفكك ما تبقى من كيانٍ يتداع .

















Discussion about this post