هل تتوقف المفاوضات الإيرانية – الأمريكية؟

 

وحدة المسار والمصير لا تنفصل عن وحدة الساحات

 

بقلم: سعيد فارس السعيد

 

في السياسة كما في الحروب، لا يمكن الجمع بين خطاب وحدة الساحات وبين التعامل مع كل ساحة بمعزل عن الأخرى عندما تتعرض للاعتداء أو الاحتلال أو العدوان.

 

فعلى مدى سنوات طويلة، جرى التأكيد من قبل قوى ومحاور إقليمية متعددة على مفهوم “وحدة الساحات”، باعتباره تعبيرًا عن ترابط المصالح والتحديات والمصائر بين شعوب ودول المنطقة. وإذا كان هذا المبدأ صحيحًا في أوقات المواجهة، فمن الطبيعي أن يكون صحيحًا أيضًا في أوقات التفاوض وصناعة التسويات.

 

ومن هذا المنطلق، ترتفع أصوات شعبية وفعاليات اجتماعية وسياسية في الجنوب اللبناني مطالبةً الجمهورية الإسلامية الإيرانية بإعادة النظر في مسار المفاوضات والمراسلات والاتصالات السياسية الجارية مع الولايات المتحدة الأمريكية، سواء بشكل مباشر أو عبر الوسطاء، إلى حين التوصل إلى وقف شامل لإطلاق النار في لبنان، وانسحاب إسرائيل من الأراضي اللبنانية المحتلة، ووقف الاعتداءات والخروقات المتكررة للسيادة اللبنانية.

 

إن أصحاب هذا الموقف لا ينطلقون من رفضٍ للحوار أو للدبلوماسية أو للتفاوض كوسيلة لمعالجة الأزمات، بل من قناعة مفادها أن الأولوية الأخلاقية والسياسية يجب أن تكون لوقف نزيف الدم، وحماية المدنيين، وإنهاء معاناة القرى والبلدات الجنوبية التي دفعت أثمانًا باهظة من أرواح أبنائها ومن عمرانها واقتصادها واستقرارها.

 

كما يرون أن استمرار أي مسار تفاوضي في ظل استمرار العمليات العسكرية والاعتداءات الإسرائيلية يبعث برسائل متناقضة إلى شعوب المنطقة، ويجعل الحديث عن وحدة الساحات موضع تساؤل لدى كثيرين ممن يعتقدون أن وحدة المواقف يجب أن تواكب وحدة التحديات.

 

إن وحدة المسار والمصير لا يمكن أن تكون شعارًا سياسيًا فحسب، بل يجب أن تنعكس في الأولويات والقرارات والمواقف. فإذا كانت الساحات مترابطة في المواجهة، فمن المنطقي أن تكون مترابطة أيضًا في التفاوض وفي رسم مسارات الحلول.

 

وعليه، فإن الدعوة المطروحة اليوم تتمثل في إعطاء الأولوية الكاملة لوقف إطلاق النار الشامل في لبنان، وإنهاء الاحتلال والخروقات والاعتداءات، باعتبار ذلك خطوة أساسية نحو استقرار المنطقة وتهيئة الظروف لأي حوار أو تفاهمات إقليمية مستقبلية.

 

وبعد تحقيق هذه الأهداف، يمكن لإيران، كما يمكن لأي دولة صديقة أو حليفة للبنان، أن تواصل دعم الدولة اللبنانية ومؤسساتها الشرعية في الخيارات الوطنية التي تتخذها، بما يحفظ سيادة لبنان وأمنه واستقراره وكرامة شعبه.

 

فلا معنى لوحدة المسار والمصير إذا انفصلت عن وحدة الساحات، ولا قيمة لوحدة الساحات إذا لم تتحول إلى التزام عملي وأخلاقي وسياسي عند اشتداد الأزمات. فالمبادئ تُختبر في لحظات الشدة، والمواقف تُقاس بمدى انسجامها مع الشعارات التي تُرفع باسم الشعوب وقضاياها.

 

سعيد فارس السعيد

كاتب وباحث استراتيجي مستقل بقضايا الأمن الاجتماعي والوطني

 

“صوت من أجل شرق يولد من تحت الرماد، لا من تحت الركام.”

شارك