بقلم : أمين السكافي

عاد الجنوب يتيماً.

 

ليس يتيماً لأن أبناءه غابوا عنه، بل لأنه لم يبقَ له سوى أبنائه. عاد يتيماً إلا من رجال ونساء وأطفال حملوا وجع الأرض فوق أكتافهم، وتحولوا بفعل القهر والخذلان إلى صخور من صوان، تقف بشموخ في وجه آلة القتل والتدمير الصهيونية، دروعاً من لحم ودم تحمي الوطن والمواطن، بعدما تراجع كثيرون إلى الخلف، واكتفى آخرون بإدارة المعارك بالكلمات والبيانات والتصريحات.

 

في الأزمنة الصعبة تُختبر الأمم، وفي اللحظات المصيرية تنكشف الحقائق. وها نحن نقف اليوم أمام مشهد يكاد يختصر تاريخ هذه المنطقة بأكمله؛ شعبٌ يواجه مصيره وحيداً، وأرضٌ تتعرض للتدمير الممنهج، فيما تتقاذفها المفاوضات والتسويات والوعود التي لا تغني ولا تسمن من جوع. أصبحنا، بحق، كالأيتام على موائد اللئام، ننتظر عدالةً لا تأتي، ونستجدي إنصافاً من عالم لا يرى إلا ما يخدم مصالحه.

 

وما يزيد الروح ألماً وعذاباً أن هذه الأرض لم تكن يوماً متفرجة على آلام الآخرين. لطالما وقف أهلها إلى جانب المظلومين، وناصروا القضايا العادلة، وفتحوا قلوبهم وبيوتهم لكل صاحب حق. لكن عندما أصبحوا هم الضحية، وعندما تحولوا إلى عنوان للمأساة والوجع، اكتشفوا أن رفاق الدرب قد تفرقوا، وأن الشعارات الكبيرة قد سقطت عند أول اختبار حقيقي. لم يبقَ إلى جانبهم سوى إيمانهم بالله، وثقتهم بعدالته، ويقينهم بأن الحق قد يتأخر انتصاره لكنه لا يموت.

 

لقد بدا واضحاً أن هذه اللحظة لم تكن وليدة الصدفة، بل ثمرة تخطيط طويل أراد إعادة رسم خرائط النفوذ والقوة في المنطقة. أُريد لهذا الجنوب أن يخرج من المعادلة، وأن يُمحى من حسابات الصراع، وأن يتوقف عن كونه مصدر قلق دائم للعدو المتربص بهذه الأمة. أرادوا له أن يتحول إلى مجرد ذكرى، وإلى صفحة مطوية من تاريخ المواجهة.

 

لكنهم لم يدركوا أن الأوطان لا تُقاس بحجم الدمار الذي يصيبها، بل بحجم الإرادة التي تسكن أبناءها. ولم يفهموا أن الشعوب التي تعودت على مواجهة العواصف لا تخشاها، وأن الأرض التي ارتوت بدماء الشهداء لا تنبت استسلاماً.

 

قد تختلف التقديرات حول جدوى بعض الأحداث العسكرية أو تأثيرها الاستراتيجي، وقد يتساءل كثيرون عن القيمة السياسية أو الأمنية لبعض الخطوات التي لم تبدل موازين القوى ولم توقف العدوان. لكن الحقيقة الثابتة أن الجنوب بقي الجرح النازف، وأن أبناءه دفعوا مرة جديدة أثماناً باهظة من دمائهم ومنازلهم وأرزاقهم.

 

ومع ذلك، فإن التاريخ يعلمنا أن المحن ليست نهاية الحكايات، بل بداياتها أحياناً. فكم من أمة ظن أعداؤها أنها انتهت فعادت أكثر قوة وصلابة، وكم من شعب كتبوا له شهادة الوفاة فنهض من تحت الركام أكثر حضوراً وتأثيراً.

 

لذلك، ورغم كل هذا الألم، يبقى الأمل قائماً. فالنصر ليس لحظة عابرة، بل مسار طويل من الصبر والثبات والإيمان. وما النصر إلا صبر ساعة، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون والعاقبة للمتقين .

شارك