الجنوب اللبناني… العقدة التي لم يفهمها المتشددون

 

كتب: سعيد فارس السعيد

 

ما زال بعض المتشددين في إسرائيل، ومعهم بعض المتشددين في الولايات المتحدة، يتعاملون مع الجنوب اللبناني وكأنه مجرد مساحة جغرافية يمكن إخضاعها بالقوة العسكرية أو فرض وقائع دائمة عليها من خلال الاحتلال أو التدمير أو الضغوط الأمنية.

 

غير أن هذا الفهم يعكس، برأيي، قصوراً خطيراً في قراءة طبيعة المنطقة وتاريخها وتعقيداتها السياسية والعقائدية.

 

فالجنوب اللبناني، وجبل عامل تحديداً، ليسا مجرد منطقة حدودية عادية في حسابات الصراع. إنهما يحملان رمزية تاريخية ودينية وثقافية عميقة لدى شرائح واسعة من أبناء المنطقة، كما يشكلان جزءاً مهماً من التوازنات الإقليمية التي تنظر إليها الجمهورية الإسلامية الإيرانية باعتبارها مرتبطة بمصالح استراتيجية والتزامات سياسية وأمنية وعقائدية لا يمكن تجاهلها أو التعامل معها بخفة أو استهانة.

 

لقد أثبتت التجارب المتكررة أن الشرق الأوسط لا يُدار بمنطق القوة وحدها، وأن تجاهل الحقائق التاريخية والاجتماعية والعقائدية يقود غالباً إلى نتائج معاكسة تماماً للأهداف المعلنة. وما يراه البعض إجراءً أمنياً مؤقتاً قد تراه أطراف أخرى تهديداً مباشراً لا يمكن القبول باستمراره.

 

ومن هنا، فإن الرهان على استمرار العمليات العسكرية أو الإبقاء على أي شكل من أشكال الاحتلال أو فرض الوقائع بالقوة في الجنوب اللبناني ليس وصفة للاستقرار، بل وصفة مفتوحة لمزيد من التوتر وعدم الاستقرار.

 

إن أي مشروع حقيقي للسلام أو التهدئة في المنطقة لا يمكن أن ينجح ما لم يقترن بوقف كامل للعمليات العسكرية، واحترام التفاهمات الدولية، وانسحاب كامل من الأراضي اللبنانية، وتهيئة الظروف التي تسمح بعودة الحياة الطبيعية إلى القرى والبلدات الجنوبية بعيداً عن لغة السلاح والمواجهات.

 

وإذا كانت هناك بالفعل تفاهمات أمريكية – إيرانية أو جهود دولية تهدف إلى خفض التوتر وإعادة رسم مسار جديد للمنطقة، فإن نجاحها يبقى مرتبطاً بمدى الالتزام العملي بهذه التفاهمات على الأرض، وليس بالاكتفاء بالشعارات أو التصريحات السياسية.

 

وأقول بصراحة، ومن خلال متابعتي لما يجري على الأرض ولطبيعة التوازنات القائمة في المنطقة، إنني أرى أن خطر الحرب الواسعة بات أقرب من أي وقت مضى إذا استمرت إسرائيل في رفض وقف كامل لإطلاق النار ورفض الانسحاب الكامل من الجنوب اللبناني.

 

هذا ليس تمنياً للحرب، بل تحذير منها.

 

فالحروب لا تبدأ عادة عندما يقرر الجميع خوضها، بل عندما يعتقد بعض الأطراف أن بإمكانهم تجاهل مصالح الطرف الآخر أو فرض شروطهم عليه بالقوة. وعندما يتعلق الأمر بالجنوب اللبناني وجبل عامل، فإن تجاهل الأبعاد الاستراتيجية والعقائدية المرتبطة بهذه المنطقة قد يؤدي إلى حسابات خاطئة لا تُحمد عقباها.

 

إنني أرى أن المنطقة تقف اليوم أمام مفترق طرق خطير. فإما أن تنتصر لغة السياسة والتفاهمات والالتزام المتبادل، وإما أن يستمر التصعيد وصولاً إلى مواجهة أوسع قد تندلع في أي لحظة إذا استمرت أسباب التوتر دون معالجة حقيقية.

 

لقد آن الأوان لفهم حقيقة أساسية: الأمن لا يُصنع بالاحتلال، والاستقرار لا يُفرض بالقوة، والسلام لا يولد من فوهات البنادق، بل من العدالة والالتزام بالاتفاقات واحترام حقوق الشعوب.

 

فالجنوب اللبناني ليس تفصيلاً هامشياً في معادلات المنطقة، بل هو أحد مفاتيح الاستقرار أو الانفجار. ومن لا يدرك هذه الحقيقة اليوم، قد يكتشفها غداً بعد فوات الأوان.

 

صوت من أجل شرق يولد من تحت الرماد، لا من تحت الركام.

شارك