
كيف كسر الحصار الإيراني كبرياء واشنطن
قراءة في الهزيمة السياسية لترامب أمام طهران
عدنان الروسان
الجميع يبحث في ترسانة أمريكا العسكرية، لكن أحداً لم يقرأ شروخها السياسية. حين تتراجع القوة العظمى في مضيق هرمز، لا يعني ذلك أنها تفتقر للسلاح، بل لأن ‘أحجار الدومينو’ في المنطقة بدأت تسقط في اتجاهات غير متوقعة.
بعيداً عن صخب التعبئة الإعلامية التي أدمنت صناعة الأعداء بالوكالة، وثنائية ‘المديح والهجاء’ التي خدرت الوعي العربي لقرون؛ هناك حقيقة واحدة يتهرب منها الجميع: ترامب بات في مهب الريح الإيرانية، وقواعد اللعبة في الشرق الأوسط تُكتب اليوم ببراغماتية باردة، لا بمشاعر الواهمين.
الرياح الساخنة في مضيق هرمز غير الرياح التي في خليج فنزويلا، ثم إن من لا يعرف الصقر يشويه. بعيداً عن التهويل والاصطفاف، وبناءً على مجريات الأمور، يبدو أن الرئيس الأمريكي بات في مهب الريح.
الكونغرس صوت اليوم على قرار يلزم الرئيس بعدم العودة للحرب، وأنه يتوجب عليه أخذ إذن من الكونغرس ليحارب مرة أخرى. بالطبع نحن نعرف أن بإمكان الرئيس أن يحتال على الكونغرس والقوانين وأن يعود إلى الحرب بذرائع جديدة، حتى لو اضطر أن يقوم هو بضرب بارجة أمريكية ويدعي أن إيران ضربتها.
لا يستطيع أن يدعي أحد أن إيران أقوى من أمريكا؛ فالمنطق يقول إن أمريكا أقوى، وجيشها أكثر، وأسلحتها لا تعد ولا تحصى، ولا يقدر أحد أن يخمن ماذا لديها في ترسانتها.
مع هذا، يقول الأمريكيون إن جيشهم هُزم، والذين يقولون هذا نوابٌ وشيوخٌ وحكامُ ولاياتٍ وممثلون في هوليوود وفنانون وسياسيون وعامة الناس.
الوحيدون الذين يعتقدون ويصرون على أن أمريكا انتصرت وإيران انهزمت شريحة صغيرة من العرب، وأعتقد أننا يجب أن نجد لهم عذراً؛ فالتعبئة الإعلامية الرسمية العربية على مدى عقود طويلة أرادت أن تكون إيران العدو رقم واحد قبل إسرائيل، وربما يعود ذلك إلى أننا قد خسرنا كل حروبنا مع إسرائيل، ولم نتمكن من بناء منظومة سياسية وعسكرية ودستورية كما فعلت إيران رغم الحصار.
قبل رغبة البعض في أن يبدؤوا الصراخ وكيل التهم لي، أقول للمرة الألف: أنا سني ولي مآخذ على المذهب الشيعي، وأنا لا أحلل في المذاهب والدين –وقد تضطرونني أن أفعل يوماً ما– وأنا على مذهب أهل السنة والجماعة، وأحب علياً كما أحب أبا بكر وعمر وعثمان، وأحب فاطمة كما أحب خديجة وعائشة أمهات المؤمنين، وهنا نحن نتحدث في السياسة ونقيم الواقع من منظور تحليلي.
الأمريكيون هُزموا شر هزيمة، ومن هزمهم ثانياً رئيسهم ترامب، وأولاً الله الذي شاء أن ينقذ المنطقة من الصليبيين اليمينيين المتطرفين الذين يحكمون أمريكا، وثالثاً الإيرانيون الذين صمدوا وقدموا مثالاً للتضحية والفداء دفاعاً عن وطنهم.
وهنا أيضاً لا بد من فهم الموقف السعودي والقطري والعماني والباكستاني والتركي، الذين كانت لهم مواقف جديدة وربما غير متوقعة من الكثيرين؛ فالسعودية قامت باستدارة في موقفها وبذكاء، ورفضت دخول الحرب إلى جانب أمريكا.
في مفاوضات سويسرا رفض الإيرانيون مصافحة الأمريكيين، ورفضوا التقاط صور معهم رغم إلحاح الأمريكيين والوسطاء، وهذه مواقف لها وزن في السياسة.
الأيام القليلة القادمة سترينا أن هناك انقلاباً سياسياً وانتخابياً في إسرائيل، فنتنياهو يكاد يتميز من الغيظ، وحزب الله لم يكن كما حلل بعض محللي دول الطوق والذين قالوا إن حزب الله قد انتهى.
كما خسر الذين راهنوا على موقف الرئيس السوري بأنه سينضم لإسرائيل في قتال حزب لبنان؛ فالرئيس الشرعي فتح الطريق أمام مرور الأسلحة والذخائر لحزب الله، وهذه معلومات وليست تخرصات.
التحليل السياسي علم وليس دبكة وموسيقى ومديحاً وهجاءً، السياسة أن نقرأ الواقع ونستشرف المستقبل، والمستقبل سيكون في صالح المنطقة كلها، وليس في صالح إسرائيل ولا أمريكا.



