صورتها الحقيقية… وثمنها الباهظ

 

 

في غضون عقد واحد، تحوّلت منصات التواصل الاجتماعي من فضاء ترفيهي هامشي إلى ساحة عامة موازية، تُصاغ فيها الآراء، وتُبنى فيها السمعات، وتُدار من خلالها معارك سياسية واجتماعية حقيقية. وفي قلب هذا التحوّل، وجدت المرأة في الشرق الأوسط فرصة تاريخية: أن تُظهر صورتها الحقيقية بلا وسيط.

 

ولكن ……..

 

فتاة في السادسة عشرة من عمرها قرّرت يوماً أن تحجز لنفسها مكاناً في العالم الافتراضي. لم تكن تتخيّل أن من اعتبرته صديقاً سيتحوّل، بعد أشهر، إلى أداة تهديد يحمل صورها ويساومها بها. هذه ليست حكاية استثنائية، بل واحدة من مئات الحكايات التي باتت تتكرّر في بيروت وعمّان والقاهرة، وفي كل مدينة عربية فتحت فيها امرأة حساباً وقرّرت أن تتكلّم بصوتها هي، لا بصوت من ينوب عنها.

 

لأن هذا ما تغيّر فعلاً خلال السنوات الأخيرة: لم تعد المرأة بحاجة إلى إذن من جريدة أو حزب أو رب أسرة كي تقول رأيها في قضية سياسية أو اجتماعية. صورة، تعليق، فيديو من ثلاثين ثانية، وقد وصلت كلمتها إلى آلاف الناس. هذا حضور حقيقي ومكسب لا يُستهان به. لكن من يتابع شكاوى مكافحة الجرائم الإلكترونية في المنطقة يدرك أن هذا الحضور نفسه صار، عند كثيرات، فخّاً: حساب مخترق، صفحة وهمية تحمل اسمها وصورتها، صور مفبركة، أو ببساطة رسالة تقول: “ادفعي، أو سأنشر“.

 

مسح ميداني أُجري في لبنان قبل سنتين كشف أن خُمس حالات العنف الرقمي ضد النساء كانت عبر حسابات مزيفة استُخدمت لنشر صور أو آراء مفبركة بقصد التشهير، بينما جاء في المرتبة الأولى جمع معلومات شخصية لخلق خلافات أو إيذاء الضحية مباشرة. والأقسى في الأمر أن من يدفع الثمن الاجتماعي غالباً ليست يد المبتزّ، بل الضحية نفسها: لوم العائلة، نظرة المحيط، وأحياناً قرار صامت بحذف الحساب والانسحاب من الفضاء العام بالكامل. كأن العقاب يقع على من تكلّمت، لا على من هدّد.

 

فأين القانون من كل هذا؟ الجواب ليس “لا يوجد”، بل أقرب إلى “موجود، لكنه يلهث خلف الواقع“.

 

الأردن، على سبيل المثال، خطا خطوة لافتة حين أقرّ قانون الجرائم الإلكترونية رقم 17 لسنة 2023، الذي نصّت مادته الثامنة عشرة صراحة على عقوبة كل من ابتزّ أو هدّد شخصاً عبر منصة تواصل اجتماعي أو وسيلة تقنية، وشدّدت المادة العشرون العقوبة إذا كان التهديد بإسناد أمور تمسّ الشرف. هذا تقدّم حقيقي، لكن من يقرأ النص بعين قانونية يلاحظ أنه ما زال عاماً، صيغ بمنطق “أي ضحية”، لا بمنطق يأخذ في الحسبان أن الاستهداف غالباً موجّه بالتحديد ضد النساء، وأن طبيعة الضرر الاجتماعي الذي يلحق بهنّ مختلفة عن أي تهديد آخر.

 

في لبنان الصورة أكثر هشاشة. لا يوجد حتى اليوم قانون مستقل لمكافحة الابتزاز الرقمي، والمرجع ما زال المادة 650 من قانون العقوبات، نص عمره عقود، يعاقب من يهدّد بفضح أمر يمسّ الشرف بعقوبة لا تتجاوز السنتين سجناً مع غرامة رمزية. جمعيات نسوية مثل “فيمايل” و”لوياك” عقدت اجتماعات لمناقشة مسودة قانون خاص بمناهضة الابتزاز الرقمي، لكنها بقيت حبراً على ورق حتى الساعة. وما يثير القلق أكثر أن أرقام الشكاوى ترتفع بشكل حاد كل مرة تمرّ فيها البلاد بأزمة، وكأن الابتزاز الرقمي يتغذّى من هشاشة الناس النفسية والاقتصادية لا من فراغ قانوني وحده.

 

مصر، بالمقابل، تملك إطاراً أكثر تفصيلاً من الناحية الفنية عبر قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات رقم 175 لسنة 2018، الذي يجرّم انتهاك الخصوصية ونشر بيانات شخصية دون إذن. لكن حتى هذا النص وُلد من رحم منطق أمني عام، لا من تفكير مخصّص بما تواجهه المرأة تحديداً حين تصبح صورتها أو خصوصيتها سلاحاً يُشهر في وجهها.

 

والمشكلة، إذا أردنا أن نكون صادقين، ليست فقط في النص. هي في التطبيق أيضاً، وربما أكثر. كثيرات يتردّدن في التبليغ خوفاً من أن تتحوّل الشكوى نفسها إلى فضيحة جديدة، أو من نظرة محقّق لا يفهم حساسية الموضوع. أقسام الجرائم المعلوماتية في أغلب الدول ما زالت تفتقر إلى عدد كافٍ من العنصر النسائي الذي قد يمنح الضحية شعوراً بأنها لن تُحاكَم على وجودها الرقمي قبل أن يُحاكَم من ابتزّها. وحين تُضاف إلى هذا بطء الإجراءات القضائية وصعوبة ملاحقة جناة يختبئون خلف حسابات وهمية أو خوادم في بلدان أخرى، يصبح الانتصار القانوني استثناءً نادراً لا قاعدة يمكن التعويل عليها.

 

ما الذي ينقص إذن؟ تشريعات تُسمّي الأشياء بأسمائها، تُعرّف الابتزاز الرقمي والعنف الإلكتروني القائم على النوع الاجتماعي كجريمة قائمة بذاتها لا كنسخة رقمية من تهديد تقليدي قديم. تعاون فعلي وسريع مع شركات التواصل لإزالة المحتوى المهدِّد خلال ساعات لا أسابيع. وحدات نسائية متخصصة داخل أجهزة إنفاذ القانون. دعم نفسي وقانوني مجاني يرافق الضحية من لحظة الشكوى حتى صدور الحكم. وربما الأهم: حملة توعية حقيقية تعيد توجيه اللوم إلى يد المبتزّ، لا إلى صورة المرأة التي قرّرت أن تكون حاضرة.

 

حرية المرأة في أن تظهر بوجهها الحقيقي وتقول رأيها بصوتها ليست ترفاً نقاشه مؤجَّل، بل شرط أساسي لأي مجتمع يدّعي الإيمان بالديمقراطية والمشاركة الكاملة لنصف سكانه. لكن هذه الحرية تبقى ناقصة، بل خطيرة أحياناً، ما لم يحميها قانون بالجدية نفسها التي يحمي بها أملاك الدولة أو أمنها المصرفي. الأردن بدأ الطريق. لبنان ومصر ما زالا في منتصفه. والمسافة المتبقية بين النص القانوني والحماية الفعلية على الأرض هي بالضبط المسافة التي يقف فيها اليوم كل مبتزّ ينتظر فرصته

 

الخوارزميات وصناعة الاستقطاب والكراهية: من هندسة الانتباه إلى إعادة تشكيل الوعي الاجتماعي والسياسي

عام على عملية السلام والمجتمع الديمقراطي في تركيا، بين ضرورات الدولة وتحولات القضية الكردية

من الخيام إلى هرمز: حربٌ تريد أن تُعيد ترتيب الإقليم بالنار، وصفقةٌ لا تولد إلا على حافة الهاوية

شرعية الخضوع وشرعية الرفض, الكرد كاختبار نهائي لمعنى الدولة في سوريا

من ذهنية الصراع إلى فنّ بناء المجتمع الديمقراطي

سوسن شومان

 

 

 

 

 

 

 

 

الأستاذة سوسن شومان ناشطة حقوقية ومنسقة لغة فرنسية إضافة إلى أنها ناطقة باسم مبادرة نون ومدربة وعي قانوني مع جمعية عدل بلا حدود.

 

شارك