ما بعد سويسرا: إيران تُدير هرمز، وإسرائيل تتلقى رسالة “انتهى الضوء الأخضر”، ولبنان يُقرر من يتفاوض بحقه

 

 

ثلاثة محاور تتقاطع في أيام عاشوراء لترسم خريطة المنطقة القادمة ، وفي كل محور: خاسر يتخبط، ومنتصر يُحكم قبضته

 

المقدمة

 

لا تُقاس المعارك الكبرى بيوم واحد، بل بما تكشفه الأيام التي تليها. وما كشفته الأيام الثلاثة الماضية ، من عودة قاليباف من سويسرا ومسقط، إلى رسالة واشنطن لتل أبيب “انتهى الضوء الأخضر”، إلى جولة خامسة في واشنطن تحاول فيها أطراف لبنانية رسم خريطة لا يكون فيها حزب الله شريكاً ، هو لوحة متكاملة لمرحلة انتقالية تتشكل على عجل. ثلاثة محاور، ثلاث حقائق، وخيط واحد يجمعها: انتهاء عصر “الغطاء المفتوح”، وبدء عصر القواعد الجديدة التي كتبها الميدان قبل أن يُملي عليها أحد.

 

#أولاً: سويسرا ، حصاد حقيقي أم ورقة مؤقتة؟

 

قاليباف، عائداً من بورغنشتوك ومسقط، كشف عن حصيلة غير مسبوقة: رفع الحصار البحري بالتزامن مع التوقيع، إفراج عن 12 مليار دولار من الأصول المجمدة، رفع مؤقت للعقوبات النفطية، إنشاء مركز تنسيق للانسحاب الإسرائيلي من لبنان، وآلية اتصال مباشر مع فانس لمتابعة التنفيذ. هذا ليس اتفاقاً نظرياً ، هو ما اضطرت مذيعة فوكس نيوز لأن تواجه به فانس الذي اعترف أن “تقدماً كبيراً تحقق فيما يخص وقف النار في لبنان.”

 

لكن الأهم مما كشفه قاليباف هو ما رفضه: حين وصلت تهديدات ترامب خلال الجلسة (“لن يتمكن المفاوضون من العودة لبلدهم”)، أبلغ الجانبَ الأمريكي أن إيران “لا تتفاوض تحت التهديد”، غادر الجلسة ولم يعد، وأكمل التفاوض عبر الوسطاء فقط. هذا الموقف وحده يكشف طبيعة المفاوض الإيراني: يستطيع أخذ الإنجاز دون أن يمنح الخصم صورة النصر الإعلامية.

 

#ثانياً: “انتهى الضوء الأخضر” ، رسالة تُغير قواعد الاشتباك

 

الجملة التي نقلتها القناة 13 العبرية عن مسؤول إسرائيلي كبير كانت قاطعة: “كان لديكم رصيد للعمل بلا حدود، وقد نفد.” وترامب أكّدها علناً حين أجاب الصحفي الذي نقل له قول نتنياهو “لن أنسحب من لبنان”: “حسناً، سأتحدث مع بيبي وأحل المشكلة سريعاً جداً.” الرئيس الأمريكي يُعامل رئيس الوزراء الإسرائيلي كمشكلة تحتاج حلاً، لا كحليف يُستشار.

 

ورغم هذا كله، يواصل الاحتلال انتهاكاته: قوات إسرائيلية أطلقت رصاصاً متفجراً (دمدم) على فريق مدني في النبطية الفوقا كان ينتشل الشهداء من تحت الأنقاض، فاستشهد مواطنان أحدهما موظف بلدي. هذا التناقض الفاضح — قيود مشددة على قادة الميدان من قِبل رئيس الأركان، وانتهاكات فردية تمضي دون محاسبة ، هو صورة جيش يخضع لقرار سياسي لا يزال ممزقاً بين إرادة ترامب وهستير يا بن غفير.

 

#ثالثاً: معركة الرواية اللبنانية ، من يتفاوض بحق من؟

 

في اليوم نفسه الذي انطلقت فيه الجولة الخامسة من المفاوضات اللبنانية-الإسرائيلية في واشنطن، برزت محاولة إعلامية لالتزام المقاومة بعدم الرد على أي اعتداء إسرائيلي وإحالته لمجلس الأمن ، وهو ما وصفه محرر الشؤون العبرية في المنار بـ”محاولة خبيثة لإعطاء إسرائيل حرية الحركة التي سلبها الاتفاق الإيراني الأمريكي.” والحقيقة التي تفضح هذا المسعى في بندٍ واحد: السلطة اللبنانية لم تُقدّم حتى اللحظة شكوى واحدة لمجلس الأمن ضد الاعتداءات الإسرائيلية منذ عام 2023. فكيف يُطلب من المقاومة اللجوء لمؤسسة لا تستخدمها السلطة نفسها لحماية مواطنيها؟

 

في المقابل، قاليباف كان واضحاً: “لن نتخلى عن ضمان وحدة الأراضي اللبنانية حتى تتحقق.” وهذا بالضبط ما يُزعج من يريد التفاوض على لبنان بمعزل عن من يحميه.

 

#الخاتمة

 

المشهد اليوم واضح لمن أراد قراءته: إيران خرجت من سويسرا بإنجازات موثّقة، وتمسك بزمام هرمز كورقة دائمة لا ورقة انتهت بالتوقيع. وإسرائيل تتلقى رسالة تلو الأخرى بأن الضوء الأخضر انطفأ، فيما قائدها يطالب علناً بالتحرر من السلاح الأمريكي ، اعتراف بأن المظلة لم تعد مفتوحة. ولبنان أمام اختبار حقيقي: إما أن يستثمر ما رسمه الميدان وثبّتته الدبلوماسية الإيرانية، أو أن يُسمح لمن لا يمثله بأن يُوقّع باسمه.

 

..ما كُسب بالدم لا يُهدى في مكتب. وما ثبّته علي الطاهر لا يُنسَخ في واشنطن. الضوء الأخضر انطفأ، والمنطقة تدخل مرحلة جديدة — ولبنان أمام لحظة نادرة: إما أن يقرأها، أو يدفع ثمن من قرأها بدلاً منه.

 

قولوا يا رب.

 

د. وسيم جابر

شارك