
التنافس التكنولوجي بين أمريكا والصين
حسين راغب
رئيس حزب الإصلاح الوطني
جميع الحقوق محفوظة للمؤلف
2025
التنافس التكنولوجي بين الولايات المتحدة الأمريكية والصين:
* تعد التكنولوجيا الأداة الأبرز من أدوات التطور والتقدم للدول ثم أصبحت في العقود الأخيرة واحدة من أهم مقومات قوة الدول، ومن يملكها فقد امتلك مفاتيح عوامل القوة الأخرى، ويعود السبب في محورية هذا الدور إلى أن التكنولوجيا لم تعد مهمة لذاتها فحسب، وإنما لدورها في مضاعفة حجم عوامل القوة الأخرى وتأثيرها أيضاً.
* تؤدي التكنولوجيا دوراً حاسماً في عملية التغيير على المستوى الدولي بعد دخولها كعامل للقوة ومعيار تفضيل لعوامل القوة الأخرى وهي تسهم إسهاماً مباشراً أو فعالاً في تغيير طبيعة الفاعلين الدوليين وتغيير أنماط التفاعل بينهم وأخيراً تغيير قواعد السيطرة وصورتها داخل النظام الدولي انطلاقاً من معطيات، تكنولوجيا يتم توظيفها في بنية عناصر قوة الدول، وقد أدركت الولايات المتحدة الأمريكية والصين هذه الحقائق إدراكاً جلياً، فالأولى هي القطب المتفرد والأقوى عالمياً خصوصاً على المستوى التكنولوجي والثانية هي قطب صاعد بقوة يسعى إلى تحقيق ما يمكن تسميته بالإزاحة القطبية، وهو أمر يتوقعه القطب الأمريكي نفسه، ولهذا السبب تشتد المنافسة بين الطرفين، وبصورة لا يدخر فيها جهد أو مال أو مواجهة تجارية وسياسية وإعلامية.
التحركات الأمريكية في مجال التنافس التكنولوجي مع الصين.
1 ـ زيادة الاتفاق على قطاع تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي:
في سياق المنافسة الشديدة تنفق الولايات المتحدة الأمريكية اليوم مزيداً من مواردها على قطاع التكنولوجيا ولاسيما في مجال التكنولوجيا العالية التقنية في مواجهة الاستراتيجية الصناعية التي أطلقتها الصين والمعروفة باستراتيجية (صنع في الصين 2025) التي تركز على الاستثمارات في الذكاء الاصطناعي وتقنيات الكم، والبيانات الضخمة، ومكنت الصين من تطوير قدراتها في مجال التكنولوجيا العالية التقنية ما جعلها متقدمة في المجالات العسكرية والاقتصادية وفي مجال الفضاء الخارجي، لذا تسعى الولايات المتحدة الأمريكية للحفاظ على تفوقها في مجال الفضاء الخارجي في مقابل صعود الصين بالإضافة إلى روسيا وتمكنهما من إنشاء قوات فضائية يمكن أن تؤدي مهام عسكرية في الفضاء، ومن ثم دفعت الولايات المتحدة الأمريكية في المقابل إلى إنشاء القوات الأمريكية الفضائية ما سيغير من موازين القوى على مستوى النظام الدولي، ويرفع مستوى الصراع بين القوى الدولية إلى أبعاد جديدة تتجاوز حدود البر والبحر والجو إلى الفضاء الفسيح وتوظيفه في خدمة صراع الكبار من أجل القوة العالمية.
2 ـ خطر الستثمارات الأمريكية في شركات الذكاء الصطناعي الصينية:
وفي محاولة لإبطاء تقدم الذكاء الاصطناعي الصيني كان التكتيك الآخر لواشنطن هو خنق قدرة الصين على الوصول إلى رقائق. وقع الرئيس الأمريكي (جو بايدن) يوم 9 آب 2023 أمراً تنفيذياً يتم بموجبه حظر الاستثمارات الأمريكية في الشركات الصينية في ثلاثة قطاعات تكنولوجية شديدة الحساسية والدقة وهي (أشباه الموصلات والإلكترونيات الدقيقة، وتقنيات المعلومات الكمية، وبعض أنظمة الذكاء الاصطناعي)، وبموجب هذا الأمر التنفيذي سيُطلب من الشركات الأمريكية أيضاً الكشف عن الاستثمارات التي تقوم بها الصين في قطاعات التكنولوجيا الفائقة وهو ما يمنح الحكومة الأمريكية السلطة لفحص المعاملات الأجنبية من قبل الشركات الخاصة ما يمثل توسعاً غير مسبوق في الرقابة الحكومية على شركات القطاع الخاص.
* يأتي هذا الأمر التنفيذي الأمريكي في إطار تطبيق استراتيجية (ساحة صغيرة وسور مرتفع) التي اعتمدت عليها إدارة بايدن وتعني أن يتم التركيز فقط على قطاعات محددة لتقيد التعاون بشأنها مع الصين وهي القطاعات التي يمثل تطويرها تهديداً للأمن القومي الأمريكي، وفيما عدا هذه المجالات فإن واشنطن مستعدة لتطوير العلاقات الاقتصادية مع بكين بما يسمح للجانبين بحصاد المنافع بشكل متبادل.
وفي هذا الإطار يأتي الأمر التنفيذي لحظر الاستثمارات الأمريكية في الشركات الصينية إلى تطوير برمجيات لتصميم الرقائق والأدوات اللازمة لتصنيعها بهدف تضييق الخناق بشكل أكبر على إمكانات بكين لتطوير صناعة الرقائق بشكل محلي حيث أن توصيفها لصناعة الرقائق الإلكترونية سيسهم في تحقيق طفرة اقتصادية وصناعية وعسكرية في الصين.. قد تُرجح كفتها على حساب الولايات المتحدة.
2 ـ حث مزيد من الدول على تقييد الاستثمارات في الصين: يمثل إقرار الولايات المتحدة للأمر التنفيذي حافزاً لبعض من حلفائها الأوروبيين لاتخاذ خطوات مماثلة.
3 ـ الرصد الدقيق لمسار تدفق الاستثمارات الأمريكية في الصين: سيعمل هذا القرار على دعم قدرة الإدارة الأمريكية على رصد وتحليل تدفق الاستثمارات في التقنيات الدقيقة بالصين، وهو ما من شأنه سد الثغرات التي خلفتها ضوابط التصدير التي اتبعتها الولايات المتحدة والتي تم بموجبها تقييد صادرات التقنيات الحساسة ولكن ليس الاستثمارات في الشركات التي تستخدم هذه التقنيات، فعلى سبيل المثال ذكرت صحيفة The Post في أواخر عام 2021 أن (بنك غولدمان ساكس) قام بضخ استثمارات في شركة Fourth Pardigm الصينية في مجال الذكاء الاصطناعي والتي اتضح فيما بعد أنها فازت بعقد غير معلن مع الجيش الصيني، وفي آذار عام 2023 تم وضع هذه الشركة ضمن قائمة الشركات المحظورة التي يمنع تصدير التكنولوجيا الأمريكية إليها، وهذا المثال يُعد أحد الدوافع الرئيسية لإصدار الأمر التنفيذي الأمريكي والعمل على سد الفجوات القانونية التي يمكن من خلالها لبكين الاستفادة من رؤوس الأموال الأمريكية.
4 ـ الحد من قدرة الصين على محاكاة الخبرات الإدارية الأمريكية: لا يقتصر الهدف من الأمر التنفيذي على تحجيم قدرة بكين على الوصول إلى التكنولوجيا المتقدمة واستخدامها لأغراض عسكرية وحسب بل يهدف أيضاً إلى الحد من قدرتها على التعرّف إلى الخبرات الإدارية لبناء مؤسسات وشركات ناجحة إذا استفادت الصين على مدار عقود من وجود شركاتها في وادي السيليكون.
* انتقد الجمهوريون الأمر التنفيذي بشأن الصين لأنه استهدف مجالات محددة لم تتضمن حظراً للاستثمارات الأمريكية في مجالات واسعة بالصين.
* خلقت جائحة كوفيد 19 ضربة قوية للولايات المتحدة وأوروبا بسبب اعتمادهم الكامل على تصنيع الرقائق الدقيقة في تايوان وما يحفها من مخاطرة جسيمة على الرغم من أن الشركة الهولندية العملاقة ASML تحتكر تطوير وتصنيع آلات تصنيع الرقائق فإن الشركة التايوانية تي إس إم سي هي المصنّع الوحيد للرقائق من 10 نانومتر إلى 4 نانومتر التي لا تستطيع الصين أو أي دولة أخرى تصنيعها بمفردها، ولا يتعارض فقط قرار الولايات المتحدة فرض عقوبات على توفير الرقائق الدقيقة المتقدمة وتقنياتها للصين إلى جانب استثمارات القطاع العام بقيمة 82 مليار دولار مع قاعدة اقتصاد السوق الحرة والعولمة بل يشير أيضاً إلى العداء الواضح تجاه بكين.
* في أيلول عام 2023 أصدرت شركة تكنولوجيا أمريكية رائدة إعلاناً غامضاً إلى حد ما وقالت شركة (إنفيديا) التي تنتج الرقائق الإلكترونية الأكثر تقدماً في العالم إن حكومة الولايات المتحدة تقيد تصدير رقائقها الأكثر تقدماً إلى بعض دول الشرق الأوسط والرقائق الإلكترونية هي شرائح السيليكون الصغيرة اللازمة لتشغيل كل الإلكترونيات من أجهزة الكمبيوتر إلى الهواتف المحمولة الحديثة وحتى السيارات.
* في آذار 2024 وافق مجلس النواب الأمريكي ذو الأغلبية الجمهورية على مشروع قانون من شأنه السماح بحظر تطبيق تيك توك في الولايات المتحدة الأمريكية إذا لم ينفصل عن الشركة الأم (Byte dance) بايت دانس، حيث صوّت المجلس بأغلبية 352 صوتاً مقابل 65 صوتاً لصالح تمرير هذا التشريع الذي يحمل عنوان (قانون حماية الأمريكيين من التطبيقات الخاضعة للرقابة من قبل الخصوم الأجانب)، وقد جاء هذا التشريع وسط جدل واسع النطاق داخل الولايات المتحدة حول تداعيات التطبيق على الأمن القومي الأمريكي عبر استغلال بيانات المستخدمين الأمريكيين، ورغم توجه الإدارة الأمريكية لإنشاء حسابات للمسؤولين بما في ذلك إنشاء حساب رسمي للرئيس (جو بايدن) على التطبيق بهدف جذب الفئات العمرية التي تستخدمه بكثافة لاسيما الفئة العمرية المعروفة بالجيل Z فإن المؤسسات الاستخباراتية والأمنية الأمريكية ترى أن هذا التطبيق ينتهك الخصوصية، ومن الضروري وضع حد لاستخدامه أو الاتفاق على آلية معينة لاستمرار تواجده داخل الولايات المتحدة.
أسباب الجدل: دفعت مجموعة من الأسباب المؤسسات الأمريكية إلى الإعراب عن مخاوفها بشأن زيادة استخدام تطبيق (تيك توك) في الولايات المتحدة، وهو ما يمكن توضيحه على النحو التالي:
1 ـ اتهام التطبيق بتقديم معلومات للحكومة الصينية: ينتقد التطبيق العديد من المؤسسات الأمنية والاستخباراتية بما في ذلك مكتب التحقيقات الفيدرالي (إف بي آي) ولجنة الاتصالات الفيدرالية، وكذلك أغلب المشرّعين داخل الكونجرس مشيرين إلى أنه يهدد الأمن القومي بصورة مباشرة، ولاسيما أنه يسمح للحكومة الصينية بجمع معلومات عن المواطنين الأمريكيين تتمثل في مواقعهم وسجلات بياناتهم وسجلات التطبيق الخاصة بهم، بما يسمح لها بتكوين رؤية عامة عن توجهات الأمريكيين المستخدمين للتطبيق من جهة واستهداف بعض الأشخاص بناء على مواقعهم الجغرافية من جهة أخرى.
2 ـ تضليل قطاعات واسعة من الرأي العام الأمريكي: أعرب مسؤولون في الإدارة الأمريكية عن مخاوفهم من استغلال الصين للتطبيق من خلال الدعاية والإعلان، وتضليل مستخدمي التطبيق عبر نشر معلومات زائفة، وهو ما دفع لجنة الاستثمارات الأجنبية التابعة لوزارة الخزانة الأمريكية إلى التهديد بحظر التطبيق في الولايات المتحدة، كما صرح كريستوفر راي مدير مكتب التحقيقات الفيدرالي خلال الإدلاء بشهادته في إحدى جلسات الاستماع أمام لجنة الاستخبارات بمجلس الشيوخ عن إمكانية تلاعب الصين بخوارزمية التطبيق لنشر معلومات مضللة.
3 ـ رداً على حظر الصين لتطبيقات أمريكية: إن الجدل الدائر في المؤسسات الأمريكية حول حظر تطبيق تيك توك لا يندرج تحت مظلة تهديدات الأمن القومي الأمريكي وحدها بل يندرج كذلك حول فكرة الخصومة مع بكين والانتقام منها، لاسيما أنها سبق أن حظرت العديد من الشركات الأمريكية العاملة في الصين على غرار فيسبوك وجوجل.
4 ـ منح استفادة أكبر للشركات الأمريكية: بلغ عدد مستخدمي التطبيق في الولايات المتحدة خلال عام 2023 نحو 170 مليون فرد ما ساعد الشركة على تحقيق أرباح وصلت إلى 16 مليار دولار وزيادة عدد المستخدمين يساهم في تناقص أعدادهم على التطبيقات الأمريكية المنافسة على غرار تطبيق فيسبوك ويوتيوب وإنستجرام خاصة في ظل الحرية التي ينتهجها هذا التطبيق مقارنة بالتطبيقات الأخرى التي تفرض قواعد على المنشورات.
5 ـ احتمالية تدخل الجماعات الداعمة لإسرائيل لحظر التطبيق: بعدما عملت منصة التواصل الاجتماعي فيسبوك على تقييد المحتوى المنشور عليها المتعلق بالصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي، خاصة بعد حرب غزة كان لتطبيق تيك توك أثر بالغ في نشر تطورات الحرب داخل المجتمع الأمريكي الأمر الذي ساهم في زيادة الكراهية لإسرائيل وفهم أعمق للقضية الفلسطينية كما تشير بعض الاستطلاعات، وهو ما دفع جماعات يهودية موالية لإسرائيل إلى التصريح بأن التطبيق يحاول مناصرة الفلسطينيين على حساب إسرائيل، وأنه يوجه الرأي العام الأمريكي بصورة خاصة، وفي هذا الصدد نقلت تقارير تصريحات لعضو الكونجرس الأمريكي الديمقراطي (رجا كريشنامورتي) الذي أكد أن الحرب في غزة هي التي دفعته إلى دعم فرض حظر على تيك توك.
خلاصة القول: إن المخاوف الأمريكية المتنامية بشأن تطبيق (تيك توك) تأتي في إطار التنافس التكنولوجي الأمريكي المحتدم مع بكين، أكثر من فكرة المخاوف المرتبطة بالأمن القومي الأمريكي، ولاسيما أن تطبيقات التواصل الاجتماعي الأمريكية تستخدم منهجيات تطبيق تيك توم في جمع بيانات المستخدمين، كما أنها تحجب أو تعرض ما تراه مناسباً أو غير مناسب من محتوى، وهناك اتهامات أخرى تتعلق ببيع بيانات المستخدمين للشركات لأغراض تجارية ما يشير إلى رغبة الولايات المتحدة في الحفاظ على تفوقها وهيمنتها في مجال التكنولوجيا على مستوى العالم ورفض فكرة وجود منافسين لها بما يعني أنه على غرار تطبيق تيك توك ستكون هناك تطبيقات أخرى غير أمريكية وكيانات تجارية معرضة للجظر إذا تم حظر هذا التطبيق.
زيادة الاهتمام بالذكاء الاصطناعي:
1 ـ زيادة الاهتمام بتكنولوجيا الذكاء الاصطناعي.
الشركات الصينية في مجال الاتنافس التكنولوجي مع أمريكا تُعد الصين موطناً لبعض أكبر شركات الذكاء الاصطناعي وأكثرها ابتكاراً في العالم، حيث استثمرت بكين بكثافة في تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي ما أدى إلى ترسيخ مكانها باعتبارها ثاني أكبر اقتصاد للذكاء الاصطناعي في جميع أنحاء العالم، كما تهدف الصين إلى أن تصبح رائدة على مستوى العالم بحلول عام 2030 ويبزغ في هذا الصدد عدداً من الشركات التكنولوجية الصينية في مجال الذكاء الاصطناعي وذلك على غرار شركات (تنسينت ـ بايدو ـ بينج أن) شركة DJI المتخصصة في تكنولوجيا الطائرات بدون طيار، وشركة (يوبتيك للروبوتات).
وتتمتع الصين بالقدرة على الاستفادة من الذكاء الاصطناعي لتحسين إنتاجياتها الاقتصادية وإن أتت في المرتبة الثانية بعد الولايات المتحدة التي تهيمن على بعض اللبنات الأساسية للذكاء الاصطناعي مثل الأجهزة المستخدمة لتدريب وتشغيل الخوارزميات، وكذلك البرامج التأسيسية المفتوحة المصدر، وفي المقابل يبرز في الصين البطء الشديد على صعيد إنشاء التقنيات الرقمية بعيداً عن العاصمة والمدن الأكثر تطوراً، وأصدرت الصين في تموز 2023 إرشاداتها الرسمية لخدمات الذكاء الاصطناعي التوليدي، لتصبح بذلك واحدة من أولى الدول التي تقننه، بعد أن أقرّت إدارة الفضاء الإلكتروني في الصين جملة من القواعد الملزمة التي دخلت حيز التنفيذ في 15 آب 2023 لتلزيم مقدمي خدمات الذكاء الاصطناعي بتسجيل خوارزمياتهم لدى الجهات الرسمية والعملية تبرز رغبة الصين في زيادة حوكمة الذكاء الاصطناعي كي تتمكن من بلورة المعايير العالمية في ذلك المجال ما يكفل لها جذب الاستثمارات العالمية وتحفيز نموها الاقتصادي والسيطرة على مختلف تصنيفات الذكاء الاصطناعي.
* استحوذ الذكاء الاصطناعي الإبداعي على صناعة التكنولوجيا في وادي السيليكون وفي الصين، مما أدى إلى هلع في التمويل والاستثمار، وقد هذا الانفجار عمالقة التكنولوجييا الأمريكيية مثل Google وشركات الناشئة مثل (أوين إيه أي) الذين حاولوا الاستحواذ على العلماء في المجال.
وقد يجذب ذلك السعي العديد من الباحثين الصينيين للعمل في الولايات المتحدة على الرغم من التوترات المتصاعدة بين بكين وواشنطن التي تحضهم على القدوم حسبما أفاد الخبراء.
* وتميزت الصين مؤخراً بسعيها لتنمية العديد من المواهب في مجال الذكاء الاصطناعي جزئياً واستثمارها الكثير في التعليم بهذا المجال، فمنذ عام 2018 أضافت البلاد أكثر من 2000 برنامج دراسات جامعية في مجال الذكاء الاصطناعي مع أكثر من 300 برنامج في أرقى الجامعات.
وعلى الرغم من ذلك لاحظ (داميان ما) المدير الإداري لمركز (ماركوبولو) أن هذه البرامج لم تكن مرتكزة بشكل كبير على التكنولوجيا التي قادت إلى اختراقات في مجال الذكاء الاصطناعي مثل (Chat Gpt) بل تركز العديد من هذه البرامج على تطبيقات الذكاء الاصطناعي في الصناعة والتصنيع، وليس كثيراً على الجانب الإبداعي من الذكاء الاصطناعي الذي يهيمن حالياً على تلك الصناعة في الولايات المتحدة وفقاً لقوله.
وعلى الرغم من أن الولايات المتحدة قادت الاختراقات في مجال الذكاء الاصطناعي مؤخراً بفضل القدرات البشرية الغريبة لروبوتات الدردشة فإن جزءاً كبيراً من هذا العمل تم بواسطة الباحثين المتعلمين في الصين.
وفقاً للأبحاث يشكّل الباحثون من ذوي الأصول الصينية الآن 38% من أصحاب المواهب الرائدين في مجال الذكاء الاصطناعي في العالم، وفي وقت سابق كان الأشخاص القادمون من الصين يشكلون 27% من أصحاب المواهب الرائدة العاملين في الولايات المتحدة مقارنة بـ31 في المائة من أبناء الولايات المتحدة.
* يأتي حوالي 18% من الباحثين من مؤسسات الدراسات الجامعية في الولايات المتحدة وفقاً للدراسة التي أجرتها (ماركوبولو) وهو مركز أبحاث يديره معهد بولسون الذي يعمل على تعزيز العلاقات البناءة بين الولايات المتحدة والصين، وتظهر النتائج زيادة للصين، حيث أنتجت حوالي ثلث باحثي الذكاء الاصطناعي الرائدين في العالم قبل ثلاث سنوات، وبالمقابل استمرت الولايات المتحدة في الوضع نفسه.
وتعتمد هذه الأبحاث على خلفيات الباحثين الذين نشرت أوراقهم في مؤتمر 2022 لمعالجة المعلومات العصبية، ويعرف هذا المؤتمر باسم (Neur Ips) ويركز على التقدمات في الشبكات العصبية التي شكلت تطورات حديثة في الذكاء الاصطناعي الإبداعي، تزداد الفجوة في المواهب على مدى العقد الماضي خلال معظم فترة العقد 2010 حيث استفادت الولايات المتحدة من انتقال أعداد كبيرة من أفضل عقول الصين إلى الجامعات الأمريكية لإكمال درجات الدكتوراه، وظلّ معظمهم في الولايات المتحدة، ولكن الأبحاث تظهر أن هذا الاتجاه بدأ أيضاً في التغيير حيث يزداد عدد الباحثين الصينيين الذين يبقون في الصين أو يعودون إليها.
* على الرغم من الحظر الذي فرضته إدارة ترامب والذي يمنع دخول الطلاب من بعض الجامعات المرتبطة بالجيش في الصين إلى الولايات المتحدة وتباطؤ نسبي في تدفق الطلاب الصينيين إلى البلاد خلال جائحة كورونا، أظهرت الأبحاث أن أعداداً كبيرة من أذكى عقول الذكاء الاصطناعي المشجعة لا تزال تأتي إلى الولايات المتحدة للدراسة.
في شهر آذار عام 2024 تم توجيه اتهامات لمواطن صيني كان مهندساً في Google بمحاولة نقل تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي، بما في ذلك الهندسة المعمارية للشرائح الدقيقة الحرجة، إلى شركة مقرها في بكين والتي دفعت له بشكل سري وفقاً لتهمة اتحادية.
وقالت (صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية) أن الأعداد الكبيرة من الباحثين الصينيين في مجال الذكاء الاصطناعي العاملين في الولايات المتحدة تشكل الآن لغزاً لصانعي السياسات، الذين يرغبون في مواجهة التجسس الصيني دون تشجيع تدفق المهندسين الصينيين الأفضل في مجال الحوسبة إلى الولايات المتحدة وفقاً للخبراء المتخصصين في التنافسية الأمريكية.
* سجل صانعو السياسات الأمريكية موقف متباين، حيث تم انتقاد سياسة إدارة ترامب التي تهدف إلى الحد من التجسس الصناعي الصيني وسرقة الملكية الفكرية لأنها قامت بمحاكمة عدد من الأساتذة بشكل خاطئ، الأمر الذي جعل العديد من المهاجرين الصينيين يعتبرون أن مثل هذه التصرفات الحكومية شجعت بعض العلماء على البقاء في الصين.
وقال الرئيس الصيني شي في اجتماعه مع نظيره الأمريكي في سان فرانسيسكو: (تهدف الخطوات لقمع العلوم والتكنولوجيا الصينية إلى احتواء التنمية الصينية عالية الجودة وحرمان الشعب الصيني من الحق في التنمية). مضيفاً: (ليست لدى الصين خطة لتجاوز الولايات المتحدة أو الحل محلها فيجب ألا تخطط الولايات المتحدة لقمع الصين أو احتوائها).
3 ـ في مجال الرقائق الالكترونية
تُعد أشباه الموصلات والرقائق الإلكترونية مكوناً رئيسياً لجميع الصناعات الإلكترونية تقريباً بدءاً من الهواتف وأجهزة الكمبيوتر والساعات إلى وحدات التحكم في الألعاب والمعدات الصناعية وصولاً إلى السيارات والطائرات المدنية والعسكرية.
ففي عام 2020 أنفقت الصين 350 مليار دولار لاستيراد رقائق إلكترونية وهو أكثر من المبلغ الذي أنفقته بكين لاستيراد النفط وتشتري الصين 60% من إنتاج الرقائق في العالم، ومن ثم فإنها تشعر أنها تعتمد على مورد لا يمكنها التحكم به، وقد تجلّى الشعور بالخطر حيال هذا الأمر في تصريح نائب رئيس مجلس الدولة الصيني (ليوهي) في أيار عام 2021 بأن (الابتكار التكنولوجي ليس مهماً فقط من أجل النمو إنها مسألة تتحكم في بقائنا على قيد الحياة).
* في أيار عام 2023 قالت هيئة تنظيم الفضاء الإلكتروني في الصين أن صانع الرقائق Micron يشكّل خطراً أمنياً كبيراً على سلسلة التوريد للبنية التحتية الحرجة في الصين، لقد قاموا بأشياء مثل تأخير عمليات الاندماج والاستحواذ على سبيل المثال كانت شركة Intel تحاول شراء Tower semiconductor ولكنهم لم يوافقوا عليها في تموز 2023.
وضعت الصين أيضاً باعتبارانهم يستخدمان قيود التصدير على معدنين هما (الغاليوم والجرمانيوم) في بعض الحالات لتصنيع هذه الرقائق أيضاً، لا يوجد الكثير مما يمكن للصين القيام به حقاً في مجال المعالجات الدقيقة.
* يتزايد إصرار بكين على دعم صناعة الرقائق المحلية التي تعلم أنها متأخرة بمسافة كبيرة خلف الشركات الأجنبية المنافسة، ولكن لها أهمية حيوية في دعم الاقتصاد وفي الحفاظ على المزايا التنافسية الجيوسياسية.
ويأتي هذا التوجه تماشياً مع تعهدات الصين هذا العام باستخدام كل ما لديها من وسائل لانتزاع التفوق التكنولوجي من الولايات المتحدة والدول الأخرى، كذلك تستعد الصين لمواجهة فرض قيود على قطاع السيارات، فالولايات المتحدة تحقق في المخطر المحتملة المتعلقة بالمعلومات والأمن السيبراني التي قد تنشأ عن استخدام السيارات الصينية المتصلة بشبكة الإنترنت.
* أصبحت المعالجات الدقيقة ساحة رئيسية للمنافسة بين الولايات المتحدة والصين خلال العقد الماضي عندما أدى رغبة الصين في الاعتماد على نفسها في هذا القطاع إلى تحول المنافسة من منافسة بين شركات إلى تنافس بين أكبر اقتصادين في العالم. وكان عام 2014 نقطة تحول رئيسية عندما أصدرت الحكومة الصينية عدداً من وثائق السياسة الجديدة.
استهدفت الصين المعالجات الدقيقة التي تعتبرها تكنولوجيا أساسية، وقد ألقى الرئيس الصيني شي جين بينغ عدداً من الخطابات بدءاً من عام 2024 مسلطاً الضوء على أهمية الرقائق في جهود الصين لتحقيق الاكتفاء الذاتي في مجال التكنولوجيا، تتخلف صناعة المعالجات الدقيقة في الصين عن غيرها من القوى التكنولوجية الكبرى الأخرى مثل الولايات المتحدة واليابان وكوريا الجنوبية وتايوان، ولتعزيز صناعة المعالجات المحلية الخاصة بها فإنها تعتمد بشكل كبير على التكنولوجيا الأجنبية، ونتيجة لذلك ترى الصين أن صناعة الرقائق تعاني من نقاط ضعف كبيرة لأنها تضطر إلى استيراد رقائق عالية الجودة لأجهزة الكمبيوتر الخاصة بها والهواتف الذكية وبرامج تدريب الذكاء الاصطناعي من دول تعتبر منافسة لها.
ومن ذلك الحين أنشأت الصين سلسلة من صناديق دعم حكومية ضخمة وشركات استثمار خاصة مرتبطة بالدولة تقدر بمئات المليارات من الدولارات كل ذلك بهدف تعزيز صناعة الرقائق الصينية.
كانت هذه هي الاستراتيجية المهيمنة للصين على مدى العقد الماضي استمرار إنفاق مبالغ ضخمة كل عام في محاولة بناء القدرة التصنيعية الصينية ومستوى التكنولوجيا، وهذا هو التركيز الأساسي للحكومة الصينية، لكن الأمور تصاعدت في عام 2022 عندما فرضت الولايات المتحدة قيوداً شاملة تهدف إلى قطع إمدادات الصين عن الوصول إلى التقنيات الرئيسية المتعلقة بالمعالجات الدقيقة التي تعمل بالذكاء الاصطناعي.
* طلبت الحكومة الصينية بهدوء من شركات صناعة السيارات الكهربائية من (بي واي دي) إلى (جيلي أوتومابايل هولدنيفر) زيادة مشترياتها من الشركات المحلية لصناعة الرقائق الإلكترونية الخاصة بالسيارات زيادة كبيرة وذلك في إطار حملة لخفض اعتماد البلاد على الاستيراد من الغرب ودعم صناعة أشباه الموصلات المحلية.
وحثت وزارة الصناعة وتكنولوجيا المعلومات شركات صناعة السيارات هذا العام على زيادة مشترياتها من المكونات المنتجة محلياً من أجل تسريع وتيرة دمجها للرقائق الصينية وذلك وفقاً لأشخاص على دراية بالموضوع.
وقال هؤلاء الأشخاص إن الوزارة التي تشرف على قطاع التكنولوجيا وضعت قبل ذلك هدفاً غير رسمي لشركات صناعة السيارات بأن تشتري خُمس ما تحتاجه من رقائق إلكترونية من السوق المحلية بحلول عام 2025 غير أنها لم تعد راضية عن وتيرة التقدم على هذا المسار، وتقوم الوزارة بتوجيه تعليمات مباشرة إلى الشركات بأن تتجنب استخدام أشباه الموصلات المستوردة من الخارج إذا أمكنها ذلك وفقاً لنفس الأشخاص الذين طلبوا عدم ذكر أسمائهم في منافسة معلومات حساسة، ومعنى ذلك من الناحية الفعلية أن تضطر شركات صناعة الرقائق العالمية إلى تصنيع منتجاتها من خلال مصنع محلي مثل شركة (سيميكوند اكتور مانيفا



