
التحرر الوطني الجديد: من تحرير الأرض إلى تحرير القرار والموارد والمعرفة
لم يعد التحرر الوطني في زمننا يشبه صورته الأولى في القرن العشرين ، فلم يعد يكفي أن يخرج الجندي الأجنبي من الأرض، أو أن يُرفع العلم الوطني فوق المباني الرسمية، أو أن تمتلك الدولة نشيدًا وحدودًا ومقعدًا في الأمم المتحدة . هذه كلها علامات مهمة ، لكنها لم تعد كافية ، فكم من دولة مستقلة شكلًا لا تملك قرارها؟ وكم من شعب حرّ على الورق، لكنه لا يملك غذاءه ، ولا طاقته ، ولا عملته ، ولا مصارفه ، ولا مرافئه ، ولا بياناته ، ولا مصيره الاقتصادي؟ وكم من بلد خرج منه الاستعمار العسكري ، لكنه بقي أسير الاستعمار المالي، أو الريعي، أو التكنولوجي، أو الطائفي، أو الأمني؟
لهذا يجب أن نعيد تعريف التحرر الوطني ، فالتحرر لم يعد فقط تحرير الأرض من الاحتلال المباشر، مع أن هذا يبقى شرطًا أساسيًا حيث يوجد احتلال ، لكن التحرر صار أيضًا تحرير القرار من الوصاية، والاقتصاد من الريع، والموارد من النهب، والدولة من الطائفية، والمجتمع من الخوف، والمعرفة من التبعية، والسياسة من الاستعمال الخارجي . فالأرض قد تتحرر عسكريًا، لكن الإنسان يبقى مستعمرًا إذا كان عاجزًا عن تقرير شروط حياته فوق هذه الأرض.
الاستعمار تغيّر لأنه تعلّم ، حين كان الاحتلال المباشر ممكنًا ورخيصًا، جاءت الجيوش وحكمت البلاد ورفعت أعلامها فوق الموانئ والقلاع والإدارات ، وحين صار الاحتلال مكلفًا، انتقل إلى أشكال أقل ظهورًا وأكثر عمقًا: القروض، الشركات الكبرى، الامتيازات، التحكم بالعملة، العقوبات، القواعد العسكرية، شبكات النفوذ، النخب المحلية، الاتفاقات غير المتكافئة، التكنولوجيا، والمنصات ، وهنا لم يعد المستعمر يحتاج دائمًا إلى حاكم عسكري ، بل يكفيه أحيانًا مصرف مركزي خاضع، أو دين عام خانق، أو طبقة سياسية فاسدة، أو مرفأ مرهون، أو قطاع طاقة محتكر، أو اقتصاد يستورد كل شيء ولا ينتج شيئًا.
لهذا لم يعد سؤال التحرر سؤالًا عسكريًا فقط . إنه سؤال شامل : من يملك القرار؟ من يملك الأرض؟ من يملك الماء؟ من يملك النفط والغاز؟ من يملك المرفأ ؟ من يملك المصرف ؟ من يملك البيانات ؟ من يملك المدرسة والجامعة؟ من يملك الرواية؟ من يملك حق إعلان الحرب وحق إعلان السلام؟ ومن يملك قدرة المجتمع على أن يعيش بكرامة من دون أن يمد يده إلى الخارج؟
في الماضي، كان الاستعمار ينهب المواد الخام ويحوّل المستعمرات إلى أسواق . واليوم يفعل الشيء نفسه، لكن بأشكال أكثر تعقيدًا ، قد تخرج المواد الخام بثمن بخس، وتعود سلعًا مصنعة بثمن عالٍ. قد يستورد البلد غذاءه رغم امتلاكه أرضًا زراعية. قد يستورد دواءه رغم امتلاكه أطباء وعلماء. قد يستورد التكنولوجيا رغم امتلاكه شبابًا متعلمين. وقد يبيع موارده المستقبلية لسداد ديون صنعها نظام سياسي فاسد. في هذه الحالة، لا يعود الاستقلال سوى واجهة، بينما البنية العميقة للبلد تظل تابعة.
والأخطر أن التبعية الحديثة لا تأتي من الخارج وحده لا، لان كثيرًا ما يأتي الخارج من خلال الداخل . من خلال نخب سياسية ومالية تستفيد من بقاء البلد ضعيفًا. من خلال طوائف تخاف من الدولة لأنها ترى فيها خطرًا على حصتها . من خلال مصالح مصرفية تفضل الريع على الإنتاج. من خلال زعماء يحولون الخوف إلى سلطة. من خلال مثقفين يبررون التبعية باسم الواقعية. ومن خلال حركات مسلحة قد تبدأ مقاومة للاحتلال، ثم تتحول، إذا لم تُربط بمشروع وطني جامع، إلى سلطة فوق المجتمع أو ورقة في تفاوض غير وطني.
لذلك، فإن التحرر الوطني الجديد يجب أن يكون تحررًا من الخارج ومن الداخل معًا ، لا يكفي أن نقاوم قوة أجنبية إذا كانت الدولة نفسها مخطوفة من فسادها أو طوائفها أو مصارفها أو ميليشياتها ، ولا يكفي أن نبني مؤسسات شكلية إذا بقي القرار السيادي موزعًا بين السفارات والمحاور والدائنين والسلاح الموازي ، كما لا يكفي أن نتحدث عن السيادة إذا كان الناس لا يملكون كهرباء ولا مدرسة ولا مستشفى ولا عملة مستقرة ولا عدالة.
في لبنان، تظهر هذه المعضلة بأقسى صورها ، فالاحتلال الإسرائيلي والاعتداءات الإسرائيلية يعطيان معنى مباشرًا لحق المقاومة ، و لا يمكن أن يُطلب من شعب أن ينسى أرضًا محتلة أو حدودًا منتهكة أو قرى مهددة ، لكن حق المقاومة لا يلغي سؤال الدولة، ولا سؤال القرار، ولا سؤال الكلفة ، فإذا تحولت مقاومة الاحتلال إلى جزء من تفاوض إقليمي لا يملكه لبنان ، يصبح البلد أمام مفارقة قاسية: يقاوم عدوًا خارجيًا، لكنه يفقد في الوقت نفسه جزءًا من قراره الوطني ، هنا لا يعود التحرر كاملًا، لأن التحرر لا يكون فقط من إسرائيل، بل أيضًا من تحويل لبنان إلى ورقة في يد الآخرين.
وفي العراق، تظهر المسألة من زاوية الثروة ، بلد غني بالنفط ، لكنه يعاني من ضعف الدولة ، والفساد، والمحاصصة، والسلاح الموازي ، والتدخلات الخارجية ، هنا لا يكون التحرر فقط في خروج الاحتلال العسكري، بل في تحويل النفط من غنيمة للأحزاب إلى أساس لدولة اجتماعية ، وفي بناء اقتصاد لا يعيش فقط على بيع الخام . وفي استعادة القرار من شبكة النفوذ الإيراني والأميركي والمحلي ، فالعراق لا يتحرر إذا استبدل تبعية بتبعية ، ولا إذا بقيت ثروته الوطنية موزعة بين المحاور والمقاولين والميليشيات.
وفي سوريا، تظهر الكارثة حين يرفع النظام شعار السيادة بينما يفتح البلد لقوى أجنبية متعددة، وحين ترفع قوى أخرى شعار الحرية لكنها ترتهن بدورها للخارج . النتيجة كانت تدمير الدولة والمجتمع معًا ، لذلك لا يمكن أن يكون التحرر السوري مجرد عودة سلطة قديمة باسم الدولة ، ولا مجرد إسقاط سلطة باسم الخارج. التحرر هناك يعني إعادة بناء الدولة على أساس المواطنة، والعدالة، وعودة اللاجئين، وخروج القوى الأجنبية، وإنهاء الاقتصاد الحربي، وإطلاق حق السوريين في تقرير مصيرهم من دون أجهزة قمع ومن دون وصايات.
أما إيران، فهي تكشف تناقضًا آخر ، فهي دولة تواجه ضغوطًا وعقوبات ومحاولات تطويق، ومن حقها أن ترفض الإخضاع ، لكن مقاومة الهيمنة الخارجية لا تمنحها حق الهيمنة على مجتمعات أخرى ، ولا تعفيها من سؤال الداخل: الحريات، العدالة، حقوق القوميات، مشاركة المجتمع، وحق الناس في مساءلة الدولة. فلا يمكن لدولة أن تطلب الاعتراف بسيادتها بينما تضع سيادة الآخرين في خدمة أمنها ، ولا يمكن أن يكون التحرر من أميركا مشروعًا تحرريًا كاملًا إذا تحول إلى شبكة نفوذ تضغط على لبنان والعراق وسوريا واليمن.
ومن هنا نفهم أن التحرر الوطني الجديد لا يكتمل إلا عندما يتخلص من وهمين . الوهم الأول أن السلاح وحده يصنع التحرر ، والوهم الثاني أن الدولة الشكلية وحدها تصنع السيادة . فالسلاح قد يكون ضروريًا في مواجهة احتلال مباشر، لكنه لا يبني اقتصادًا ولا مدرسة ولا قضاءً ولا عقدًا اجتماعيًا ، والدولة قد تكون ضرورية لتنظيم المجتمع وحماية السيادة، لكنها إذا كانت فاسدة أو طائفية أو تابعة، تتحول إلى أداة قمع أو نهب لا إلى أداة تحرر.
المطلوب إذًا ليس الاختيار بين المقاومة والدولة، بل إعادة بناء العلاقة بينهما ضمن مشروع وطني ، فمقاومة لا تحترم الدولة والمجتمع تتحول إلى سلطة موازية ، ودولة لا تحمي أرضها وناسها تتحول إلى إدارة عجز . أما التحرر الحقيقي فيحتاج إلى دولة قادرة وعادلة ، وإلى مجتمع منظم ، وإلى استراتيجية دفاعية ، وإلى اقتصاد منتج ، وإلى معرفة مستقلة ، وإلى قرار وطني لا يُباع ولا يُختطف.
وهنا تدخل العدالة الاجتماعية في قلب مفهوم التحرر، فلا يستطيع شعب جائع أن يكون حرًا ، ولا يستطيع عامل مذلول، أو مزارع مكسور، أو مودع منهوب، أو طالب بلا جامعة، أو مريض بلا مستشفى، أن يشعر أن الوطن تحرر فعلًا. الاستعمار الحديث يستفيد من الفقر كما يستفيد من الاحتلال. فالفقير أكثر قابلية للارتهان، والمجتمع المنهك أكثر قابلية للخضوع، والدولة العاجزة أكثر قابلية لقبول الشروط. لذلك لا تحرر وطنيًا بلا سياسة اجتماعية: تعليم، صحة، ضمان، عمل، سكن، نقل، كهرباء، وعدالة ضريبية.
كما لا تحرر بلا اقتصاد منتج ، فالاقتصاد الريعي هو استعمار داخلي دائم ، فحين يعيش بلد على تحويلات الخارج، أو المضاربة العقارية، أو الاستيراد، أو الديون، أو الخدمات الهشة، يصبح قراره هشًا. أما الاقتصاد المنتج، حتى لو كان محدودًا، فيمنح المجتمع بعض القدرة على الصمود ، فالزراعة ليست حنينًا إلى الماضي، بل أمن غذائي ، والصناعة ليست ترفًا، بل سيادة ، كما الطاقة ليست خدمة تقنية، بل شرط للاستقلال. والمصرف ليس صندوقًا خاصًا للنهب، بل يجب أن يكون أداة لخدمة الاقتصاد لا لابتلاع المجتمع.
ولا تحرر بلا معرفة. هذه النقطة صارت أكثر أهمية من أي وقت مضى ، ففي عالم الذكاء الاصطناعي، والبيانات، والمنصات، والبرمجيات، والتكنولوجيا العسكرية، لم يعد الجهل مجرد ضعف ثقافي، بل صار تبعية استراتيجية ، فالدولة التي لا تملك جامعات قوية، ومراكز بحث، ومعرفة رقمية، وقدرة على إنتاج التكنولوجيا أو فهمها، ستبقى مستهلكة لما ينتجه الآخرون ، ومن يملك البيانات يملك القدرة على التوجيه والمراقبة والتأثير. لذلك صار التحرر المعرفي جزءًا من التحرر الوطني، لا تفصيلًا أكاديميًا.
ولا تحرر بلا ثقافة سياسية جديدة. الشعوب التي تُدار بالخوف لا تتحرر. والشعوب التي ترى الطائفة قبل المواطن، والزعيم قبل القانون، والحماية قبل الحق، تبقى قابلة للاستعمار حتى لو رفعت شعارات السيادة. الطائفية ، في هذا المعنى ، ليست فقط مشكلة أخلاقية أو اجتماعية ، بل مشكلة تحرر وطني . لأنها تجعل الخارج قادرًا على الدخول من أبواب الداخل . كل طائفة تبحث عن حامٍ، وكل حامٍ يصبح وصيًا، وكل وصاية تضعف الدولة. لذلك لا يمكن تحرير الوطن مع بقاء المجتمع أسير الطوائف السياسية.
الدين أيضًا يجب أن يعود إلى قوته الأخلاقية لا إلى وظيفته السلطوية. الدين الذي يدافع عن العدالة والكرامة والرحمة يمكن أن يكون جزءًا من التحرر. أما الدين حين يتحول إلى عصبية طائفية، أو إلى غطاء للعنف، أو إلى وسيلة لإسكات السؤال، فإنه يصبح جزءًا من منظومة السيطرة. المطلوب ليس حربًا على الدين، بل تحرير السياسة من احتكار المقدس، وتحرير المقدس من استعمال الزعماء.
في القضية الكردية، يظهر التحرر الوطني بمعناه المعقد ، فالكرد شعب له حق في الاعتراف واللغة والكرامة والتمثيل. لكن القوى الكبرى والإقليمية استخدمتهم مرارًا كورقة ضغط . لذلك لا يكفي أن يرفع الكرد شعار الحق القومي، بل يحتاجون إلى ضمانات دستورية، وتحالفات ديمقراطية، ومشروع سياسي لا يجعلهم مجرد أداة في حرب الآخرين . وفي المقابل، لا تستطيع تركيا أو إيران أو سوريا أو العراق أن تبني استقرارًا حقيقيًا بإنكار الكرد ، فالاعتراف أقل كلفة من القمع، والمواطنة أعمق من الصهر، واللامركزية الديمقراطية قد تكون ضمانة للوحدة أكثر من المركزية القسرية.
هكذا يصبح التحرر الوطني الجديد مشروعًا مركبًا لا يختزل في بند واحد ، هو مقاومة الاحتلال حيث يوجد احتلال ، وهو بناء دولة عادلة حيث انهارت الدولة أو خُطفت. وهو تحرير الاقتصاد من الريع والنهب. وهو حماية الموارد الطبيعية من الشركات والمحاور والفساد. وهو منع الدين من التحول إلى طائفية سياسية. وهو نقل السلاح من وظيفة الجماعة إلى استراتيجية الدولة. وهو بناء معرفة وطنية لا تعيش على استيراد الأفكار والأنظمة والمنصات. وهو قبل كل شيء، إعادة الإنسان إلى قلب السياسة.
فالتحرر ليس مجرد شعار فوق الجماهير . التحرر هو أن يشعر الإنسان أن حياته أقل خوفًا، وأن صوته مسموع، وأن عمله له قيمة، وأن أرضه ليست مرهونة، وأن دولته لا تبيعه، وأن ثروته لا تُنهب، وأن طائفته ليست سجنه، وأن مقاومته لا تُستخدم فوق رأسه، وأن سلامه لا يقرره غيره، وأن مستقبله ليس بندًا في تفاوض القوى الكبرى.
في هذا المعنى، يجب أن نتجاوز اللغة القديمة التي تقسم العالم بين مقاومين وعملاء، أو بين سياديين وممانعين، أو بين دولة ومقاومة، أو بين دين وعلمانية. هذه الثنائيات أفقرت النقاش. السؤال الحقيقي هو: من يبني قدرة المجتمع على امتلاك مصيره؟ من يحمي الناس لا من العدو فقط، بل من الفقر والنهب والخوف والتبعية؟ من يجعل الدولة دولة مواطنين لا دولة طوائف؟ من يحول الموارد إلى حق عام لا غنيمة؟ من ينتج معرفة لا دعاية؟ ومن يرفض أن يكون الوطن ورقة في يد أحد؟
التحرر الوطني الجديد ليس تخليًا عن مقاومة الاحتلال، بل توسيع لمعناها. فاحتلال الأرض واحد من أشكال السيطرة، لكنه ليس الشكل الوحيد. هناك احتلال القرار، واحتلال السوق، واحتلال المصرف، واحتلال الوعي، واحتلال الطائفة، واحتلال الخوف. ومن لا يرى هذه الأشكال كلها قد يحرر تلًا أو قرية، لكنه يخسر الدولة والمجتمع.
لذلك، فإن معركة المستقبل في منطقتنا ليست فقط معركة حدود، بل معركة شروط الحياة. من يملك الماء؟ من يملك الطاقة؟ من يملك القمح؟ من يملك السلاح؟ من يملك البيانات؟ من يملك المدرسة؟ من يملك المصرف؟ من يملك القرار؟ هذه هي أسئلة التحرر الحقيقي. وكل خطاب لا يجيب عنها يبقى ناقصًا، مهما كان عالي النبرة.
في النهاية، لا يتحرر الوطن حين يخرج الأجنبي من الأرض فقط، بل حين يخرج الخوف من المجتمع، والفساد من الدولة، والريع من الاقتصاد، والطائفية من السياسة، والتبعية من القرار، والجهل من المعرفة. لا يتحرر الوطن حين تنتصر جماعة على جماعة، بل حين لا يحتاج أي مواطن إلى جماعته كي يحصل على حقه. ولا يتحرر الوطن حين يصبح السلاح فوق الدولة، ولا حين تصبح الدولة بلا قدرة، بل حين يولد عقد جديد يجعل القوة في خدمة القانون، والقانون في خدمة العدالة، والعدالة في خدمة الإنسان.
هذا هو معنى التحرر الوطني الجديد: أن نحرر الأرض، نعم؛ لكن أن نحرر معها القرار والموارد والمعرفة والدولة والإنسان. فمن لا يملك شروط الحياة على أرضه، يبقى مستعمَرًا بطر
يقة ما، ولو كان علمه مرفوعًا فوق كل المؤسسات.
د. بشير عصمت



