
هل تستطيع الولايات المتحدة أن تتحول إلى حليفة وشريكة استراتيجية لإيران؟
كتب سعيد فارس السعيد
ليست العظمة في امتلاك القوة العسكرية أو الاقتصادية أو النووية فحسب، بل في القدرة على قراءة المصالح الاستراتيجية بعيدة المدى، والوفاء بالتحالفات، وصون المصداقية الدولية. فقد تمتلك دولٌ كل عناصر القوة، لكنها قد تتخذ في بعض المراحل قرارات يراها بعض المحللين متعارضة مع مصالحها التاريخية. ويستشهد أصحاب هذا الرأي بما يعتبرونه تخليًا من روسيا عن حلفاء سابقين، مثل صدام حسين، ومعمر القذافي، وبشار الأسد، وهو ما أثار نقاشًا حول أثر ذلك في ثقة الحلفاء بموسكو ودورها العالمي.
في المقابل، تقف الولايات المتحدة اليوم أمام احتمال استراتيجي مختلف. فإذا نجحت في الحفاظ على أي تفاهمات قائمة أو مستقبلية مع إيران، وترجمتها إلى خطوات عملية لبناء الثقة، من بينها التوصل إلى ترتيبات تفضي إلى انسحاب إسرائيل من جنوب لبنان، وتحويل العلاقات الأمريكية الإيرانية إلى شراكة استراتيجية مستقرة، فقد يفتح ذلك الباب أمام إعادة رسم موازين القوى في الشرق الأوسط والعالم.
فالولايات المتحدة تمتلك أكبر اقتصاد في العالم، وتفوقًا تكنولوجيًا وعسكريًا وماليًا واسعًا، بينما تمتلك إيران موقعًا جيوسياسيًا بالغ الأهمية، وموارد طاقة كبيرة، وقاعدة بشرية وعلمية مؤثرة، ونفوذًا إقليميًا لا يمكن تجاهله. وإذا جرى توظيف هذه المقومات ضمن علاقة قائمة على المصالح المشتركة، فقد ينشأ محور اقتصادي واستراتيجي يتمتع بتأثير دولي كبير، ويصبح أحد أبرز مراكز الثقل في النظام الدولي.
غير أن تحقق هذا السيناريو يبقى مرهونًا بتحول في طريقة إدارة الصراع، بحيث تتراجع سياسات المواجهة المستمرة لصالح الواقعية السياسية والحوار والتسويات التي تراعي المصالح المتبادلة، مع الابتعاد عن منطق فرض النفوذ أو توسيعه بالقوة، والانتقال إلى منطق الشراكة والاستقرار الإقليمي بوصفهما أكثر قدرة على تحقيق الأمن والمصالح طويلة الأمد.
ويرى بعض المحللين أن فرص نجاح أي تقارب استراتيجي بين الولايات المتحدة وإيران تزداد كلما تعززت التيارات السياسية التي تميل إلى الواقعية السياسية والدبلوماسية، على حساب التيارات الأكثر تشددًا التي تفضل إدارة الخلافات بمنطق المواجهة والضغوط. ووفق هذا المنظور، فإن تراجع نفوذ هذه التيارات في مراكز صناعة القرار، سواء في الولايات المتحدة أو في إسرائيل، قد يهيئ بيئة أكثر ملاءمة للتوصل إلى تفاهمات طويلة الأمد قائمة على المصالح المشتركة والاستقرار الإقليمي.
ففي عالم تحكمه المصالح أكثر مما تحكمه الشعارات، لا يمكن استبعاد أي تحول استراتيجي إذا توافرت الإرادة السياسية والرؤية بعيدة المدى. فالتاريخ يثبت أن خصومات الأمس قد تتحول إلى شراكات اليوم عندما تلتقي المصالح الكبرى وتتغلب الواقعية السياسية على منطق الصراع.
ويبقى السؤال مفتوحًا: هل ستقود المصالح الاستراتيجية للولايات المتحدة وإيران إلى تجاوز عقود من العداء وبناء شراكة تاريخية؟ أم أن حسابات السياسة الداخلية، وتعقيدات الإقليم، واستمرار نفوذ التيارات المتشددة ستبقي العلاقة أسيرة الصراع؟
وحدها الأشهر والسنوات المقبلة كفيلة بالإجابة عن هذا السؤال.
سعيد فارس السعيد
كاتب وباحث استراتيجي مستقل
متخصص بقضايا الأمن الاجتماعي والإقليمي



