الدولة… وصناعة الإنسان

 

الحلقة الثانية: الطائفة… وريثة الدولة الزبائنية

كتب رياض الفرطوسي

 

ليس التعدد الطائفي، في حد ذاته، هو علة العلل أو اللعنة الأبدية التي تحكم على الشرق الأوسط بالخراب؛ فدول كبنية الولايات المتحدة الأمريكية أو ماليزيا استطاعت إدارة تعددية عرقية وثقافية ودينية أضخم بكثير وحولتها إلى مصدر قوة. إن المشكلة الحقيقية، كما تُظهرها بوضوح تجارب العراق وسوريا، لا تكمن في وجود التنوع، بل في كيفية إدارة هذا التنوع سياسياً، وتحديداً في تلك اللحظة الحرجة التي تتحول فيها الطائفة من مجرد إطار ديني واجتماعي دافئ يحقق الطمأنينة الروحية، إلى فضاء سياسي احتجاجي عنيف، ووسيط وحيد وأوحد بين الفرد العاجز والدولة المتغولة. وهنا نكتشف مع المفكر عزمي بشارة أن الهويات الطائفية بالمعنى السياسي لم تكن سابقة على الدولة الحديثة، بل هي نتاج تفاعلي مشوه معها، وصناعة متأخرة جداً ولدت من رحم الاستبداد. فعندما شنت الأنظمة السلطوية حرباً لا هوادة فيها على الحياة الحزبية الحقيقية والنقابات المدنية، وجرّفت الفضاء العام من أي تمثيل ديمقراطي، وجد الجمهور المحروم نفسه معزولاً وبحاجة ماسة إلى “مظلة تحميه” ووسيط يرفع مطالبه خلف أسوار السلطة الخانقة. في تلك اللحظة الفاصلة، حلت الطائفة محل الحزب التعددي والفضاء المدني، وصارت هي الإطار التنظيمي الوحيد المتاح للاحتجاج والمعارضة؛ فكانت المعارضة لنظام صدام حسين تتشح قسراً بطابع شيعي، بينما ارتدت المعارضة ضد نظام الأسد عباءة سنية، ليس كاختيار أيديولوجي نقي، بل كآلية دفاعية أخيرة فرضها انسداد الأفق السياسي.

 

هذا التحول القسري خلّف أثراً تدميرياً وبنيوياً على مفهوم “المواطنة”؛ إذ لم يعد الفرد يعرّف نفسه في الوعي اليومي كمواطن عراقي أو سوري له حقوق وواجبات متساوية كفلها القانون، بل بات يرى نفسه كجزء من قطيع طائفي يتخندق وراءه، وينصب ولاؤه الكامل على “جماعته الفرعية” التي يراهن عليها للحصول على الأمان وتوزيع الامتيازات والمغانم. وبفعل هذا التشوه، تحولت السياسة من فكرة بناء المجتمع والتنمية إلى لعبة “محاصصة وغنائم”، واختُزلت الدولة إلى مجرد “سلطة عليا” جافة، تملك أدوات القمع لكنها تفتقر تماماً إلى أي مشروعية أخلاقية أو فلسفية في عيون أبنائها. إن الخروج من هذه الدوامة العميقة لن يتأتى أبداً بإنكار التنوع أو محاولة سحقه، بل بعبور الجسر نحو دولة القانون والمؤسسات الحقيقية التي تستعيد مفهوم المواطنة الشاملة كأساس وحيد للانتماء، وتزرع في عقول الأجيال ذلك الخيال الوطني الجديد الذي يتجاوز جدران الجماعة الضيقة ليؤسس لعقد اجتماعي متين. لكن هذا المسار الإنساني نحو إحياء الدولة وصياغة هويتها الجامعة لا يحدث في بيئة معزولة أو غرف أكاديمية هادئة، بل غالباً ما تدفعه الظروف التاريخية تحت وطأة تحولات كبرى واهتزازات عنيفة تعيد ترتيب خرائط النفوذ والقوة.

 

يتبع في الحلقة الثالثة: “مخاض الحرب… هل يفرز دولة أم شراذم؟”.

شارك