
خلف شاشات الصمت
- كانت عقارب الساعة تقترب من منتصف الليل حين أضاء بريق الشاشة الزرقاء وجه “سامر” المتعب، وهو يجلس في زاوية غرفته المنعزلة يراقب وميض مؤشر الكتابة الذي بدا كقلب ينبض على ورق افتراضي صامت. لسنوات طويلة، كانت مهنته ككاتب ومترجم قصصي رقمي تفرض عليه العيش بين جدران افتراضية، يغزل من الحروف عوالم وحكايات لأناس لم يلتقِ بهم يوماً، تاركاً حياته الحقيقية وتفاصيل عائلته الصغيرة على رفوف الانتظار المؤجل. كانت الحروف تتدفق من تحت أنامله كالسيل، لكنه في المقابل كان يشعر بجفاف غريب يغزو روحه كلما نظر حوله ولم يجد سوى صدى صوته المنعكس على الجدران الباردة.
وفي تلك الليلة بالتحديد، وبينما كان يهم بصياغة قصة جديدة عن الصيادين والمرافئ العتيقة، انقطع التيار الكهربائي فجأة، فغرق كل شيء في ظلام دامس وسكون طبق يلف الأركان. تنهد “سامر” بعمق، ولأول مرة منذ أشهر، أدار وجهه نحو النافذة الكبيرة المطلة على حديقة المنزل، حيث كان ضوء القمر ينساب دافئاً ونقياً فوق أوراق الشجر التي تحركها النسمات الصيفية الهادئة. تناهى إلى مسامعه صوت ضحكات خافتة لزوجته وابنته الصغيرة وهما تتسامران في الفناء الخارجي على ضوء شمعة صغيرة؛ تلك الضحكات التي حجبها عنه صخب الإشعارات الرقمية لزمن طويل. تقدم نحوهما ببطء، وحين جلست ابنته في حضنه تمسك بيده الباردة لتخبرها قصة حقيقية من نسج خياله، أدرك “سامر” في تلك اللحظة أن أجمل القصص وأكثرها عمقاً ليست تلك التي تُكتب بمداد الخوارزميات وتُنشر في الفضاء الأزرق، بل هي تلك التي تعاش بتفاصيلها البسيطة والدافئة على ضفاف الحياة الواقعية.
العبرة من القصة:
“أثمن ما نملكه في هذه الحياة ليس الأشياء المادية التي نجمعها، بل الأثر الطيب والذكرى الصادقة التي نتركها في قلوب الآخرين؛ فالأشخاص يرحلون وتتبدل الفصول، ولكن المحبة الوفية المخبأة في تفاصيلنا تظل حية لا تطولها يد النسيان.”



