
في كلِّ مصائبنا… فتِّشوا عن أمريكا وإسرائيل
بقلم : الكاتبة والمربية فاطمة يوسف بصل
ليست المآسي دائمًا بنتَ الصدفة، ولا الخرائط تُرسم بالحبر وحده. ثمة أصابع لا تظهر في الصورة، لكنها تترك بصماتها على كل حجرٍ مهدّم، وكل أمٍّ تنتظر ابنًا لن يعود، وكل وطنٍ يستيقظ كل صباحٍ على خسارة جديدة.
في هذا العالم، لا تُدار السياسة بالأخلاق، بل بموازين القوة. والدم، حين يصبح رقمًا في تقارير المصالح، يفقد اسمه، وتتحول المدن إلى بنود تفاوض، والإنسان إلى هامشٍ في معادلة النفوذ.
هناك من لا يبني مجده إلا على أنقاض الآخرين، ومن لا يرى في السلام إلا تهديدًا لمشروعه. فالحرب ليست دائمًا انفجار بندقية؛ قد تكون فكرة تُزرع، أو فتنة تُصنع، أو خوفًا يُوزَّع بالتساوي حتى يصبح الجميع أسرى له.
وحين تتكرر المأساة بالمشهد نفسه، وتتبدل الوجوه بينما يبقى المستفيد حاضرًا، يغدو السؤال أكثر صدقًا من الإجابة: من الذي يربح كلما خسرنا؟ ومن الذي تتسع خرائط نفوذه كلما ضاقت أوطاننا؟ ومن الذي يحصد ثمار الرماد بعد أن تنطفئ الحرائق؟
من هنا، لم تعد المقولة: «في كل مصائبنا فتشوا عن أمريكا وإسرائيل» مجرد شعار سياسي، بل أصبحت منهجًا في قراءة ما وراء الحدث؛ دعوةً إلى البحث في الخيوط الخفية التي تحرك المشهد، وإلى إدراك أن الحروب ليست دائمًا معارك بين جيوش، بل صراع إرادات ومصالح يعاد فيه تشكيل العالم على حساب الشعوب الضعيفة.
لكن الوعي الحقيقي لا يعني أن نُسقط تعقيدات التاريخ في تفسيرٍ واحد، بل أن نمتلك شجاعة السؤال، وأن نرفض الروايات الجاهزة، وأن نقرأ الوقائع بعينٍ ترى ما وراء الضجيج. فالمؤامرات لا تنجح لأنها تُحاك بإتقان فحسب، بل لأنها تجد من يغفل عن قراءتها.
إن أخطر أشكال الاحتلال ليس احتلال الأرض، بل احتلال الوعي؛ أن يُقنعك بأن جلادك حامٍ، وأن مقاومك متهم، وأن الحق مجرد وجهة نظر، وأن الحقيقة تُصنع في غرف النفوذ لا في ضمير الشعوب.
ولذلك، فإن الأوطان لا تموت حين تُقصف مدنها، بل حين يُصادر وعي أبنائها، ويصبحون أسرى ما يُراد لهم أن يصدقوه. وما دام في هذه الأمة من يقرأ التاريخ بعقل، ويستحضر الحقيقة بضمير، فلن تتحول الأكاذيب إلى حقائق، ولن يصبح الخراب قدرًا محتومًا. فالحقيقة قد تتأخر، لكنها لا تموت، والوعي قد يُحاصر، لكنه لا يُهزم، لأن الأمم التي تعرف من يكتب مأساتها، هي وحدها القادرة على أن تكتب خلاصها.



