
المرأة والقيادة المحلية في البلديات الديمقراطية
أتذكر حديثاً جمعني بامرأة في إحدى قرى الجنوب اللبناني قبل فترة ، كانت تصف كيف أنها، بعد انقطاع المياه لأسابيع، نظّمت مع جاراتها نظام توزيع بالتناوب، وتفاوضت مع سائق الصهريج، وضبطت الأسعار حتى لا يُستغل الفقراء. قلت لها: هذا عمل إداري حقيقي ، ابتسمت وقالت: يسمّونه تطوعاً ، ثم أضافت بنبرة فيها شيء من المرارة: وحين جاءت الانتخابات البلدية، لم يخطر لأحد أن يسألني إن كنت أريد الترشح . هذه الجملة تختصر إشكالية كاملة.
ما تفعله المرأة وما لا تُمنح إياه
يقول موراي بوكتشين : (حين تشارك المرأة في إدارة المدينة، تتحول الديمقراطية من شعارٍ سياسي إلى ممارسةٍ اجتماعية ، فالمجتمع الذي يحتكر القرار للرجال يعيد إنتاج الهيمنة، أما المجتمع الذي تتقاسم فيه النساء والرجال مسؤولية الإدارة، فيؤسس للحرية والمواطنة الحقيقية.)
في معظم بلدات الشرق الأوسط التي تعيش أزمات متراكمة — اقتصادية ونفسية واجتماعية — تحمل المرأة العبء الأثقل من إدارة الحياة اليومية ، لأنه حين تنهار الخدمات البلدية، وهي تنهار دائماً في زمن الأزمات، تكون المرأة أول من يتأثر وأول من يتحرك لسد الفراغ ، تنظّم، تتواصل، تجمع، توزع، تُفاوض، تُهدّئ، تُقرر ، و تفعل كل ما يفعله عضو مجلس بلدي ، بل أحياناً أكثر منه ، لكن دون لقب ودون صلاحية ودون راتب ودون أي اعتراف رسمي ، كما انه حين تُعقد الاجتماعات وتُوزّع المهام وتُتخذ القرارات، تجلس هي في الخارج ، أو تجلس في الداخل كديكور، كـ حصة مُستوفاة على الورق.
في لبنان، لا تتجاوز نسبة النساء في المجالس البلدية خمسة بالمئة ، في العراق توجد حصص قانونية، لكن التطبيق الفعلي يحوّلها إلى واجهة لا إلى مشاركة ، واليمن الذي تقوده النساء على أرض الواقع في إدارة الكوارث الإنسانية، يكاد يخلو من أي حضور نسائي في هياكل الحكم المحلي ،فهذه ليست صدفة ، بل هي نتيجة منظومة كاملة تشتغل بصمت وثبات.
القيادة الموازية التي لا تُسجَّل في أي وثيقة
ما يلفت الانتباه فعلاً حين تدرس هذه المجتمعات عن قرب، هو أن القيادة النسائية موجودة بالفعل ، ليست غائبة ، لكنها تعمل في الهامش، في الشبكات غير الرسمية، في مجموعات واتساب الحي، في لجان التكافل، في التنسيق بين العائلات ، وهذه القيادة في أحيان كثيرة أكثر كفاءة وأقرب للناس مما تفعله البلدية الرسمية.
لكنها تبقى هشّة لأنها لا تملك أي غطاء مؤسسي ، لأنه يمكن تجاهلها ، يمكن إقصاؤها ، يمكن أن تنهار حين تتعب المرأة التي تقودها، لأنها بُنيت على إرادة فردية لا على حق معترف به.
والفارق بين القيادتين ليس في الكفاءة ، بل الفارق هو الاعتراف ، وهذا الاعتراف ليس هبة ثقافية، بل هو حق سياسي يُؤخذ أو يُنتزع، ونادراً ما يُمنح طوعاً.
الأزمة لا تُحرر، بل تُعمّق الجرح
يُقال كثيراً إن الأزمات تُعيد توزيع الأدوار وتفتح فرصاً للتغيير ، في بعض الحالات هذا صحيح ، لكن ما نراه في الشرق الأوسط خلال السنوات الأخيرة يقول شيئاً مختلفاً في الغالب : الأزمة حين لا يرافقها وعي سياسي نقدي ، تُضيّق الأفق ولا توسّعه ، تُعيد إنتاج الأدوار التقليدية تحت ضغط البقاء ، فالرجل يُستدعى للتمثيل والدفاع ، والمرأة تُستدعى للرعاية والتحمّل ، والكل يقبل هذا التقسيم لأن ( ما في وقت للنقاش ).
الأزمة الاقتصادية تحديداً تُضيف عقبة مادية مباشرة: الترشح للمجالس البلدية يحتاج موارد وشبكات علاقات وحضوراً عاماً سابقاً ، وهذه الأشياء الثلاثة كانت المرأة محرومة منها حتى قبل الأزمة ، فحين تأتي الأزمة وتُقلّص كل شيء، تكون هي الأكثر تضرراً والأقل قدرة على التقدم.
والأكثر إيلاماً — وهذا ما لا نقوله بصوت عالٍ كفاية — أن بعض النساء أنفسهن يتراجعن ، ليس لأنهن لا يملكن الكفاءة، بل لأن سنوات من رسائل صريحة وضمنية أقنعتهن بأن المجال العام ليس مكانهن ، وهذا الإقصاء الداخلي هو أشد أشكال الإقصاء مقاومةً ، لأنه لا يحتاج إلى قانون ولا إلى حارس.
ماذا يتغير حين تقود المرأة فعلاً؟
الإجابة موجودة في التجارب لا في النظريات ، حين تكون المرأة في مواقع قيادية حقيقية في المجالس المحلية — لا كحصة شكلية — تتغير الأولويات ، حيث تظهر في الميزانيات بنود لم تكن موجودة : مراكز دعم نفسي ، مساحات للأطفال ، خدمات صحية تمسّ الحياة اليومية ، حلول للنقل الآمن ، شبكات للطوارئ الاجتماعية ، ليس لأن المرأة أكثر رحمة بطبيعتها ، هذه فكرة نمطية يجب تجاوزها ، بل لأنها تعيش هذه الاحتياجات وتفهم أثرها بشكل مباشر ، لأن القرار الجيد يحتاج معلومة كاملة ، والمعلومة الكاملة لا تأتي من نصف المجتمع.
وهذا ما أكد عليه الفليسوف موراي بوكتشين ( بإن ديمقراطية البلدية تبدأ عندما تجلس المرأة إلى طاولة القرار، لا عندما تُستدعى للتصفيق لقرارات الآخرين ، فالبلديات الحرة لا تزدهر إلا بمشاركة المرأة الحرة ؛ فكل قرار يُصنع دون صوتها يبقى ناقصاً، وكل إدارة تُبنى دون إرادتها تبقى أسيرة الهرمية القديمة. )
ما يقوله مشروع الأمة الديمقراطية
في صلب هذا المشروع فكرة بسيطة وعميقة في آنٍ معاً : الديمقراطية الحقيقية لا تُبنى من فوق إلى تحت، بل تبدأ من أصغر وحدة يعيشها الإنسان يومياً ، من البلدية، الحي، القرية ، وإذا كانت هذه الوحدة تُقصي نصف سكانها أو تُهمّشهم، فنحن لا نتحدث عن ديمقراطية ناقصة وحسب، بل عن نظام يُعيد إنتاج الهيمنة بشكل دوري ومنظّم.
المطلوب ليس خطاباً حماسياً عن المرأة والقيادة ، المطلوب تغييرات عملية محددة: الاعتراف بالمراة ككيان مستقل ومساوة للرجل في القيادة ، دعم مالي حقيقي للنساء الراغبات في الترشح ، تدريب على آليات الحوكمة المحلية، تعديل في قوانين الانتخاب التي تخدم شبكات النفوذ التاريخية، وخطاب ثقافي يُعيد تعريف القيادة بدءاً من المدرسة لا من البرلمان.
في النهاية : المرأة التي نظّمت توزيع المياه في قريتها، وأدارت أزمة الحي في ظل الانهيار، وحافظت على نسيج مجتمعها حين كل شيء كان يتفكك، لا تحتاج منا أن نُثبت لها أنها قادرة على القيادة. هي أثبتت ذلك حين لم يكن أحد يراها رسمياً.

الأستاذة سوسن شومان ناشطة حقوقية ومنسقة لغة فرنسية إضافة إلى أنها ناطقة باسم مبادرة نون ومدربة وعي قانوني مع جمعية عدل بلا حدود.



