الشرق الأوسط الجديد…  من منطق الحروب إلى منطق البناء

 

 

تشير التحولات الأخيرة التي أعقبت الحرب الأمريكية – الإسرائيلية على إيران، وما تلاها من تفاهمات واتصالات بين واشنطن وطهران، إلى أن الشرق الأوسط يقف أمام مرحلة مختلفة عن كثير من التصورات التي سادت خلال العقود الماضية.

 

فإذا كانت مشاريع تغيير المنطقة قد ارتبطت طويلًا بالحروب، وإعادة رسم موازين القوى بالقوة العسكرية، فإن الوقائع الحالية توحي بأن معيار النفوذ بدأ يتغير تدريجيًا، ليصبح أكثر ارتباطًا بالقدرة على البناء وتحقيق التنمية والاستقرار.

 

إن الدول التي تمتلك اقتصادًا قويًا، ومشاريع تنموية، وقدرة على جذب الاستثمارات، وتوفير فرص العمل، وتحقيق الازدهار لشعوبها، هي الأقدر على التأثير في مستقبل الشرق الأوسط وصياغة معالمه الجديدة.

 

أما الدول أو القوى التي تعتمد بصورة أساسية على الحروب، والتدمير، واستنزاف الموارد، وفرض النفوذ بالقوة العسكرية، فإنها قد تحقق مكاسب مرحلية، لكنها تواجه تحديات كبيرة في تحويل هذه المكاسب إلى استقرار دائم أو تنمية مستدامة.

 

لقد أثبتت تجارب العقود الماضية أن الأمن الحقيقي لا يتحقق بالسلاح وحده او بالقوة العسكرية التدميرية ، بل بقيام دول قوية بمؤسساتها، واقتصاداتها، وعدالتها، وقدرتها على توفير حياة كريمة لمواطنيها. فالقوة الاقتصادية أصبحت عنصرًا رئيسيًا في النفوذ السياسي، وأداة أكثر استدامة من القوة العسكرية وحدها.

 

ولذلك، فإن مستقبل الشرق الأوسط قد يتحدد بدرجة متزايدة بقدرة دوله على الانتقال من ساحات الصراع إلى ميادين التنمية، ومن سباقات التسلح إلى سباقات الاستثمار والابتكار وإعادة الإعمار.

 

إن الشرق الأوسط الذي تتطلع إليه شعوبه ليس شرقًا تُرسم حدوده بالحروب وبالقوة العسكرية ، كما تفعل امريكا و اسرائيل بل شرقٌ تُبنى فيه الجسور، وتُنشأ فيه الشراكات، ويكون فيه الاقتصاد والتنمية والاستقرار أساسًا للعلاقات بين الدول، بما يحفظ مصالحها وسيادتها ويحقق الأمن والازدهار لشعوبها.

 

سعيد فارس السعيد

كاتب وباحث استراتيجي سوري مستقل

المجال: قضايا الأمن الاجتماعي والوطني والقومي

 

“صوت من أجل شرق يولد من تحت الرماد، لا من تحت الركام.”

شارك