التعليم بين صناعة الإنسان الحر وإعادة إنتاج السلطة

 

عندما عاد الطفل بلا أسئلة ……

 

في إحدى الأمسيات، عاد طفل في العاشرة من عمره من مدرسته يحمل حقيبته الثقيلة، لكن ملامحه كانت أكثر إرهاقًا من كتبه.

 

جلس الأب إلى جواره وسأله، كما اعتاد كل يوم: ماذا تعلمت اليوم؟

 

ساد صمت قصير قبل أن يجيب الطفل : تعلمت ألا أكثر من الأسئلة ، لأن المعلم قال إن المطلوب هو حفظ الكتاب كما هو.

 

نظر الأب إلى ابنه متعجبًا وسأله: وهل سألك أحد عن رأيك؟

 

ابتسم الطفل ابتسامة باهتة وقال: الرأي ليس ضمن الامتحان.

 

لم يكن ذلك الحوار القصير مجرد حديث بين أب وابنه ، بل كان إعلانًا عن خسارة صامتة يصعب قياسها بالدرجات المدرسية ، و لم يكن الأب حزينًا لأن ابنه لم يحصل على علامة مرتفعة ، بل لأنه أدرك أن المدرسة بدأت تنتزع منه أجمل ما يملكه الإنسان : فضوله الفطري وقدرته على السؤال ، ففي تلك اللحظة لم يعد يرى طفلًا يتعلم، بل عقلًا يُعاد تشكيله تدريجيًا ليعتاد الطاعة أكثر مما يعتاد التفكير، وليحفظ أكثر مما يبدع ، وليبحث عن الإجابة النموذجية بدل البحث عن الحقيقة.

 

وبعد سنوات ، تكررت القصة بصورة أخرى ، حيث اصطحب أبٌ ابنته إلى الجامعة، وكانت تحمل أحلامها أكثر مما تحمل كتبها. وقبل أن تدخل الحرم الجامعي، سألته بخوف: “كيف سنؤمن أقساط الجامعة، وتكاليف المحاضرات، والتدريب، والمواصلات؟“

 

لم يجد الأب جوابًا. كانت الأرقام أكبر من دخله، وكانت المعرفة تتحول أمام عينيه من حق إنساني إلى امتياز اقتصادي ، عندها أدرك أن أزمة التعليم لم تعد تقتصر على ما يُدرَّس داخل الصفوف، بل امتدت إلى سؤال أكثر قسوة : متى أصبح طلب العلم حلمًا يهدده العجز المادي؟

 

هاتان الصورتان تختصران مأزق التعليم في كثير من بلدان العالم العربي والشرق الأوسط ، فمن جهة، تُصادر حرية العقل باسم المناهج والامتحانات، ومن جهة أخرى تتحول المعرفة إلى سلعة تخضع لقدرة الأسرة على الدفع ، وبين هذين المسارين، يفقد التعليم وظيفته الحضارية بوصفه مشروعًا لتحرير الإنسان.

 

إن السؤال الحقيقي الذي ينبغي أن يسبق كل نقاش تربوي ليس : كيف نرفع نسب النجاح؟ ولا : كيف نطوّر المناهج؟ وإنما : أي إنسان نريد أن نبني؟ لأن كل نظام تعليمي هو، في جوهره، تصور فلسفي عن الإنسان والمجتمع ، فالمدرسة لا تنقل المعرفة فقط، بل تعيد تشكيل الوعي، وتصوغ القيم، وتحدد طبيعة العلاقة بين الفرد والسلطة والمجتمع.

 

لقد أدرك سقراط هذه الحقيقة قبل أكثر من ألفي عام، حين جعل السؤال أساسًا لكل معرفة ، ولم يكن يعتقد أن الحقيقة تُمنح جاهزة، بل تُولد من الحوار ، ولذلك لم يكن المعلم عنده ناقلًا للمعلومات، بل مرافقًا للعقل في رحلة اكتشاف ذاته ، حيث كان يرى أن الإنسان لا يصبح حكيمًا بكثرة ما يحفظ، بل بقدرته على مراجعة ما يعتقد أنه يعرفه.

 

وعندما جاء أفلاطون، منح التربية مكانة مركزية في بناء الدولة، لكنه ربطها بتكوين الشخصية الأخلاقية قبل تكوين الكفاءة المهنية ، فالمعرفة التي تنفصل عن الفضيلة تتحول إلى أداة للهيمنة ، بينما التربية الحقيقية هي التي توازن بين العقل والأخلاق والمسؤولية تجاه المجتمع.

 

ثم جاء جان جاك روسو ليقلب المفهوم التقليدي للتعليم، معتبرًا أن الطفل لا يولد ناقصًا يحتاج إلى أن تملأ المؤسسة رأسه بالمعلومات، بل يولد مزودًا بطاقة فطرية على الاكتشاف، وأن مهمة التربية ليست إخضاع هذه الطاقة، بل حمايتها من التشويه ، فالإنسان يتعلم بالحياة قبل الكتاب، وبالخبرة قبل الحفظ، وبالتجربة قبل الامتحان.

 

وفي القرن العشرين، ذهب إيفان إيليتش إلى نقد أكثر جذرية، إذ رأى أن احتكار المعرفة داخل المؤسسة المدرسية جعل الناس يخلطون بين التعليم والتعلم ، فالمدرسة ، في رأيه، ليست المصدر الوحيد للمعرفة، والمجتمع نفسه فضاء واسع للتعلم عبر العمل والخبرة والتفاعل الإنساني. أما باولو فريري فقد كشف البعد السياسي للتعليم عندما وصف التلقين بأنه تعليم مصرفي ، تُودع فيه المعلومات داخل عقول الطلبة كما تُودع الأموال في المصارف، بينما يُمنعون من المشاركة في إنتاج المعرفة أو نقدها.

 

 

 

ورغم اختلاف هؤلاء الفلاسفة في الأزمنة والمرجعيات، فإنهم يشتركون في فكرة جوهرية واحدة : التعليم الحقيقي لا يصنع أفرادًا مطيعين ، بل يبني بشرًا أحرارًا يمتلكون القدرة على التفكير والنقد والإبداع.

 

 

 

ومن هنا يمكن فهم الأزمة التعليمية الراهنة بوصفها أزمة فلسفة قبل أن تكون أزمة إدارة أو مناهج ، فحين تتحول المدرسة إلى مؤسسة هدفها إنتاج الامتثال ، يصبح الامتحان أداة لقياس الذاكرة بدل قياس الفهم، وتصبح الإجابة الواحدة أهم من تعدد وجهات النظر، ويتحول الخطأ من فرصة للتعلم إلى جريمة تستحق العقاب ، ومع مرور الزمن، يفقد الطالب ثقته بقدرته على التفكير المستقل ، ويعتاد البحث عن السلطة التي تمنحه الإجابة الصحيحة.

 

 

 

بهذا المعنى، لا تقتصر وظيفة التعليم على نقل المعرفة، بل تمتد إلى إعادة إنتاج النظام الاجتماعي والسياسي القائم ، فالسلطة لا تستمر بالقوانين وحدها ، بل بالعقول التي تتشرب منطقها منذ الطفولة. وعندما تتبنى المناهج رواية واحدة للتاريخ ، أو هوية واحدة للمجتمع، أو طريقة واحدة للتفكير، فإنها لا تعلم المعرفة فحسب، بل تحدد أيضًا ما يجوز التفكير فيه وما ينبغي استبعاده.

 

وهنا تتقاطع أزمة التعليم مع بنية الدولة القومية التي سعت، في كثير من التجارب التاريخية، إلى بناء مواطن متجانس في اللغة والثقافة والذاكرة ، ولو كان ذلك على حساب التنوع الثقافي والاجتماعي ، فتتحول المدرسة من فضاء للحوار إلى أداة لإعادة إنتاج السردية الرسمية ، ويصبح الاختلاف تهديدًا بدل أن يكون مصدرًا للثراء.

 

يمثل هذا التحول انحرافًا عن الوظيفة الأساسية للتعليم ، فالمعرفة ليست ملكًا للدولة ولا للنخب، بل هي نتاج المجتمع بأسره، والتعليم لا يكتسب شرعيته من قدرته على إنتاج موظفين، وإنما من قدرته على بناء إنسان يمتلك وعيًا نقديًا، ويحترم التعددية، ويشارك في صنع مستقبله بإرادة حرة.

 

 

 

إن التعليم الذي يخضع بالكامل لمنطق السلطة لا يكتفي بإعادة إنتاج الدولة، بل يعيد أيضًا إنتاج البنية الثقافية التي تقوم على التراتبية واحتكار الحقيقة ، ومن هنا تتقاطع المدرسة مع ما يمكن وصفه بالذهنية الذكورية؛ وهي ليست مسألة تتعلق بجنس الرجل أو المرأة، بل بنمط من التفكير يجعل السيطرة والطاعة والإقصاء أساسًا للعلاقات الإنسانية ، فعندما يُربَّى الطفل على أن الحقيقة تأتي دائمًا من الأعلى، وأن دور المتعلم هو الامتثال لا الحوار، فإنه يعتاد نموذجًا للعالم يقوم على الخضوع أكثر مما يقوم على المشاركة ، وهكذا تصبح المدرسة، من حيث لا تشعر، امتدادًا لبنية اجتماعية تعيد إنتاج الهيمنة في السياسة والثقافة والاقتصاد.

 

 

 

إن فلسفة الحداثة الديمقراطية تنطلق من تصور مغاير؛ فهي ترى أن المجتمع يسبق الدولة، وأن المعرفة تنبع من الحياة المشتركة ، وأن التنوع الثقافي واللغوي ليس عائقًا أمام الوحدة، بل مصدرًا لثرائها ، ومن هذا المنطلق، لا تُقاس المدرسة بعدد الشهادات التي تمنحها، بل بقدرتها على بناء إنسان يمتلك إرادة أخلاقية، وعقلًا نقديًا، وروحًا قادرة على المشاركة في إدارة الشأن العام ، فالتعليم ليس عملية لإنتاج أفراد متشابهين، وإنما فضاء يسمح لكل إنسان بأن يطور إمكاناته ضمن مجتمع يعترف بالاختلاف ويحوله إلى مصدر للإبداع.

 

 

 

غير أن أزمة التعليم لا تقف عند حدود الفلسفة التي تحكم المناهج، بل تمتد إلى البعد الأخلاقي للرسالة التعليمية نفسها ، فقد ارتبطت صورة المعلم، عبر التاريخ، بمكانة استثنائية، لأنه لم يكن ناقلًا للمعلومات فحسب، بل حاملًا لقيم الحضارة ، وكانت الجامعة بيتًا للحكمة، قبل أن تكون مؤسسة تمنح الشهادات، وكان الأستاذ يُقاس بقدرته على إيقاظ العقول، لا بعدد الألقاب التي يحملها.

 

إلا أن التحولات الاقتصادية، واختلال السياسات التعليمية، وضعف الاستثمار في التعليم العام، أدت في بعض البيئات إلى نشوء ممارسات أضعفت هذه الرسالة ، فقد أصبح التعليم، في حالات مختلفة، خاضعًا لمنطق السوق، وغدت المعرفة تُعامل أحيانًا بوصفها سلعة، لا حقًا إنسانيًا ، وبرزت ظواهر مثل الاعتماد المفرط على الدروس الخصوصية، واحتكار بعض المواد العلمية، وتحويل المحاضرات إلى مصدر دخل إضافي، والمبالغة في الرسوم الجامعية، حتى باتت الأسرة تنفق جزءًا كبيرًا من دخلها لتأمين حق كان يُنظر إليه بوصفه من أهم الحقوق الاجتماعية.

 

 

 

ولا يعني ذلك تحميل المعلمين والأكاديميين مسؤولية هذه الأزمة على نحو عام؛ فآلاف المعلمين والأساتذة ما زالوا يؤدون رسالتهم بإخلاص في ظروف مهنية واقتصادية بالغة الصعوبة ، غير أن النقد يظل مشروعًا عندما تتحول المعرفة إلى وسيلة للاحتكارة، أو عندما تتقدم المنفعة الشخصية على الواجب الأخلاقي تجاه المجتمع ، فالمشكلة ليست في حصول المعلم على أجر كريم، بل في أن تصبح العلاقة بين المعلم والطالب علاقة تجارية، وأن يُختزل العلم في قيمته السوقية، لا في رسالته الإنسانية.

 

 

 

إن المعلم الحقيقي لا يصنع تابعين، بل يصنع أجيالًا قادرة على تجاوزه ، فكل معلم يخشى أن يصبح طلابه أكثر علمًا منه، لم يفهم جوهر مهنته ، والتعليم الذي يعيد إنتاج النسخ المتشابهة لا يبني حضارة، لأن الحضارات لا تتقدم بالتكرار، وإنما بالاختلاف الخلاق وبالقدرة المستمرة على مراجعة المسلمات.

 

 

 

ومن هنا، فإن أخطر ما يمكن أن يصيب المؤسسة التعليمية ليس ضعف الإمكانات المادية، وإنما فقدان البوصلة الأخلاقية ، فعندما يصبح النجاح مرادفًا للشهادة، والشهادة مرادفة للوظيفة، والوظيفة غاية التعليم، تتراجع قيمة المعرفة بوصفها أداة لتحرير الإنسان ، ويغدو الطالب باحثًا عن ورقة تثبت كفاءته، لا عن وعي يوسع أفقه، وتتحول الجامعة إلى مصنع لإنتاج المؤهلات أكثر منها فضاءً لإنتاج الفكر.

 

 

 

لقد أثبت تاريخ الحضارات أن نهضة الأمم لم تبدأ من وفرة الموارد، بل من نوعية التعليم الذي تقدمه لأبنائها ، فكل ثورة علمية كبرى سبقتها ثورة في طرائق التفكير، وكل نهضة ثقافية انطلقت من مدرسة آمنت بحرية العقل قبل انشغالها بحفظ النصوص ، ولذلك لم يكن من قبيل المصادفة أن المجتمعات الأكثر إبداعًا هي تلك التي جعلت السؤال قيمة تربوية، والخطأ فرصة للتعلم، والحوار أساسًا لإنتاج المعرفة.

 

 

 

إن الأزمة التعليمية في العالم العربي والشرق الاوسط ليست قدرًا محتومًا، كما أنها ليست أزمة تقنية تُحل بتحديث المناهج أو إدخال الوسائل الرقمية وحدها ، إنها، قبل كل شيء، أزمة رؤية إلى الإنسان ، فإذا ظل الإنسان يُعامل بوصفه أداة في خدمة السلطة أو السوق، فإن أي إصلاح سيبقى محدود الأثر ، أما إذا استُعيدت الفلسفة التي ترى في التعليم فعلًا لتحرير العقل وبناء المجتمع، فإن المدرسة ستستعيد رسالتها التاريخية.

 

 

 

ولعل أعظم خسارة يمكن أن يتعرض لها مجتمع ليست في أن يفقد ثروة أو أرضًا، بل في أن يفقد قدرة أطفاله على السؤال ، فالأمم لا تتقدم بما تحفظه ذاكرتها وحدها، وإنما بما يجرؤ أبناؤها على اكتشافه ، والطفل الذي يعود إلى منزله محملًا بالأسئلة، أكثر قدرة على صناعة المستقبل من طفل يعود محملًا بإجابات جاهزة ، فالسؤال هو البداية الأولى للفلسفة، والبداية الأولى للعلم، والبداية الأولى لكل حرية . وعندما تستعيد المدرسة حق الطفل في أن يسأل، وحق المعلم في أن يكون مرشدًا لا حارسًا للحقيقة، تستعيد المعرفة معناها الإنساني، ويصبح التعليم مشروعًا لتحرير المجتمع، لا مجرد مؤسسة لإعادة إنتاج السلطة أو إعداد موظفين لسوق العمل.

 

 

عامر داوود

 

 

 

 

 

 

عامر داوود محامي وباحث عضو سابق لمجلس الشعوب الديمقراطية وعضو أكاديمية علم الاجتماع في سوريا ومؤسس مركز الحداثة الديمقراطية في الشرق الأوسط ببيروت

 

شارك