
استعراض بلا نتائج
كتب رياض الفرطوسي
عندما تتحول معركة ملاحقة اللصوص إلى كرنفال صاخب تتصدر شاشاته صور المداهمات ومشاهِد الأموال المخبأة في باطن الأرض وداخل الجدران، يفقد المشهد قيمته القانونية ليصبح مجرد مادة للتسلية الشعبية. هذا الضخ الإعلامي الكثيف والمبرمج، الذي يشبه إلى حد بعيد استراتيجيات الهيمنة النفسية التي تُمارس في الحروب لإدخال الشعوب في حالة من الذهول وفقدان القدرة على التحليل، لا يهدف في الحقيقة إلى استرداد حقوق الناس، بل إلى عزل العقل العام عن التفكير في الجذور الحقيقية للأزمة. إنها محاولة لصناعة فراغ معرفي يُشغل فيه المواطن بمتابعة فصول مسرحية يومية مشوقة، بدلاً من التساؤل عن سبب بقاء النظام الذي ينتج هؤلاء الفاسدين دون مساس.
هذا الأسلوب الاستعراضي، المستورد من ثقافة إدارة الأزمات بالصدمة والإبهار الفوري، أثبت فشله تاريخياً في كل مكان جُرّب فيه؛ لأنه ينتج وعياً مؤقتاً يشبه الألعاب النارية التي تضيء السماء لثوانٍ ثم تترك خلفها ظلاماً دامساً وخيبة أمل كبرى. بناء الأوطان وصياغة هويتها ومؤسساتها لا يحدث وسط هذا الضجيج المفتعل، بل ينمو في غرف التخطيط الهادئة، حيث يتكامل إصلاح القضاء مع تحديث مناهج التعليم، وترتبط نظافة الشوارع باستقرار الاقتصاد؛ فالشؤون العامة شبكة متماسكة لا يمكن تجزئتها إلى لقطات تلفزيونية مثيرة.
لعل الإجابة على السؤال المحيّر حول سبب طمأنينة الحيتان الكبيرة وعدم هروبهم رغم كل تلك الفضائح المدوية، تكمن في أنهم يدركون جيداً قواعد اللعبة. هم يعلمون أن هذا الصخب ليس إلا زوبعة مؤقتة صُممت للاستهلاك الإعلامي وإطفاء الغضب الشعبي، وأن شبكة مصالحهم العميقة والمحصنة داخل بنية النظام أمتن بكثير من أن تهزها حملة علاقات عامة. إنهم باقون لأن المعركة الحقيقية التي تؤسس لدولة القانون والعدالة لم تبدأ بعد، وهي معركة لا تصنعها كاميرات التصوير، بل يبدأها مجتمع يستعيد وعيه بهدوء ويقرر كتابة تاريخه بنفسه، بعيداً عن شاشات التضليل والانتظار السلبي لـ “مسلسل اليوم التالي”.



