مؤسسات بلا هيبة: لماذا لم يعد العرب يثقون بدولهم؟

 

 

حين يقف مواطن عربي أمام شباك حكومي، أو ينتظر حكماً من محكمة، أو يقرأ بياناً رسمياً عن الاقتصاد، فإن أول ما يفعله عادة هو الشك ، لا لأنه متشائم بطبعه، بل لأن سنوات طويلة من التجربة علّمته أن المؤسسة، أياً كانت، نادراً ما تقول الحقيقة كاملة، ونادراً ما تخدمه فعلاً ، هذه الأزمة ليست شعوراً عابراً، بل باتت سمة بنيوية تلازم غالبية الدول العربية والشرق أوسطية، من المحيط إلى الخليج، ومن بيروت إلى بغداد.

 

 

 

المؤسسة وعد قديم بالنظام

 

 

 

المؤسسات، بمعناها الحديث، وُلدت كفكرة لتنظيم علاقة الفرد بالسلطة: قوانين مكتوبة، إدارات ثابتة، أدوار محددة لا تتغير بتغير الأشخاص ، فحين بدأت الدول العربية تشكيل بيروقراطياتها الحديثة في القرن التاسع عشر والعشرين، سواء عبر الإصلاحات العثمانية أو عبر الانتداب الفرنسي والبريطاني، كان الهدف المعلن هو بناء دولة تحكمها الأنظمة لا الأهواء .

 

فالجيش، القضاء، الجامعة، البلدية، البنك المركزي؛ كلها كانت تحمل وعداً ضمنياً بأن هناك شيئاً أكبر من الحاكم الفرد، شيئاً يستمر ويُحاسب ويُراقَب.

 

لكن هذا الوعد اصطدم سريعاً بواقع مختلف ، فبدل أن تتحول المؤسسات إلى كيانات مستقلة تخدم الصالح العام، تحولت في كثير من الأحيان إلى امتداد للسلطة السياسية أو العائلية أو الطائفية القائمة. ففي لبنان مثلاً، لم تكن الدولة يوماً كياناً محايداً فوق الطوائف، بل شبكة توازنات هشة تتقاسمها الزعامات ، وفي دول أخرى، تحولت المؤسسة إلى واجهة شكلية لحكم فردي أو عسكري، حيث القرار الحقيقي يُتخذ خارج أي إطار مؤسسي معلن.

 

 

 

من أين جاءت أزمة الثقة؟

 

 

 

السبب الأول ، وربما الأعمق ، هو الفجوة بين الخطاب الرسمي والممارسة اليومية ، فالمواطن يسمع عن دولة القانون في التصريحات، لكنه يختبر يومياً واسطة موظف، أو تأخر معاملة، أو حكماً قضائياً يبدو محسوماً سلفاً ، هذه الفجوة المتكررة، جيلاً بعد جيل، لا تُنتج فقط خيبة أمل، بل تُنتج يقيناً بأن الكلام الرسمي هو مجرد أداء لا علاقة له بالواقع.

 

السبب الثاني هو غياب المحاسبة ، فحين لا يُسأل مسؤول عن قرار كارثي، وحين تمر الأزمات الكبرى، كالانهيار المالي أو انفجار مرفأ أو حرب خاسرة، من دون أن يُحاكَم أحد أو يُقال أحد، تتحول المؤسسة في نظر الناس إلى مجرد غطاء يحمي من هم في الداخل، لا آلية تحمي من هم في الخارج.

 

السبب الثالث يتعلق بالزبائنية السياسية، حيث تُبنى الولاءات على المصالح الشخصية والطائفية بدل الكفاءة والقانون، فتصبح المؤسسة أداة توزيع منافع بين المحاسيب، لا جهازاً يخدم الجميع بالتساوي. وأخيراً، هناك أثر الإعلام والتكنولوجيا؛ فالفضائح التي كانت تُخفى لعقود باتت اليوم تُكشف خلال ساعات عبر الهواتف ووسائل التواصل، ما يجعل الفجوة بين الوعد والممارسة مرئية بشكل يومي لم يعتده الناس من قبل.

 

هل من طريق للخروج؟

 

لا يوجد حل سحري واحد، لكن هناك مسارات جربتها دول أخرى ويمكن تكييفها ، أولها الشفافية الفعلية لا الشكلية: نشر الموازنات، عقود المناقصات، وأسماء المستفيدين من القرارات العامة، بحيث يصبح التستر استثناءً لا قاعدة. ثانيها استقلال القضاء بشكل حقيقي، لأن أي إصلاح آخر يبقى هشاً ما لم يكن هناك جهاز قادر على محاسبة السلطة نفسها حين تخالف القانون.

 

ثالثاً، لا بد من كسر منطق التعيينات القائمة على المحاصصة والولاء، لصالح معايير الكفاءة، حتى لو تطلّب ذلك وقتاً طويلاً وصداماً مع مصالح راسخة. رابعاً، تفعيل الرقابة المجتمعية عبر إعلام حر وجمعيات مستقلة، لأن المؤسسات لا تصلح نفسها وحدها، بل تحتاج إلى ضغط مستمر من الخارج.

 

وأخيراً، يبقى العامل الأهم هو الوقت والاستمرارية. الثقة لا تُبنى ببيان رسمي أو حملة إعلامية، بل بتراكم تجارب صغيرة يشعر فيها المواطن أن القانون طُبّق فعلاً، وأن معاملته أُنجزت من دون واسطة، وأن صوته أحدث فرقاً ولو بسيطاً . حين تتكرر هذه التجارب، تبدأ الثقة بالتعافي، ببطء، لكن بثبات . وحتى ذلك الحين، ستبقى المؤسسات العربية تحمل اسمها من دون أن تحمل هيبتها الكاملة ، وسيبقى المواطن ، كما اعتاد ، يقف أمام الشباك وهو يشك أكثر مما يصدّق

 

سوسن شومان

سوسن شومان ناشطة حقوقية ومنسقة لغة فرنسية إضافة إلى أنها ناطقة باسم مبادرة نون ومدربة وعي قانوني مع جمعية عدل بلا حدود.

 

شارك