قطار العمر.. حكاية مسافر هزمه الانتظار

  • على رصيف محطة القطارات القديمة المهجورة، حيث غطى الصدأ قضبان الحديد ونمت الأعشاب البرية بين شقوق الحجارة الأثرية، كان العجوز “منير” يجلس كل مساء على مقعده الخشبي المتهالك. يرتدي معطفه الصوفي العتيق، ويمسك بيده ساعة جيب نحاسية توقفت عقاربها منذ عقود عند السادسة تماماً، وهو ينظر بثبات نحو المنعطف البعيد الذي كانت تخرج منه القطارات الصاخبة في زمن مضى قبل أن تطول المحطة يد النسيان.
لم يكن منير ينتظر قطاراً حقيقياً يقلّه إلى مدينة أخرى؛ بل كان ينتظر فرصة ضائعة وشخصاً غاب في برزخ المغتربين ولم يترك وراءه سوى وعود مبللة بدموع الفراق. كان ركاب المدينة يمرون من قربه قديماً بخطوات متسارعة تملؤها المادية خلف شاشات حياتهم، واصفين العجوز بالرجل الذي تاه في وادي الأوهام، دون أن يدرك أحد أن هذا المقعد يمثل له خيط الاتصال الوحيد بوعيه القديم وتصالحه مع ذكرياته الدافئة.
وفي ليلة من ليالي تموز الصافية، هبت نسمة هواء باردة محملة برائحة المطر البعيد، وتحركت عقارب ساعة الجيب فجأة لتعلن الثواني الأولى بعد السادسة. ابتسم منير بوقار واطمئنان، وشعر فجأة بأن حملاً ثقيلاً قد انزاح عن صدره، وتيقن أن الانتظار لم يكن ضياعاً؛ بل كان وفاءً نقياً للأثر الطيب الذي تركه الراحلون في قلبه. أسند رأسه إلى جدار المحطة العتيق وأغلق عينيه بسلام، تاركاً ساعته ترقد على الرصيف كشاهد حي على أن قطار العمر قد وصل أخيراً إلى محطته الأخيرة والأجمل في عالم الأحياء.
العبرة من القصة:
“إن قيمة الوفاء الحقيقية لا تقاس بنتيجة الانتظار، بل بنقاء العاطفة والصمود على العهد. في عصر يركض خلف الماديات وتتبدل فيه المواقف بسرعة، يظل التمسك بالأثر الطيب والذكريات الدافئة هو الدرع الروحي الذي يمنح حياتنا العمق والسكينة، ويثبت أن المشاعر المخلصة لا تهزمها الأيام ولا يطولها النسيان.”

شارك