
حراك سياسي ودبلوماسي يؤكد أهمية دور وموقع دمشق الجيوسياسي
شهدت الحركة السياسية والدبلوماسية من وإلى دمشق، حراكاً نشطاً يؤكد أهمية دورها وموقعها الجيوسياسي، في رسم الخرائط التي تجري للمنطقة، وسط تشابكات معقدة ومتعارضة، من المواقف والمصالح والطموحات، بين الدول والقادة، وارتباط ما يجري بالصراعات الأخرى، وخاصة في الجبهة الإيرانية، ومضيق هرمز، وفي أوكرانيا، والصراع الأمريكي والصيني، على قيادة السياسات والاقتصاديات العالمية، وفي التواجد الروسي في سورية، وغاز شرق المتوسط، ومشاريع إعادة البناء في سورية ولبنان والعراق.
أبرز هذه التحركات، كانت زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون لدمشق، وزيارة الرئيس أحمد الشرع إلى أنقرة، بالتزامن مع انعقاد قمة حلف الناتو، ولقائه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، لتكون العلاقات الثنائية، بين دمشق وكل من واشنطن وباريس وأنقرة، واحدة من المحطات الرئيسية، التي تشهدها المنطقة، لرسم موازين القوى والقوة والخرائط الجيوسياسة للمنطقة، والمشاريع التي ترتسم للهيمنة عليها، ودور كل طرف فيها والتي يتم رسمها على البارد والساخن.
زيارة ماكرون لدمشق، التي تعبر مفتاح منطقة شرق المتوسط وغرب آسيا، لا تنفصل عن المحاولات الحثيثة لفرنسا، لإبقاء موضع قدم لها، في أكثر مناطق العالم أهمية من الناحية الجيوساسية، والتي كان لها فيها تواجد أيام العز الفرنسي، وفي وقت تتراجع فيه مكانة فرنسا الحالية كدولة عظمى، وتنسحب من معظم مناطق تواجدها في العالم، تارة بالقوة، وتارة بالسياسة والدبلوماسية، وخاصة من أفريقيا، وحتى من لبنان، الذي يطلقون عليها اسم “الأم الحنون”.
مهمة ماكرون في دمشق، ليست بالمهمة السهلة، مع تغير موازين القوى والقوة الإقليمية والدولية، لغير صالحها، ومع وقوف معظم الدول الفاعلة في الملف السوري، ضد أي دور فاعل لها في سورية، أكبر من حجمها وفعاليتها الحالية، وفي مقدمتها أمريكا، وروسيا، والصين، وتركيا، وبريطانيا، والكيان الصهيوني.
ومع هذه التعقيدات والعراقيل، أمام طموحات فرنسا، لا يبقى لها أكثر من دور معنوي، وبعض الأدوار اللوجستية، التي تطلبها منها واشنطن، وباعتبارها عضو دائم في مجلس الأمن الدولي، ولها دور مهم في تاريخ المنطقة، وهذا يمنحها بعض التأثير في الملف السوري، وربما بعض العقود الثانوية، في مجالات الغاز والنفط، وإعادة الإعمار، لكنه بالتأكيد لن يكون دور رئيسي فاعل.
أما سورية، التي لا تزال في غرفة الإنعاش، فمن مصلحتها تطوير علاقاتها مع كل الدول في المنطقة والعالم، وفي مقدمتها فرنسا كعضو فاعل في الاتحاد الأوروبي، وعضو دائم في مجلس الأمن الدولي، وهذا يجعل من تطوير العلاقات الثنائية، مصلحة مشتركة وخاصة لدمشق.
أما تركيا التي دعت الشرع إلى أنقرة، بالتزامن مع عقد قمة الناتو فيها، وترتيب لقاء له مع الرئيس ترامب، فهي تريد التأكيد بأنها أكثر الأطراف الإقليمية والدولية الفاعلة في الملف السوري، وهي تريد تأكيد هذا الدور أكثر، في وجه الكيان الصهيوني، منافسها الأول على سورية، وأيضاً امام السعودية، المنافس الأول لها على زعامة العالم الإسلامي، وإدراك البلدين بأن هذه الزعامة، لا يمكن أن تكتمل لأحدهما، بدون ضمان سورية إلى جانبها.
أما اختيار مناسبة قمة الناتو، لدعوة الشرع إلى أنقرة، فهو تأكيد على تموضع سورية الجديد، في الضفة الأمريكية الغربية، وبعيداً عن حلف المقا*ومة، الذي كانت تتموضع به، قبل التغيير الدراماتيكي الذي حدث فيها.
يبقى اللقاء الأكثر إثارة وجدلاً، الذي جرى بين الشرع وترامب، حيث تابع ترامب كعادته، مواقفه التي تحرج الضيوف، وبدون الأخذ بأي اعتبار، لمواقفهم والتزاماتهم ومسؤولياتهم.
فقد أعاد ترامب التذكير، بأنه هو وأردوغان، من وضع الشرع في منصبه، قبل أن يشيد به بكلمات وتعابير، قد تكون محرجة، أكثر مما هي مريحة له.
لكن الموقف الأكثر فجاجة من ترامب، كان حديثه المكرر، بأنه أهدى الجولان للكيان الصهيوني، وبدون أن ترف له جفن لهذه الفجاجة، التي تخالف كل القوانين الدولية والأممية، وحتى الأعراف السياسية والدبلوماسية.
الرئيس الشرع الذي يدرك، حساسية الموقف وأرجحيته الطاغية لصالح ترامب، فضل الصمت على تصريحاته غير الدبلوماسية، لكنه رد عليه بعد اللقاء، بأن كلامه اعترافات باطلة، لان الجولان حق للشعب السوري.
كما تبرز هنا، المطالب المقدمة للسلطات السورية، من واشنطن والدول الغربية، حول الوضع الداخلي في سورية، والتي تخص الديمقراطية، والأقليات، والمقاتلين الأجانب، والمهلة المعطاة لها لتنفيذها، وربط كل الوعود الأمريكية والغربية، وفي مقدمتها إخراج سورية من قائمة الدول الراعية للإر*هاب، بتنفيذ هذه المطالب.
وسط هذه التشابكات، يبدو الموقف السوري، في وضع معقد، ويتطلب تحقيق موازنة صعبة، بين متطلبات الداخل والخارج، لكن موقع سورية الجيوسياسي، وحاجة دول المنطقة، والدول الكبرى لها، يمكن أن يلعب دور في تقوية الموقف السوري، في وجه المطالب الخارجية خاصة إذا ما أحسن استخدامه، ويتطلب بشكل خاص، تقوية الجبهة الداخلية، واتخاذ المزيد من الإجراءات، حول تكريس منطق الدولة، وتحقيق الأمن والأمان، للشعب السوري.
أحمد رفعت يوسف



