بريق الوفاء.. حكاية قلب صان العهد

  • في زاوية مشمسة من ساحة الفخار التراثية، كان الحرفي المسن “جهاد” يجلس خلف عجلة الخزف الدوارة في محترفه الصغير. يداه المغطاتان بالطين اللين تعيدان تشكيل الآنية بصبر وإتقان، وكأنه ينسج من الطين الصامت ذكريات جيل كامل رحل وبقيت ملامحه محفورة في وعيه. بين آلاف القطع والمزهريات الملونة المعروضة على الرفوف، كانت هناك جرة طينية صغيرة، بسيطة التصميم ومطرزة بخطوط زرقاء باهتة، تقبع في الوسط كأثر ناصع لا يجرؤ أحد على تحريكه أو بيعه مهما دفع المشترون من أموال.
لم تكن تلك الجرة مادة للبيع أو التجارة المادية؛ بل كانت رمزاً لعاطفة مخلصة ووعد قديم قطعه جهاد لصديق عمره “كامل” قبل أن يغادر البلاد مجبراً في سنوات القحط. تعاهد الصديقان يومها على أن تظل هذه الجرة تحديداً وعاءً يحفظ عهد الأخوة، وأن يلتقيا مجدداً في هذا المحترف مهما طالت المسافات وتبدلت أحوال الدنيا. مر إعصار السنين، وركض ركاب المدينة خلف شاشات حياتهم متناسين قيم الوفاء، وظن الجميع أن كامل صار في برزخ النسيان وأن انتظار الشيخ ما هو إلا وهم متبدد.
وفي مساء هذا اليوم، وبينما كانت خيوط شمس تموز الدافئة تصبغ الساحة باللون البرتقالي الساحر، دخل إلى المحترف رجل غريب تكسو الشيب لحيته ويستند على عصاه بخطوات متهدجة. وقف الرجل صامتاً أمام الرفوف، ونظر دغري نحو الجرة الطينية الصغيرة، واغرورقت عيناه بدموع الحنين جارفة. التفت إليه جهاد، وتوقفت عجلته الدوارة عن الحركة فجأة؛ سقطت الأقنعة وابتسم الصديقان بوقار واطمئنان، وتيقنا في تلك اللحظة الرهيبة أن المحبة الصادقة والأثر الطيب لا يضيعان في غياهب الزمن، بل يظلان كشعلة حية تعيد ربط القلوب الوفية وتثبت أن العهود النقية هي الأبقى في عالم الأحياء.

العبرة من القصة:
“إن الوفاء بالعهود وصون المحبة الصادقة هما الجوهر الحقيقي الذي يمنح حياتنا المعنى والسكينة. في عالم متسارع تتبدل فيه المواقف والماديات، تظل العواطف المخلصة والأثر الطيب ركائز ثابتة لا تطولها يد النسيان؛ فالأشخاص قد تباعد بينهم المسافات وتطويهم السنون، لكن القلوب الوفية تجد طريقها دائماً للتلاقي وإثبات أن الصدق هو الأبقى.”

شارك