لحن النجاة.. قصة قلب وجد العافية

  • في الطابق العلوي من مبنى أثري قديم يطل على ساحة القناصل بدمشق، كان الطبيب الجراح المتقاعد “أمين” يجلس كل مساء أمام شرفته الواسعة. تحيط به زجاجات الحبر وأوراق قديمة دون فيها مذكرات عقود من العمل الطبي الشاق في مداواة أجساد البشر وصيانة صحتهم. لم يكن أمين يشعر بالندم على قضائه سنوات عمره داخل غرف العمليات الصامتة؛ بل كان يمتلك شغفاً حقيقياً بعزف العود الشرقي القديم، معتبراً أن الأنغام الدافئة هي المقشر الطبيعي والوحيد القادر على إزالة هموم الأيام وتضميد جراح وعي الإنسان الداخلي.
في مغيب هذا اليوم، وبينما كانت الشمس تصبغ الأفق بلون برتقالي دافئ، هبت نسمة هواء باردة حملت معها نبرة صوت خافتة تستغيث من الشارع الخلفي. أطل أمين دغري من شرفته، فرأى رجلاً شاباً يتعثر في خطواته الثقيلة كمن يحمل حملاً يزن الجبال نتيجة أزمة تنفس مفاجئة. لم يتردد الجراح العجوز لحظة واحدة؛ نزل بسرعة تفوق سنّه، وقدم للشاب الإسعافات الطبية الطارئة بمرونة وخبرة متناهية، ثم استضافه في محترفه ومنحه كأساً من الماء النقي الممزوج بماء زهر الياسمين المنعش.
عندما استعاد الشاب عافيته بسلام واطمئنان، تطلع نحو العود القديم المعلق على الجدار، فابتسم أمين وبدأ يعزف له لحناً تعبيرياً قديماً يبعث السكينة في النفوس الشابة. واغرورقت عيناهما بدموع الحنين واليقين بأن الأثر الطيب الذي نتركه في حياة الآخرين لا يضيع في غياهب النسيان؛ بل يظل كشعلة حية تنبض في باطن السنين. غادر الشاب المكان بملامح مبتسمة وصحة متجددة، بينما ظل أمين في صومعته، يعزف بحب، مؤكداً بأفعاله البسيطة أن معجزة الشفاء الحقيقية تبدأ أولاً من تلاحم القلوب وعاطفة الوفاء بين البشر في عالم الأحياء.

العبرة من القصة:
“إن الطب الحقيقي لا يقتصر على مداواة الأبدان وصرف الأدوية، بل يمتلك جوهره في مواساة الأرواح وبث الأمل في القلوب المكسورة. في عصر يركض فيه البشر خلف الماديات والشاشات الصامتة، يظل الأثر الطيب والعاطفة الإنسانية المخلصة هما خط الدفاع الأول لحماية وعينا وتصالحنا مع الحياة، فالأفعال النبيلة البسيطة لا يطولها النسيان وتعود لصاحبها عافيةً وأماناً.”

شارك