
سحابة ترامب السوداء
كتب رياض الفرطوسي
تُثبت مجريات الأحداث على رقعة الشطرنج الشرق أوسطية أن هناك بوناً شاسعاً بين صخب الاحتفالات في ردهات البيت الأبيض وبين الحقائق العنيدة على أرض الواقع؛ حيث تبدو الاستراتيجية الأمريكية الحالية، المتمثلة في هندسة “اتفاقات سلام” سريعة لإنقاذ السمعة، وكأنها سحابة داكنة تمر فوق المنطقة دون أن تمطر سوى وعودٍ متبخرة. وإذا ما أزحنا غبار البروباغندا الإعلامية، وحللنا تلك الاتفاقات بعين باردة وبناءً على أحدث ما تسرب من كبريات الصحف الأمريكية والبريطانية، سنكتشف بلا عناء أن المستفيد الأكبر والمستور خلف هذه الهدنات الهشة ليس سوى المحور الذي تقوده طهران، والذي أثبتت الأيام قدرته على الصمود وفرض شروطه، مقارنةً بتراجع الخطوط الحمراء للقوى العظمى.
لنبدأ من غزة، حيث أُعلن بضجيج واسع عن “خطة السلام” ومجلس السلام التابع لترامب، ووعد صهره جاريد كوشنر بإعادة إعمار القطاع وتغيير واقعه خلال مئة يوم. لكن الصحافة الغربية، وتحديداً صحيفة “الغارديان” البريطانية، كشفت بوضوح كيف تلاشت تلك الوعود البراقة لتنكمش الخطة بأكملها إلى مجرد “مشروع تجريبي صغير” لخيام ومقصورات مؤقتة بالقرب من رفح. وعلى الرغم من محاولات الاحتلال الإسرائيلي المستمرة لقضم الأراضي وتجاوز خطوط وقف إطلاق النار واستهداف المدنيين والأطباء، فإن الحقيقة السياسية تؤكد عجز واشنطن وتل أبيب عن فرض شروطهما؛ فحركة حماس لا تزال تدير الشؤون المحلية ولم يتم نزع سلاحها. وأمام هذا التعنت الإسرائيلي ورفض الانسحاب، تجد الإدارة الأمريكية نفسها عاجزة عن تقديم أي تقدم حقيقي، ليتحول الاتفاق إلى مجرد غطاء شكلي يفضح عجز “صفقة القرن” بنسختها المعدلة عن كسر إرادة المقاومة.
هذا الفشل في حسم المعارك بالنقاط ينعكس بصورة أوضح في قلب المواجهة المباشرة بين واشنطن وطهران. فقد توجت المفاوضات الشاقة بتوقيع “مذكرة إسلام آباد” في يونيو 2026 بين دونالد ترامب والرئيس الإيراني مسعود بزشكيان. وبينما حاول البيت الأبيض تصوير الاتفاق كإنجاز تاريخي نابع من سياسة “السلام من خلال القوة”، سارعت التحليلات الرصينة في الصحافة الغربية إلى تفكيك هذا الادعاء. لقد لخص الدبلوماسيون الغربيون الاتفاق بأنه “اعتراف أمريكي صريح بالعجز عن تحقيق الأهداف عبر الحرب”. وتراجعت واشنطن، تحت وطأة شبح الركود الاقتصادي العالمي والتهديد الوجودي لإمدادات الطاقة في مضيق هرمز، عن خطوطها الحمراء السابقة واحداً تلو الآخر. لقد أجبر الحصار الإيراني الفعلي واقتدارها العسكري الإدارة الأمريكية على القبول باتفاق يترك لطهران قدراتها النووية الأساسية وجزءاً كبيراً من نفوذها الإقليمي دون تقديم تنازلات جوهرية، مما يمثل تراجعاً تاريخياً للهيمنة الأمريكية أمام الصمود الإيراني الذكي.
ولا تختلف الصورة كثيراً في لبنان؛ حيث سعت واشنطن جاهدةً لفرض “اتفاق إسرائيلي لبناني” لترتيب الأوضاع في الجنوب. إلا أن هذا الاتفاق ولد ميتاً من الناحية العملية في ظل استمرار الاعتداءات الإسرائيلية. والأهم من ذلك، أن الإدارة الأمريكية، خوفاً من انهيار اتفاقها الهش مع إيران بالكامل، مارست ضغوطاً هائلة على تل أبيب لإجبارها على قبول التهدئة مع حزب الله. ولم يقدم الحزب أي التزامات بتفكيك ترسانته أو التراجع عن معادلات الردع. بل إن المشهد أظهر بوضوح كيف تحولت التهديدات الإسرائيلية إلى تراجع أمام صمود الجبهة اللبنانية المترابطة عضوياً مع طهران.
إن العناوين الرنانة التي تصنعها إدارة ترامب لإثبات نجاح صفقاتها ما هي إلا سحابة عابرة لا تلبث أن تكشف عن شمس الحقيقة؛ فالولايات المتحدة لم تعد قادرة على فرض إرادتها المطلقة في المنطقة. وفي المقابل، نجحت إيران وحلفاؤها في تحويل الضغوط القصوى إلى انتصارات سياسية وعسكرية هادئة وثابتة، لتثبت الأيام أن توقيع الاتفاقات شيء، والقدرة على تغيير موازين القوى على الأرض شيء آخر تماماً.



