
رداء الطين.. حكاية نقش قهر الزيف
- في زاوية مشمسة من ساحة الفخار التراثية القديمة بدمشق، كان الحرفي الشيخ “جهاد” يجلس خلف عجلة الخزف الدوارة في محترفه الصغير المحاط بجرار الطين الجافة والأواني الملونة بصبر وإتقان. قضى جهاد عقوداً من عمره في طي الصلصال اللين وتشكيله، معتبراً أن الفخار يمتلك وعياً وعاطفة تحفظ أثر وبصمة النفوس الراحلة. كان ركاب المدينة المادية يمرون من قربه بخطوات متسارعة تملؤها المادية خلف شاشات هواتفهم الصامتة، واصفين شغفه بالوهم المتبدد، لكنه كان يبتسم بوقار متيقناً أن الأصالة لا يطولها النسيان.
وفي مساء هذا اليوم من أيام تموز اللاهبة، دخلت إلى المحترف فتاة تكسو ملامحها علامات التعب والإرهاق من صخب زيف المظاهر المعاصرة؛ وقفت الفتاة حائرة أمام جرة طينية صغيرة، بسيطة التصميم ومطرزة بنقوش زرقاء باهتة، تقبع في وسط الرف كأثر ناصع ممتلئ بالحنين. التفت إليها الشيخ بوقار، ولمس يدها بلطف ممرراً لها الجرة البسيطة، وقال بنبرة تملؤها السكينة: “يا ابنتي، الجمال الحقيقي لا يحتاج لأقنعة مصطنعة أو كلف فلكية؛ بل ينبع أولاً من العودة للأصل والتحرر من قيود المظاهر الجافة، فرائحة عطر الوفاء تنبعث من هذا الطين النقي”.
تأملت الفتاة الجرة باطمئنان واعتزاز، وشعرت فجأة بأن حملاً ثقيلاً قد انزاح عن صدرها، واغرورقت عيناها بدموع اليقين بأن معجزة الإبداع البشري المخلص هي خط الدفاع الأول لحماية هويتنا من التآكل الهيكلي وسط عالم سريع يركض خلف الماديات. غادرت الفتاة الساحة بملامح مبتسمة وصحة فكرية متجددة حاملة معها جرة الأصيلة، بينما ظل جهاد في صومعته، يطوي طينه بحب، مؤكداً بأفعاله النبيلة أن نور الحقيقة والصدق والأثر الطيب هم الأبقى دائماً في وعي الأحياء. - العبرة من القصة:
“إن الأصالة والعودة إلى الجذور البسيطة هما السر الحقيقي الذي يمنح الأرواح السكينة والحرية بعيداً عن زيف القيود والمظاهر الفلكية المعقدة للمجتمعات الحديثة. في عصر يتسارع خلف الشاشات الصامتة والماديات الزائفة، يظل التمسك بالأثر الطيب وصناعة الجمال بصدق وإخلاص هما المعجزة الخالدة التي تقهر الفناء وتعبر برزخ السنين لتثبت أن النفوس النقية لا يطولها النسيان أبداً.”



