لا تطلبوا تسليم السلاح… قبل إنهاء الاحتلال

 

من يطالب اليوم بنزع سلاح قوى المقاومة في لبنان، عليه أولاً أن يجيب عن سؤال بسيط لكنه حاسم:
هل انتهى الاحتلال؟ وهل توقفت الاعتداءات الإسرائيلية؟

وهل أصبحت السيادة اللبنانية مصانة بالكامل؟

إذا كانت الإجابة بالنفي، فإن الحديث عن السلاح قبل معالجة أسباب وجوده يصبح قفزاً فوق الحقائق، ومحاولة لمعالجة النتائج مع الإبقاء على الأسباب.

لقد قدم العراق نموذجاً سياسياً جديراً بالتأمل. فقد تمسكت فصائل المقاومة هناك بموقف واضح مفاده أن مستقبل السلاح مرتبط بانتهاء الوجود العسكري الأمريكي، وأن إنهاء أسباب المواجهة يجب أن يسبق أي ترتيبات داخلية.

وقد فرض هذا المنطق نفسه على طاولة النقاش، لأن الوقائع لا تُغيَّر بالشعارات، بل بالحلول الواقعية.

واليوم، لا يختلف المشهد في لبنان كثيراً.

فما زالت إسرائيل تحتل أجزاءً من الأراضي اللبنانية، وتواصل انتهاك السيادة براً وبحراً وجواً، وتمنع الاستقرار الكامل في الجنوب، وتعرقل عودة الحياة الطبيعية إلى كثير من القرى والبلدات.

إن مطالبة اللبنانيين بحسم ملف السلاح، بينما تستمر هذه الوقائع، تعني عملياً مطالبتهم بالتخلي عن عناصر القوة قبل إزالة مصادر التهديد، وهو طرح يفتقد إلى التوازن السياسي والاستراتيجي.

كما أن تطورات المنطقة أثبتت أن لغة القوة وحدها لا تكفي لصناعة القرار.

فالردع، وحسابات الكلفة، واحتمالات اتساع الحرب، جميعها عوامل تؤثر في قرارات الدول الكبرى.

ولذلك فإن أي مقاربة واقعية للأمن الإقليمي يجب أن تنطلق من معالجة جذور الصراع، لا من فرض حلول أحادية الجانب.

إن السلام لا يُبنى بإضعاف طرف وترك الطرف الآخر يواصل الاحتلال والاعتداء.

والسلام الحقيقي يبدأ عندما يخضع الجميع للقانون الدولي، وعندما تُنفذ القرارات الدولية بلا انتقائية، وعندما تنسحب إسرائيل من الأراضي المحتلة، وتتوقف اعتداءاتها، ويُعاد إعمار الجنوب، ويعود أبناؤه إلى بيوتهم بكرامة وأمان.

عندها فقط،
يصبح الحوار حول الاستراتيجية الدفاعية وحصر السلاح بيد الدولة حواراً وطنياً طبيعياً، بعيداً عن الضغوط والإملاءات، وبما يحفظ سيادة لبنان ووحدته.

إن التجربتين العراقية واللبنانية تؤكدان حقيقة واحدة:

(لا يُطلب إنهاء وسائل الدفاع، قبل إنهاء أسباب الدفاع).

وهذه ليست دعوة إلى استمرار الصراع، بل دعوة إلى معالجة جذوره، لأن الدول تُبنى بالعدل، والسيادة، واحترام القانون، لا بازدواجية المعايير.

سعيد فارس السعيد
كاتب وباحث استراتيجي مستقل
“صوتٌ من أجل شرقٍ يولد من تحت الرماد… لا من تحت الركام.”

شارك