
العروبة ليست حاكمًا ولا حزبًا… العروبة هوية وحضارة ورسالة
من لا يفتخر بالعروبة، ولا يعتز بانتمائه إليها، لا يدرك عمق قيمه الروحية والحضارية والتاريخية.
فالعروبة لا يمثلها حاكم، ولا يحتكرها حزب، ولا تختصرها سلطة أو نظام سياسي.
العروبة هوية وانتماء، وذاكرة حضارية، وقيم إنسانية وروحية، وحضارة ممتدة عبر آلاف السنين.
العروبة إنجيل وقرآن، ورسل وأنبياء، وأرض احتضنت الرسالات السماوية، ومنها انطلقت رسالات غيّرت وجه التاريخ.
ولهذا، فمن الخطأ أن يحمّل البعض العروبة مسؤولية أخطاء الحكام والأنظمة العربية. فالحاكم يُنتقد، والنظام يُحاسب، والسياسات تُناقش، أما العروبة فلا يجوز اختزالها في حاكم أو حزب أو نظام.
والمؤسف أن بعض الإعلاميين، أو من يدّعون التحليل السياسي، عندما يريدون انتقاد حاكم عربي أو نظام عربي، لا يوجهون نقدهم إلى الحاكم أو النظام وسياساته، بل يتجاوزون ذلك إلى التهجم على العروبة نفسها، وكأن العروبة هي المسؤولة عن الاستبداد أو الفساد أو أخطاء الحكام.
والأغرب أن بعضهم يقول: «أنا مسلم ولست عربيًا»، وكأن الإسلام والعروبة هويتان متناقضتان.
فالإسلام رسالة عالمية، نعم، ولكنه نزل بلسان عربي، ونبيه محمد ﷺ عربي، والقرآن عربي، وأهل بيته وصحابته الأوائل جزء أصيل من التاريخ العربي والإسلامي.
كما أن المسيحية نشأت في هذه المنطقة، في المشرق العربي، الذي احتضن الرسالات السماوية والحضارات الإنسانية الكبرى.
لذلك فإن الاعتزاز بالعروبة لا يتعارض مع الإسلام ولا مع المسيحية، كما أن الانتماء الديني لا يلغي الانتماء الثقافي والحضاري.
ومن هنا، فإن التهجم على العروبة واحتقارها والتحريض ضدها، عندما يتحول إلى خطاب كراهية وإلغاء، ليس مجرد اختلاف سياسي أو فكري، بل إساءة إلى هوية تاريخية وحضارية راسخة.
أما العربي الذي يهاجم عروبته ويحتقر لغته وتاريخه وحضارته، ويتنكر لانتمائه، فهو لا ينتقد حاكمًا أو نظامًا فحسب، بل يتنكر لجانب أساسي من هويته.
وكذلك فإن المسلم الذي يؤمن بالقرآن، ويحب رسول الله ﷺ، ويجلّ أهل بيته وصحابته، لا ينبغي أن يرى في العروبة عدوًا لدينه؛ فالعروبة كانت البيئة التي حملت في بداياتها الرسالة الإسلامية، واللغة العربية هي لغة القرآن الكريم.
العروبة ليست سلطة… بل هوية.
وليست حزبًا… بل انتماء.
وليست حاكمًا… بل حضارة.
وليست تعصبًا… بل اعتزاز بالذات واحترام للآخر.
ومن يعتز بالعروبة لا يعتز بالماضي وحده، بل يعتز بقيم الكرامة والشهامة والوفاء والتعايش والعلم واللغة والحضارة، ويحترم في الوقت نفسه جميع المكونات والأديان والثقافات.
لذلك، انتقد الحاكم كما تشاء، وحاسب النظام كما تشاء، وارفض سياسات أي دولة أو حزب، فهذا حقك؛ لكن لا تجعل أخطاء الحكام ذريعة لاحتقار العروبة أو الإساءة إلى العرب.
فالعروبة أكبر من حكامها، وأكبر من أحزابها، وأكبر من أنظمتها؛ لأنها هوية شعوب، وحضارة، ولغة، وذاكرة تاريخية، وانتماء إنساني متجذر.
ومن لا يعتز بهويته العربية، فكيف يعتز بتاريخٍ كانت فيه هذه الأرض مهدًا للرسالات، وحاضنةً للقرآن والإنجيل، وموطنًا للأنبياء والرسل والحضارات؟
احترم دينك، واعتز بهويتك، وانتقد الحاكم كما تشاء…
لكن لا تجعل أخطاء الحكام سببًا للتنكر للعروبة.
سعيد فارس السعيد
كاتب وباحث استراتيجي مستقل



