
من دم التحرير إلى حبر التسوية
بقلم : د.محمد هزيمة كاتب وباحث سياسي
في زمن المحاصصة والفرز المذهبي وفي عهد استباحة الدستور وغياب القانون وضجيج الصفقات ولد “قانون العفو” صفقة طنعت العدالة والحقوق ولم يولد من رحم العدالة بل بحسابات سياسية ضيقة ومنافع تخدم استمرار السلطة لا استقرار الوطن، قانون مستنسخ عن تجارب سابقة بقياس لحظة تخلي جريمة فتحت الباب لعودة من ارتبطوا بالعدو الإسرائيلي ومعهم أطلق سراح متورطين بملفات أمنية دموية طالت الوطن من الهرمل إلى العاصمة وصولا لضاحيتها المدمرة اليوم على كل الصعد وبكل الادوات،
وكل ذلك يجرى وفئة من اللبنانيين تخوض حرب وجود فعلية من الجنوب إلى البقاع تدفع ثمن خيارها السيادي المقاوم بيوتاً مهدمة شهداء وجرحى وتهجير لم يدخل في حسابات صفقة فرطت بدماء لم تجف بعد فضلت المساوم على المقاوم بمرحلة يُعاد فيها ترتيب الأولويات بالمقلوب، يُجمّل الخطأ بعنوان “الواقعية” تُبرر العمالة باسم”التعايش” والمطلوب التصفيق والنسيان
لكن الناس الذين دفنوا أبناءهم لن ينسوا والذين خرجوا من تحت الأنقاض لا يقبلوا أن تُساوى تضحياتهم بصفقات الغرف المغلقة
والأخطر أن يجري هذا بلحظة إقليمية تحاول فيها قوى كبرى شطب “خيار المقاومة” وتحميل بيئة بأكملها وزر الصمود تمهيدا لمعادلة داخلية جديدة بعناوين مذهبية مكشوفة تستثمر في الحرمان وتقود المجتمع الى المجهول،
وإذا كان الاستخفاف عاماً، الا انه في بلاد بعلبك-الهرمل كان مضاعفاً بمنطقة دفعت وما زالت تدفع أثماناً باهظة، أبناؤها ارتقوا شهداء على الجبهات ومنهم من لا تزال أشلاؤهم تحت الأنقاض ولم بكتفوا ان بكونوا بيئة حاضنة للمواجهة بل راس حربة فكانت المكافأ
استثمار في واقع الحرمان تركٌ متعمد لمجتمع غارق بمستنقع المخالفات والملاحقات والملفات المعيشية بلا شبكة أمان او مشروع إنقاذ ….
لم نسال عن مستشفيات تليق او طرقات وحتى معامل ترمن فرص عمل اكتفينا بخطابات موسمية لا تثمن ولا تغني في حل تبيقي المنكقة خارج التسويات غارقين بدائرة العوز وقوداً للقادم من الايام،
فبعد كل الدم الذي سُفك، تُترك البيئة وحدها تواجه تبعات قانون يُخرج من اعتدى عليها بالأمس فاعلاً في معادلة الغدا
فأي منطق هذا الذي يطلب الصمت على جرح مفتوح باسم “الوطنية” وأين الأمانة
الحديث هنا عن موقع وأمانة عن رأس المؤسسة التشريعية عن القاىد السياسي لبيئة مستهدفة بوجودها لم تبخل يوما على الوطن واين الصلاحيات ضمن تركيبة النظام الحالي في لبنان، وهل كان لإرادة من انتخبكم اي اعتبار وكيف ترجم في ثقيفة جديدة … كان المطلوب أن تكون درعاً يحمي لا جسر عبور يمرر لكن ما جرى كان تنازلاً عن إدارة القرار وتسليماً لحكومة “مهمة” مهمتها تمرير قرارات تمس مباشرة بحق الدفاع المكرس بالدستور تشيطن السلاح الذي حرر الأرض….
حتى “المساواة” بين ابناء بعلبك والجنوب كانت في الخذلان وليس في الحقوق او الإنماء والحماية ونحن نسلك درب الجلجلة،
حررنا الأرض بالدم معتقدين أن التحرير نهاية الطريق وقد نسـينا معركة أصعب: معركة التحرر من منطق التبعية وتأليه الأشخاص بدولة المحاصصة التي قتلت الأمل باسم “أمل” وزادت الحرمان باسم “المحرومين”
فلماذا تكرار خطيئة “العفو السياسي” الجريمة التي لن يبني وطناً بل تهدم ما تبقى من عقد اجتماعي وفتحت الباب أمام مزيد من الاحتقان . فالمسؤولية ليست أن تضحي بمن وثقوا بك على مذبح التسوية
فالتاريخ لا يرحم والشعوب لا تنسى وما بُني على الدم لا يجوز أن يُهدَر بحبر صفقة،
وإذا كان الراعي قد اختار أن يتحول إلى ذئب يتآمر على القطيع، فعلى القطيع أن يصحو. لأن الدفاع عن الحق يبدأ من الداخل، قبل أن نطالب به من الخارج



