لبنان 1973–1990: خمسة عشر عاماً حين تحول الوطن ساحةً لحروب الآخرين

 

 

بقلم: أمين السكافي. (الحلقة ٤).

 

لم تبدأ الحرب الأهلية اللبنانية في 13 نيسان 1975، يوم انطلقت رصاصات بوسطة عين الرمانة، ولم تنتهِ تماماً في اليوم الذي دخلت فيه القوات السورية قصر بعبدا في 13 تشرين الأول 1990. فالرصاصة التي قتلت لبنان لم تكن رصاصة واحدة، وإنما تراكم طويل من الأزمات السياسية والطائفية والاجتماعية والفلسطينية والعربية والإسرائيلية والدولية، حتى صار البلد الصغير عاجزاً عن الفصل بين أزمته الداخلية وحروب المنطقة.

 

ولفهم لبنان الذي دخل الحرب، لا بد من العودة قليلاً إلى الوراء، إلى اتفاق القاهرة في 3 تشرين الثاني 1969، الذي جاء بعد اشتباكات بين الجيش اللبناني والفصائل الفلسطينية، وبوساطة مصرية مباشرة. نص الاتفاق على تنظيم الوجود الفلسطيني، وإنشاء لجان داخل المخيمات، ووجود مراكز للكفاح المسلح، والسماح للفلسطينيين بالمشاركة في الثورة الفلسطينية المسلحة، مع التأكيد نظرياً على احترام سيادة لبنان وأمنه.

 

لكن المشكلة لم تكن في النص وحده، بل في كيفية تطبيقه. ومع مرور السنوات اتسعت الفجوة بين الصيغة المكتوبة والواقع الميداني. أصبحت مناطق فلسطينية مسلحة تتمتع بقدر كبير من الاستقلال عن السلطة اللبنانية، وخصوصاً في الجنوب. وبعد أحداث أيلول الأسود في الأردن عام 1970 وخروج منظمة التحرير الفلسطينية من الأردن، انتقلت قيادة المنظمة وقسم كبير من قوتها المسلحة إلى لبنان، فتحول الجنوب تدريجياً إلى قاعدة للمواجهة مع إسرائيل. وهكذا صار لبنان يحمل على أرضه القضية الفلسطينية، لكنه لم يكن يملك وحده قرار الحرب والسلم. وتشير دراسات تاريخ الحرب إلى أن انتقال منظمة التحرير إلى لبنان بعد أيلول الأسود كان نقطة تحول أساسية في تكوين البيئة التي سبقت الحرب.

 

وفي المقابل، كان المجتمع اللبناني نفسه يعيش أزمة عميقة. فالنظام الذي قام على الميثاق الوطني عام 1943 حافظ على توزيع طائفي للسلطة لم يعد يعكس التحولات الديموغرافية والاجتماعية والسياسية التي طرأت على البلاد. كان رئيس الجمهورية مارونياً، ورئيس الحكومة سنياً، ورئيس مجلس النواب شيعياً، وكانت موازين التمثيل النيابي والسياسي تستند إلى معادلات قديمة. ومع صعود الحركة الوطنية واليسار والحركة القومية العربية، وتزايد المطالبة بإصلاح النظام، بدأ الصراع يأخذ طابعاً يتجاوز السياسة إلى سؤال: أي لبنان نريد؟

 

في تلك السنوات كان لبنان يعيش بين مجموعة من الزعامات التي طبعت المرحلة: سليمان فرنجية في رئاسة الجمهورية، وصائب سلام ورشيد الصلح وغيرهما في رئاسة الحكومة، وكامل الأسعد في رئاسة المجلس النيابي، فيما كان بيار الجميل وكميل شمعون وريمون إده وسليمان فرنجية أبرز وجوه المعسكر المسيحي، وكان كمال جنبلاط الشخصية الأبرز في الحركة الوطنية، إلى جانب صائب سلام، رشيد كرامي، الإمام موسى الصدر، وشخصيات سياسية وفكرية ونقابية أخرى.

 

ولم يكن لبنان يعيش صراعاً بين حزبين. كانت هناك الكتائب، الوطنيون الأحرار، التنظيم، حراس الأرز، المردة وغيرها من القوى المسيحية، وفي المقابل الحزب التقدمي الاشتراكي، الحزب الشيوعي اللبناني، منظمة العمل الشيوعي، حركة الناصريين المستقلين، المرابطون وسواها ضمن الحركة الوطنية، بينما كانت الساحة الفلسطينية تضم فتح، الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، الجبهة الديمقراطية وغيرها، وكانت سوريا والعراق وليبيا ودول عربية أخرى حاضرة بدرجات مختلفة في المشهد.

 

ثم جاءت سنة 1973 لتكشف حجم الانفجار المقبل. ففي أيار من ذلك العام اندلعت مواجهات كبيرة بين الجيش اللبناني والفصائل الفلسطينية في بيروت ومناطق أخرى. تدخلت القوى السياسية لاحتواء القتال، لكن المعنى الأخطر كان قد ظهر: الدولة لم تعد تملك وحدها السلاح والقرار، والسلاح الفلسطيني لم يعد مجرد وجود في المخيمات.

 

وفي الخلفية كانت إسرائيل تتحرك داخل لبنان أيضاً. ففي نيسان 1973 نفذت قوة إسرائيلية عملية اغتيال في فردان ببيروت استهدفت ثلاثة من أبرز مسؤولي منظمة التحرير: كمال عدوان، محمد يوسف النجار «أبو يوسف»، وكمال ناصر. وكانت العملية رسالة تقول إن بيروت نفسها لم تعد بعيدة عن الصراع الإسرائيلي الفلسطيني.

 

وقبل ذلك بسنوات، في 1968، كانت إسرائيل قد نفذت غارة على مطار بيروت ودمرت عدداً من طائرات شركة طيران الشرق الأوسط. لم تكن تلك العملية جزءاً من حرب 1975، لكنها كانت من العلامات المبكرة على أن لبنان أصبح مكشوفاً أمام الصراع الإسرائيلي الفلسطيني.

 

ثم جاءت 13 نيسان 1975.

 

بوسطة تقل فلسطينيين مرت في عين الرمانة، فتعرضت لإطلاق نار، وسقط قتلى. كانت الحادثة الشرارة التي أشعلت النار، لكنها لم تكن السبب. فالبلد كان مملوءاً بالبنزين قبل أن يأتي عود الثقاب.

 

انتشرت الاشتباكات، وسرعان ما انقسمت بيروت، ثم لبنان. جاء السبت الأسود في كانون الأول 1975، حيث وقعت عمليات قتل وخطف على الهوية في بيروت ومحيطها، وأصبحت البطاقة الشخصية أحياناً حكماً بالموت.

 

ثم دخلت الحرب مرحلة أكثر وحشية.

 

في كانون الثاني 1976 وقعت مجزرة الكرنتينا، ثم مجزرة الدامور، وفي آب من العام نفسه سقط مخيم تل الزعتر بعد حصار طويل ومعارك ومجازر، بينما كان لبنان يتفكك بين خطوط تماس. وتبقى أرقام الضحايا في هذه المجازر موضع اختلاف بين المصادر، لكن المؤكد أنها تركت جروحاً لم تلتئم.

 

كان كمال جنبلاط يقود الحركة الوطنية اللبنانية التي ضمت قوى يسارية وقومية وحلفاء فلسطينيين، بينما كانت الجبهة اللبنانية تجمع القوى المسيحية الرئيسية. وفي عام 1976، ومع انهيار مؤسسات الدولة، دخل الجيش السوري إلى لبنان في سياق التدخل العربي الذي تحول لاحقاً إلى وجود سوري طويل. وكانت قيادات لبنانية، ومنها قيادات في الجبهة اللبنانية، قد طلبت تدخلاً سورياً لوقف انهيار الدولة وتقدم القوى الوطنية والفلسطينية، لكن دمشق لم تدخل لبنان من موقع الوسيط المحايد؛ كانت لها حساباتها الإقليمية الخاصة أيضاً. وفي أواخر 1976 أُنشئت قوات الردع العربية، لكن الوجود السوري بقي جوهر القوة العسكرية الفعلية على الأرض.

 

وفي آذار 1977 اغتيل كمال جنبلاط في حادثة ما زالت من أكثر اغتيالات الحرب إثارة للجدل. ولم يكن اغتياله مجرد قتل سياسي؛ كان اغتيالاً لأحد أكثر وجوه لبنان قدرة على صياغة مشروع سياسي عابر للطوائف.

 

ثم جاءت إسرائيل.

 

في آذار 1978 اجتاحت إسرائيل جنوب لبنان في ما دعي عملية الليطاني، بعد سلسلة من العمليات والهجمات الفلسطينية، وأنشأت منطقة أمنية بالتعاون مع قوى لبنانية محلية، بينما صدر قرار مجلس الأمن 425 الذي أدى إلى إنشاء قوات اليونيفيل.

 

لكن الحرب لم تتوقف.

 

في 1982 جاءت الحرب الكبرى.

 

اجتاحت إسرائيل لبنان في حزيران، ووصل جيشها إلى بيروت. تحولت العاصمة إلى مدينة محاصرة، وقاومت القوات الفلسطينية والحركة الوطنية اللبنانية والقوى الموجودة في بيروت، وسقط آلاف المدنيين خلال الحصار والقصف. وبعد أسابيع من المفاوضات خرج ياسر عرفات ومنظمة التحرير الفلسطينية من بيروت في آب 1982، تحت إشراف دولي وقوة متعددة الجنسيات.

 

لكن خروج منظمة التحرير لم ينهِ المأساة.

 

في 23 آب انتُخب بشير الجميل رئيساً للجمهورية، الرجل الذي بدا لكثيرين أنه قادر على إعادة تركيب الدولة، وبدا لآخرين أنه وصل إلى الرئاسة في ظل تحالف شديد التعقيد مع إسرائيل. لكن في 14 أيلول 1982 اغتيل بشير الجميل في انفجار استهدف مقر الكتائب في الأشرفية، واتُّهم حبيب الشرتوني، العضو في الحزب السوري القومي الاجتماعي، بالجريمة.

 

وبعد أيام وقعت مجزرة صبرا وشاتيلا.

 

دخلت مجموعات من القوات اللبنانية إلى المخيمين، في ظل وجود الجيش الإسرائيلي في محيط بيروت، وقُتل عدد كبير من المدنيين الفلسطينيين واللبنانيين. وتختلف التقديرات بشدة حول عدد الضحايا، لكن المصادر تتحدث عن مئات إلى آلاف القتلى.

 

كان ذلك أحد أكثر مشاهد الحرب دموية، وبقيت المسؤوليات السياسية والعسكرية والأخلاقية موضع تحقيق وجدال دولي ولبناني وإسرائيلي حتى اليوم.

 

وفي تلك المرحلة بدأت صفحة جديدة: المقاومة ضد الاحتلال الإسرائيلي.

 

نشأت قوى وتجمعات إسلامية ووطنية عديدة في الجنوب والبقاع والضاحية، وكان من أبرزها لاحقاً حزب الله، الذي تبلور في الثمانينيات بدعم إيراني وبالتعاون مع قوى إسلامية لبنانية، ليصبح لاحقاً القوة الرئيسية في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي.

 

وفي 17 أيار 1983 وقعت الحكومة اللبنانية اتفاقاً مع إسرائيل عُرف بـاتفاق 17 أيار، لكنه لم يتحول إلى سلام دائم. رفضته قوى لبنانية وسورية وفلسطينية، واندلعت المواجهات، ثم جاءت انتفاضة 6 شباط 1984 في بيروت، التي أسقطت عملياً الاتفاق وأعادت رسم موازين القوى.

 

وبعدها دخل لبنان مرحلة من الحروب داخل الحرب: حرب الجبل، حرب المخيمات، حرب الإقليم، ثم حرب العلمين في بيروت، وحروب بين حركة أمل والقوى الفلسطينية، ثم حرب المخيمات، وحروب داخلية بين القوى المسيحية نفسها.

 

وفي 1985 ظهر الاتفاق الثلاثي بين حركة أمل والحزب التقدمي الاشتراكي والقوات اللبنانية، برعاية سورية، لكنه ولد ميتاً بعد رفضه داخل القوات اللبنانية وسقوطه سياسياً وعسكرياً.

 

وفي 1987 اغتيل رئيس الحكومة رشيد كرامي في تفجير طائرة هليكوبتر كان يستقلها، وفي 1989 اغتيل المفتي حسن خالد، ثم انتُخب رينيه معوض رئيساً للجمهورية في أعقاب اتفاق الطائف، لكنه اغتيل في 22 تشرين الثاني 1989، بعد أيام قليلة من انتخابه.

 

وهكذا أصبحت الاغتيالات جزءاً من السياسة: معروف سعد، كمال جنبلاط، سليم اللوزي، بشير الجميل، رشيد كرامي، حسين مروة، مهدي عامل، حسن خالد، رينيه معوض، وغيرهم من السياسيين والمفكرين والصحافيين والنشطاء الذين ابتلعتهم سنوات الحرب.

 

أما النهاية فجاءت من الطائف.

 

في تشرين الأول 1989 اجتمع النواب اللبنانيون في مدينة الطائف السعودية، وبرعاية عربية ودولية، وتوصلوا إلى وثيقة الوفاق الوطني التي أعادت توزيع الصلاحيات بين الرئاسات، وساوت في التمثيل النيابي بين المسلمين والمسيحيين، وخفّضت صلاحيات رئيس الجمهورية لمصلحة مجلس الوزراء، ومهدت لإعادة بناء الدولة.

 

لكن الطائف لم يوقف الحرب في يوم توقيعه.

 

بقي العماد ميشال عون في مواجهة مع القوات السورية والقوى اللبنانية الأخرى، وأعلن «حرب التحرير» ضد الوجود السوري، ثم تحولت المواجهة إلى حرب داخل البيت المسيحي نفسه بين الجيش والقوات اللبنانية بقيادة سمير جعجع .

 

وفي 13 تشرين الأول 1990 انتهت المرحلة العسكرية الكبرى عندما هاجمت القوات السورية مواقع عون ووصلت إلى قصر بعبدا، فغادر عون لبنان لاحقاً إلى المنفى في فرنسا.

 

كانت الحرب قد استمرت نحو 15 عاماً وستة أشهر. وتختلف الإحصاءات حول ضحاياها اختلافاً كبيراً؛ فالتقديرات الشائعة تضع عدد القتلى عند نحو 150 ألفاً، فيما تعتمد دراسات أكاديمية أكثر تحفظاً أرقاماً تقارب 90 ألفاً. كما سقط عشرات الآلاف من الجرحى والمعوقين، ونزح مئات الآلاف، وغادر البلاد نحو مليون شخص لفترات مختلفة، فيما تحولت بيروت ومدن وقرى كاملة إلى أنقاض.

 

لكن الأرقام، مهما كبرت، لا تستطيع وحدها أن تروي القصة.

 

فالخسارة الأكبر لم تكن في عدد البيوت المهدمة ولا في عدد القتلى، بل في أن اللبناني بدأ ينظر إلى اللبناني الآخر بوصفه مشروع عدو. صار الحي متراساً، والجامعة ساحة نفوذ، والشارع حدوداً، والاسم الطائفي أحياناً أخطر من الاسم الشخصي.

 

كانت الحرب اللبنانية حرباً أهلية، نعم، لكنها لم تكن أهلية فقط.

 

كانت فيها فلسطين وإسرائيل وسوريا وإيران والعراق والولايات المتحدة وفرنسا ودول عربية مختلفة، وكانت فيها الحرب الباردة، والقومية العربية، واليسار، والطائفية، والسلاح، والمال، والمخيمات، والاحتلال، والمقاومة، والاغتيال.

 

ولذلك فإن السؤال الحقيقي ليس: من أشعل الحرب؟

 

السؤال الأصعب هو: كيف وصل بلد صغير إلى مرحلة أصبح فيها كل طرف يملك سبباً كافياً ليحارب، وكل دولة إقليمية تملك سبباً كافياً لتتدخل؟

 

في 1975 أطلقت بوسطة عين الرمانة الشرارة.

 

وفي 1990 سكتت المدافع.

 

لكن لبنان الذي خرج من الحرب لم يكن هو لبنان الذي دخلها.

 

فقد تغيّر النظام، وتغيّرت موازين القوى، وخرجت منظمة التحرير، دخلت سوريا وبقيت، خرجت إسرائيل من مناطق ثم احتلت أخرى، ولدت المقاومة الإسلامية، وسقطت زعامات وصعدت زعامات، ودفن جيل كامل من اللبنانيين شبابه في خطوط التماس.

 

وهكذا انتهت الحرب الأهلية عسكرياً، لكن أسئلتها بقيت حيّة:

 

من يملك قرار الحرب والسلم؟ من يحمي لبنان عندما تعجز الدولة؟ أين تبدأ المقاومة وأين تنتهي سيادة الدولة؟ وهل كان لبنان ضحية لصراعات الآخرين، أم أن الآخرين لم يستطيعوا الدخول إليه إلا لأن اللبنانيين كانوا قد انقسموا أولاً؟

 

ربما كانت هذه هي المأساة اللبنانية الكبرى:

أن الوطن لم يسقط عندما دخلت الجيوش الأجنبية فقط، بل بدأ يسقط يوم أصبح اللبنانيون أنفسهم يحتاجون إلى الخارج كي ينتصر أحدهم على الآخر.

 

ومن هنا تبدأ قصة لبنان الآخر… لبنان ما بعد الطائف .

شارك