
“ألغام المحاصصة” قراءة في جذور الطائفية السياسية ومستقبل الدولة العراقية
الحلقة الأولى:
كيف يصبح المذهب بديلًا عن الدولة؟
كتب رياض الفرطوسي في أروقة التاريخ السياسي، لا تولد الدول الفاشلة بقرارات مفاجئة، بل تتخلق في المساحات المعتمة بين سلطة تصارع من أجل بقائها ومجتمع يلوذ بهوياته الضيقة بحثًا عن الأمان.
حين أطلق عالم الاجتماع الإيطالي أنطونيو غرامشي مقولته الشهيرة: “القديم يحتضر، والجديد لا يستطيع أن يولد، وفي هذا الفاصل تظهر أعراض مرضية شديدة التنوع”، لم يكن يعلم أن الشرق الأوسط سيعيد إنتاج هذا الفاصل بدقة متناهية. غير أن المفارقة العراقية أكثر قسوة؛ فالجديد الذي ولد بعد عام 2003 لم يولد من رحم مشروع وطني جامع، بل ولد متفسخاً لأنه خرج من تقاسم الغنائم.
لا يمكن فهم الانفجار الطائفي بعد الاحتلال دون العودة إلى لحظة التأسيس الأولى عام 1921. فقد نشأت الدولة الحديثة في العراق بآليات شمولية وإقصائية لم تستطع صهر المكونات في هوية مواطنة متساوية. وكما يشير المؤرخ الاجتماعي علي الوردي، فإن المجتمع العراقي ظل يعاني ازدواجية تأرجحت بين قيم القبيلة والريف وبين مؤسسات المدنية الحديثة. وحين أخفقت المدرسة والقضاء والجيش في تحويل الطوائف إلى مواطنين، استبطنت المكونات سرديات المظلومية والشك.
يتفق الباحث البريطاني تشارلز تريب (صاحب كتاب “تاريخ العراق”) مع هذا الطرح؛ إذ يرى أن الطائفية السياسية ليست قدراً جينياً في العراقيين، بل هي استراتيجية حكم اعتمدتها النخب المتعاقبة لتأمين البقاء. لقد تعاملت الدولة العثمانية مع الطوائف ككيانات وسيطة، وجاءت الدولة الحديثة لتعزز التمييز بدلاً من تجاوزه.
إن الخطر الأكبر لا يكمن فقط في “التعصب الديني”، بل في “العقلية الطائفية” التي قد تتلبس الحزبي أو الدغمائي بمختلف عناوينه. إنه العقل الذي يمتلك نصاً مقدساً أو أيديولوجياً مغلقاً، ويريد قسر الواقع والتاريخ والجغرافيا كي تتطابق مع نصوصه. وفي هذا العالم المغلق، يُختزل المخالف إلى “آخر” يجب محوه أو تقزيمه. وحين تحول المذهب أو الحزب إلى وطن بديل، أصبحت المحاصصة عرفاً حاكماً أقوى من الدستور نفسه.
· في الحلقة القادمة: كيف تحول الفراغ الأمني والهندسة السياسية الخارجية إلى ألغام مؤقتة؟ وقراءة في دور الإدارات الدولية والإقليمية في صناعة “مجلس الحكم” وتكريس الانقسام.



