
حين يُدَسُّ السمُّ في العسل
وجوهٌ لا تظهر إلا حين يهبط الليل؛ لأنها لا تستطيع أن تعيش في ضوء الحقيقة.
تأتيك بعباراتٍ براقة، وتغلف الكلام بالعسل، وتضع على ألسنتها مفردات الفقراء، والمظلومين، والعدالة، والكرامة، حتى يخال المرء أن الإنسانية وجدت أخيرًا من يحمل رايتها.
لكن، كم من سمٍّ دُسَّ في العسل!
هناك من يتحدث عن الفقراء أمام الناس، ثم يتاجر بحاجاتهم في الخفاء؛ ومن يرفع شعار الكرامة، بينما يجعل من كرامة الآخرين سلّمًا إلى منصب أو مكسب؛ ومن يصرخ باسم العدالة، لا بحثًا عن إنصاف المظلوم، بل بحثًا عن موقعٍ جديد بين المنتفعين.
وكأن بعضهم تعلّم أن أفضل طريقة لصيد الإنسان هي أن تضع أمامه الطعام الذي يشتهيه، ثم تخفي السنارة تحت الطُعم.
وقال ابن خلدون: «الظلم مؤذن بخراب العمران.»
فالخراب لا يبدأ دائمًا بانهيار الجدران؛ أحيانًا يبدأ حين يفقد الناس ثقتهم بالكلمة، وحين تصبح الشعارات تجارة، والمواقف سلعة، والوجوه أقنعة تتبدل بحسب اتجاه الريح.
وكم من صوتٍ ارتفع باسم الناس، بينما كان صاحبه يبحث عن نفسه!
وكم من سياسيٍّ أتقن العزف على أوتار الألم؛ لأن وجع الناس بالنسبة إليه ليس قضيةً إنسانية، بل فرصةٌ سياسية.
الأكثر إيلامًا أن الإنسان قد يُخدع بالشعار قبل أن يبحث عن صاحب الشعار.
فليس كل من قال «الحق» من أهله، وليس كل من رفع راية الفقراء قد حمل فقيرًا على كتفيه، وليس كل من تحدث عن النزاهة عاش يومًا واحدًا من أجلها.
وكما قيل: «اعرف الحق تعرف أهله.»
فالحق لا يُقاس بعلوّ الصوت، ولا بعدد المصفقين، ولا بكثرة المنابر، ولا بجمال الكلمات؛ إنما يُعرف حين تتحول المبادئ إلى سلوك، والشعارات إلى أفعال، والكلام إلى مسؤولية.
فالإنسان الحقيقي يُعرف في العتمة، حين لا جمهور حوله، ولا تصفيق، ولا مصلحة تنتظره.
أما خفافيش الليل، فمهما طال اختباؤها، سيأتي صباحٌ لا تستطيع فيه الأقنعة أن تحجب الوجوه، وستسقط الشعارات حين يصطدم بريقها بحقيقة الأفعال.
يا من بقي في قلبه شيءٌ من الحس الإنساني…
لا تنخدع كثيرًا بمن يتحدث عن الناس، بل انظر كيف يعامل الناس حين لا يحتاج منهم شيئًا.
لا تسأل كم مرة قال: «أنا معكم»، بل اسأل: كم مرة كان معكم حين كان الوقوف إلى جانبكم مكلفًا؟
لا تقيس النزاهة بالمنابر، بل باللحظات التي كان فيها يستطيع أن يخون ولم يفعل.
فالعسل الحقيقي لا يحتاج إلى إعلان، والإنسانية الصادقة لا تحتاج إلى مكبّر صوت.
وفي نهاية الطريق، تبقى الحقيقة وحدها؛ تتساقط عنها الألوان، وتسكت أبواق التصفيق، ويقف الإنسان أمام ضميره عاريًا من كل منصب وشعار.
وهناك فقط…
نعرف من كان يدافع عن المظلوم، ومن كان يتاجر بمظلوميته.
نعرف من حمل همَّ الناس، ومن حمل الناس إلى حيث يريد.
ونعرف من كان إنسانًا في زمنٍ كثرت فيه الشعارات، وقلَّ فيه الإنسانية…
بقلم عصام كحلة



