
د. فرناز عطية – ازمات سياسية واقتصادية راهنة ولدتها الرأسمالية في عدة دول إفريقية
مركز الحداثة الديمقراطية في الشرق الاوسط
في ظل الرأسمالية المتوحشة والتي استشرت في عالمنا في الوقت الراهن، تتكبد القارة السمراء “قارة إفريقيا” دفع فواتير تقدم الدول الغربية، حيث تستنزف خيراتها لصالح هذه الدول، بينما يعيش سكانها في فقر مدقع، وحروب واضطرابات أمنية بين الحين والآخر تحت مسمى الأزمات سواءً الاقتصادية أو السياسية أو الاجتماعية، والتي اختلقها الغرب ويدعمونها لإحكام السيطرة على القارة التي تعتبر المغذي الرئيسي للدول الغربية الصناعية بكثير من المعادن والثروات، ونرصد هنا أبرز المشكلات التي تعاني منها دول قارة أفريقيا مؤخرًا وتؤرق أمن واستقرار هذه الدول سياسيًا واقتصاديًا، ومنها:
اولاً – التنافس الأجنبي في القارة وما يفرضه من تبعات:
شهدت القارة الإفريقية ألوانًا من التنافس الأجنبي لأهدافًا اقتصادية وسياسية وأمنية متباينة، ومن أبرزها:
الوجود الأمريكي في قارة إفريقيا:
يتمحور الوجود الأمريكي في إفريقيا بشكل رئيسي حول الشراكة الأمنية والاقتصادية وتوسيع النفوذ الجيوسياسي لمواجهة التنافس الدولي، خاصة مع الصين وروسيا، ويتخذ عدد من الملامح أبرزها:
البُعد العسكري والأمني:
القيادة المركزية (أفريكوم): تأسست عام 2007، وتُنسق العمليات العسكرية وجهود مكافحة الإرهاب والتدريب في جميع دول القارة باستثناء مصر، وقد نشأت في البداية للذود عن أمن دول القارة، ثم تحولت مؤخرًا لأداة لمواجهة القوى المنافسة للولايات المتحدة في أفريقيا.
القواعد العسكرية ونقاط الارتكاز: تُعد قاعدة “كامب ليمونييه” في جيبوتي الأهم والأكبر، وتتحكم في مضيق باب المندب وتراقب الجماعات المتطرفة في القرن الإفريقي، كما تمتلك واشنطن تواجداً عبر منشآت وقواعد في دول أخرى مثل أوغندا والسنغال والصومال .
إعادة التموضع: شهدت السنوات الأخيرة إعادة انتشار للقوات الأمريكية، حيث تم سحب قوات من النيجر وتشاد وإعادة تموضعها في مناطق أخرى في ضوء التغيرات السياسية بالقارة.
كما لا تعتمد واشنطن فقط على القوة العسكرية؛ بل تدمج الأدوات الدبلوماسية والاقتصادية والاستخبارية لبناء شبكات نفوذ طويلة الأمد مع أنظمة محلية بما يشمل التدريب وتبادل المعلومات وبناء آليات تنسيق مشتركة بما يحول القرن الإفريقي إلى جزء من مسرح التنافس بين القوى الكبرى لا مجرد ساحة مكافحة إرهاب.
البُعد الجيوسياسي والاقتصادي
التنافس الدولي: تستخدم واشنطن دبلوماسيتها وقدراتها الاقتصادية لاحتواء النفوذين الصيني والروسي المتناميين في القارة، خاصة فيما يتعلق بالاستثمار في البنية التحتية والوصول إلى الموارد الحيوية.
الشراكات التجارية: تعمل الولايات المتحدة على دمج الاقتصادات الإفريقية في السوق العالمية عبر برامج واتفاقيات محددة مثل قانون النمو والفرص في إفريقيا بـ AGOA (أغوا)، وهو تشريع تجاري أمريكي أُقرّ في مايو 2000 لدعم اقتصادات دول أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى ، يمنح هذا القانون آلاف السلع الأفريقية إمكانية دخول السوق الأمريكية كونها معفاة من الرسوم الجمركية لتشجيع النمو وتوطيد العلاقات الاقتصادية، وقد انتهى العمل به رسمياً في 30 سبتمبر 2025 وسط نقاشات مستمرة حول مستقبل تجديده.
برامج المساعدات والتنمية
تلتزم الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية (USAID) بتنفيذ برامج تنموية وإنسانية واسعة تهدف إلى تعزيز الديمقراطية، ومكافحة الأوبئة، ودعم الأمن الغذائي، وتحسين الرعاية الصحية في مختلف الدول الإفريقية.
الوجود الإسرائيلي في قارة إفريقيا:
تاريخياً، نجحت إسرائيل في الخمسينيات والستينيات في بناء علاقات قوية مع الدول الأفريقية حديثة الاستقلال عبر المساعدات التنموية، ولكن هذه العلاقات تراجعت بشكل حاد في أعقاب حرب أكتوبر 1973، حين قطعت معظم الدول الأفريقية علاقاتها الدبلوماسية تضامناً مع الدول العربية، ومنذ مطلع الألفية الحالية، سعت إسرائيل للعودة بقوة إلى القارة من خلال استراتيجية متعددة الأبعاد، والأهداف، ومنها:
تأمين المجال الحيوي: من خلال السيطرة على مواقع قريبة من البحر الأحمر ومضيق باب المندب لحماية الملاحة الإسرائيلية.
الدعم الدبلوماسي: لكسب أصوات الدول الأفريقية في المحافل الدولية والأمم المتحدة لمواجهة القرارات المناهضة لإسرائيل.
احتواء الخصوم: عن طريق محاولة الحد من النفوذ الإيراني والتركي وتهديدات الحوثيين في القارة والقرن الأفريقي، ومؤخرًا جاء اعتراف تل أبيب بصوماليا لاند جزءًا من إعادة تموضع إسرائيلي في فضاء القرن الإفريقي؛ بهدف بناء عمق استراتيجي جديد وتأسيس شراكات أمنية واستخبارية ولوجستية مع كيان مستقر نسبيًا، وتعمل إسرائيل على توسيع الشراكات الإقليمية بالبعد الاقتصادي المرتبط بفرص التعاون في مجالات متعددة، ومنها:
التعاون الأمني والعسكري: بتدريب قوات وقادة عسكريين أفارقة، وبيع المعدات العسكرية وأجهزة التجسس والاتصالات لعدد من الدول الإفريقية.
المساعدات الزراعية والتقنية: من خلال تقديم برامج تدريب في مجالات الري، والصحة، وإدارة المياه لجذب الحكومات الأفريقية، عبر وكالة “ماشاف”.
الاختراقات الدبلوماسية: عن طريق توثيق العلاقات مع عدة دول إفريقية، كالاعتراف الدبلوماسي الأخير بإقليم أرض الصومال في ديسمبر 2025 كخطوة لتعزيز الحضور في منطقة القرن الأفريقي.
الوجود الروسي في قارة إفريقيا:
أما بالنسبة للوجود الروسي، يتوسع في إفريقيا كاستراتيجية جيوسياسية تهدف إلى منافسة النفوذ الغربي وتأمين موطئ قدم استراتيجي، ويعتمد هذا التواجد بشكل أساسي على الشراكات العسكرية، وتأمين الموارد الطبيعية، وتوريد الأسلحة، وإبرام اتفاقيات التعاون المشترك، وينشط الجيش الروسي وقواته رسمياً في عدة دول إفريقية، من أبرزها مالي (قواعد في العاصمة باماكو ووسط البلاد)، ليبيا، السودان، وجمهورية إفريقيا الوسطى والنيجر، مع مساعٍ لتوسيع البنية التحتية اللوجستية لتشمل موانئ وقواعد جوية، ويتوسع الوجود الروسي في إفريقيا بشكل استراتيجي لينافس النفوذ الغربي، معتمداً على شراكات أمنية، وتأمين قواعد لوجستية، وتُدير موسكو هذا الحضور عبر كيان الفيلق الإفريقي الذي حل محل مجموعة (فاغنر)، وتعمل موسكو في أفريقيا على أساس مبدأ “المقايضة الاقتصادية” :حيث توفر الأولى الدعم الأمني والسياسي لهذه الدول، مقابل حصول الشركات الروسية على امتيازات حصرية للتنقيب عن الموارد الطبيعية المربحة، مثل: الذهب والألماس، وبالنسبة للقرن الإفريقي كمساحة نفوذ منخفضة الكلفة للجانب الروسي في ظل تراجع علاقاته مع الغرب بعد الحرب الأوكرانية، تعتمد موسكو على أدوات مثل بيع السلاح، والتعاون الأمني، وتدريب القوات المحلية، والشركات العسكرية الخاصة، في محاولة لبناء نفوذ سياسي دون استثمارات اقتصادية واسعة، ويبرز السودان كحالة مركزية في هذا السياق حيث تسعى روسيا إلى ربط الدعم العسكري بإمكانية الحصول على موطئ قدم بحري في البحر الأحمر بما يمنحها منفذًا استراتيجيًا بعد تراجع تموضعها في البحر الأحمر والشرق الأوسط بشكل عام .
الوجود الصيني في قارة إفريقيا:
في المقابل، فإن النفوذ الصيني بوصفه نموذجًا مختلفًا في أدواته ومنطقه يقوم على الاقتصاد والبنية التحتية، والاستثمار في الموارد الطبيعية (النفط، المعادن)، والتمويل طويل الأمد ضمن إطار مبادرة الحزام والطريق، حيث تستثمر بكين بكثافة في الموانئ، وعمليات النقل، والطاقة، والاتصالات، وتحوّل دولًا مثل إثيوبيا وجيبوتي وإريتريا إلى عقد ربط بين الداخل الإفريقي وطرق التجارة الدولية؛ مما يعمق التبعية الاقتصادية للصين ويحوّلها إلى مصدر نفوذ سياسي غير مباشر مدعوم لأول مرة بحضور عسكري خارجي عبر القاعدة الصينية في جيبوتي، ويبرز أن الصين تقدم نفسها بديلاً للنموذج الغربي القائم على المساعدات المشروطة، كما تُعزز بكين نفوذها عبر مبادرات مثل إلغاء الرسوم الجمركية على السلع المستوردة من دول القارة الأقل نمواً، كما تُرسخ قوتها الناعمة والدبلوماسية عبر تقديم الدعم الدبلوماسي للدول الأفريقية دون التدخل في شؤونها الداخلية أو فرض اشتراطات سياسية، وهذا إلى جانب توفير المنح والبعثات، من خلال توفير فرص لعشرات الآلاف من الطلاب الأفارقة في جامعاتها سنوياً عبر حزم واسعة من المنح الدراسية و ودعم للقطاعات الصحية في عدد من الدول الأفريقية، وهو ما يمنحها جاذبية سياسية في البيئة الإفريقية.
الوجود التركي في قارة إفريقيا:
يتوسع في إفريقيا بشكل استراتيجي متعدد الأبعاد منذ إعلان أنقرة عام إفريقيا في 2005، ويرتكز هذا الحضور على مزيج من القوة الناعمة والدبلوماسية، فيعتمد على خمسة محاور رئيسية، هي:
الدفاع والأمن: تُعد صفقات الطائرات المسيرة (بيرقدار) والتعاون العسكري ركيزة أساسية، كما تمتلك تركيا قاعدة عسكرية استراتيجية في الصومال، كما وقعت مؤخراً اتفاقيات دفاع بحري وتنقيب عن الطاقة لتعزيز نفوذها في القرن الإفريقي.
الدبلوماسية: وسعت تركيا حضورها الدبلوماسي بشكل مكثف ليتجاوز 40 سفارة، مع تكثيف دور الوساطة الاستخبارية والسياسية كما حدث في حل الخلافات بين الصومال وإثيوبيا.
الاقتصاد والتجارة: قفز حجم التبادل التجاري التركي الإفريقي أضعافاً مضاعفة، وتنشط الشركات التركية في تنفيذ مشاريع البنية التحتية العملاقة والمقاولات في عدد من دول أفريقيا.
القوة الناعمة (المؤسسات الدينية والإنسانية): تلعب وكالة تيكا (TIKA) وجمعيات خيرية أخرى دوراً حيوياً في تقديم المساعدات الإغاثية، بالإضافة إلى بناء المستشفيات والمدارس والمساجد في عدة دول.
التعليم والسفر: تقدم تركيا منحاً دراسية للطلاب الأفارقة عبر مؤسسة التعليم التركي (Türkiye Maarif Vakfı)، كما تربط الخطوط الجوية التركية إسطنبول بأكثر من 60 وجهة إفريقية، مما يسهل حركة التجارة والأفراد.
الوجود السعودي في قارة إفريقيا:
أما عن التواجد السعودي ينصب على زاوية الأمن البحري وحماية طرق التجارة والطاقة، وهو يقوم بالأساس على الاستثمار والعلاقات الدبلوماسية والمشاريع الاقتصادية ، دون اعتماد واسع على الوجود العسكري المباشر، والتنموية والإنسانية . وترى الرياض في القرن الإفريقي عمقًا أمنيًا لفضائها البحري، وساحةً لتوازن النفوذ في مواجهة إيران وتركيا، وأحيانًا الإمارات ضمن منطق تنافس غير مباشر على النفوذ الإقليمي.
الوجود الإماراتي في قارة إفريقيا:
أما الإمارات، فتظهر في أفريقيا كفاعل جيو – اقتصادي واضح المعالم يركز على السيطرة على الموانئ وشبكات التجارة واللوجستيات، وتعتمد أبو ظبي مقاربة تجمع بين الاستثمار، والنفوذ السياسي، والحضور الأمني المحدود والدبلوماسية الاقتصادية ضمن رؤية تحويل نفسها إلى عقدة تجارية عالمية، وتعد الإمارات رابع أكبر مستثمر أجنبي مباشر في أفريقيا، بعد الصين والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، وعلى الأرض، أسست الإمارات قواعد عسكرية في كل من تشاد، إريتريا، ليبيا، الصومال، وبالأخص في إقليمي بونتلاند وصوماليلاند غير المعترف بهما دوليًا، واستخدمت هذه القواعد في دعم العمليات العسكرية الإماراتية أو لتأمين مصالحها بالوكالة، بما في ذلك دعم ميليشيات محلية كما حدث في ليبيا، حيث كانت أحد أبرز ممولي وداعمي قوات اللواء “خليفة حفتر” منذ الحرب الأهلية الثانية عام 2014، إذ وفّرت له الدعم السياسي والعسكري والمالي، بل وانتهكت قرارات مجلس الأمن بحظر توريد السلاح عبر شحنات صينية وروسية، واستعانت بمرتزقة لخدمة أجندتها، وفي إثيوبيا، برزت أبوظبي كفاعل مفصلي في تغيير موازين الحرب، إذ أمدّت حكومة “آبي أحمد” بطائرات مسيّرة كانت حاسمة في ضرب قوات التيغراي، إلى جانب دورها في دعم قوات الدعم السريع في السودان، وتعمل أبوظبي للسيطرة على ثروات القارة، إذ تُعد دبي ثاني أكبر مستورد للذهب عالميًا، والوجهة الأبرز للذهب الأفريقي، حتى من دول لا تنتج فعليًا كميات كبيرة من المعدن، مثل رواندا وأوغندا، وفي كثير من الأحيان، تُظهر البيانات تفاوتًا صارخًا بين صادرات هذه الدول من الذهب والواردات المُعلنة من الجانب الإماراتي، ما أثار اتهامات متكررة بتحول دبي إلى محور رئيسي لتهريب الذهب وغسل الأموال، عبر مصافيها وأسواقها غير الخاضعة لرقابة صارمة، وقد أكدت وزارة الخزانة الأمريكية عام 2022 أن أكثر من 90٪ من الذهب المُستخرج في جمهورية الكونغو الديمقراطية يُهرَّب إلى دول الجوار كأوغندا ورواندا، ومنها يُعاد تصديره إلى الأسواق العالمية، وعلى رأسها الإمارات العربية المتحدة.
الوجود الإيراني في قارة إفريقيا:
يوصف بكونه دور منخفض الظهور لكنه ممتد زمنيًا قائمًا على بناء شبكات نفوذ ديني واجتماعي وعلاقات سياسية غير مباشرة، ونشاط بحري محدود واستخدام بعض دول القرن الإفريقي كممرات لتهريب السلاح إلى حلفائها في الشرق الأوسط، ولا يقوم النفوذ الإيراني على مشاريع بنية تحتية كبرى؛ بل على بناء قواعد تأثير طويلة الأمد بما يخدم استراتيجية طهران الإقليمية الأوسع في مواجهة خصومها، كما تسعى إلى تخفيف وطأة العقوبات الاقتصادية من خلال بناء شبكة من التحالفات مع دول القارة الأفريقية، واستخدام إفريقيا كورقة ضغط وتصويت في المحافل الدولية.
في المجمل فإن أفريقيا ومؤخرًا القرن الأفريقي يمثل فضاء تنافسي متعدد المستويات لا تحكمه قوة واحدة بل شبكة متداخلة من المصالح الدولية والإقليمية، حيث تتداخل أدوات القوة الصلبة مع القوة الناعمة، والاقتصاد مع الأمن، والدبلوماسية مع البنية التحتية، وتظهر القارة كساحة إعادة تشكيل للنظام الإقليمي، لاسيما في البحر الأحمر وشرق إفريقيا، وتكشف أن التدخل الخارجي لا يعيد فقط توزيع النفوذ؛ بل يعيد إنتاج أنماط جديدة من التبعية والتحالفات المرنة والهشاشة البنيوية ضمن نظام دولي يتجه نحو التعددية القطبية والصراع على الممرات الاستراتيجية أكثر من الصراع على الحدود التقليدية.
ثانيا- الجماعات الإرهابية :
بالرغم من عدم وجود حصر للجماعات الإرهابية في القارة، بسبب تطور فكرة الإرهاب التى تعمل العديد من الجهات الفاعلة فى جميع أنحاء القارة على استدامتها، غير أن هناك توثيق لعدد الهجمات الإرهابية التى تشهدها القارة فى الأدبيات ووسائل الإعلام الأفريقية والدولية، فضلًا عن وجود معيارًا أكاديميًا دوليًا لتعريف العمل بأنه هجومًا إرهابيًا – وفقًا لقاعدة بيانات الإرهاب العالمى (GTD) لعام 2017 فى جامعة ميريلاند -، حيث يُعرَّف الهجوم الإرهابى على أنه: ” الاستخدام المُهدد أو الفعلى للقوة والعنف بشكل غير قانوني من قِبل جهة فاعلة من غير الدول لتحقيق هدف سياسىي أو اقتصادي أو ديني أو اجتماعي، عبر بث الخوف أو الإكراه، وبالتالي يمكن تصنيف الجماعات الإرهابية في القارة طبقًا لمناطق تواجدها كالتالي:
شهدت القارة الأفريقية خلال العقود الأخيرة تصاعدًا ملحوظًا في نشاط الجماعات المسلحة والمتطرفة، التي توزعت بين شمال القارة ومنطقة الساحل وغربها وشرقها ووسطها وجنوبها. وقد استفادت هذه الجماعات من هشاشة مؤسسات الدولة، وضعف السيطرة على الحدود، واتساع رقعة النزاعات المسلحة، فضلًا عن الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، الأمر الذي أتاح لها حرية الحركة عبر الحدود، وتوسيع عملياتها، والاستفادة من شبكات تهريب السلاح والجريمة المنظمة.
ففي شمال أفريقيا ومنطقة الساحل، برزت تنظيمات مرتبطة بتنظيم القاعدة وتنظيم الدولة الإسلامية «داعش»، إلى جانب جماعات أخرى نشطت في ليبيا ومالي والنيجر ومناطق الساحل. وفي غرب أفريقيا، برزت جماعة «بوكو حرام» والجماعات المرتبطة بها، ولا سيما في نيجيريا وحوض بحيرة تشاد، بينما شكلت جماعات مثل «أنصار الدين» و«جماعة التوحيد والجهاد في غرب أفريقيا» جزءًا من المشهد المسلح في منطقة الساحل. وقد ساهم استمرار النزاعات وضعف الرقابة الحدودية في تحويل أجزاء واسعة من الساحل إلى بيئة تتداخل فيها أنشطة الإرهاب مع تهريب الأسلحة والجريمة المنظمة.
أما في شرق أفريقيا، فقد شكلت حركة «الشباب المجاهدين» في الصومال أحد أبرز التهديدات المسلحة، إذ تجاوز نشاطها الحدود الصومالية ليطال دولًا مجاورة، ولا سيما كينيا وأوغندا، مستفيدة من علاقاتها بشبكات جهادية عابرة للحدود. وفي وسط أفريقيا، ارتبط «جيش الرب للمقاومة» الأوغندي لعقود بأعمال العنف والتمرد واستهداف المدنيين في عدد من دول المنطقة، مستفيدًا من الطبيعة الجغرافية المعقدة وضعف السيطرة الحكومية على المناطق النائية والحدودية. كما امتدت مظاهر النشاط الإرهابي إلى جنوب القارة بدرجات متفاوتة، بما يعكس الطبيعة المتحولة للتهديدات الأمنية في أفريقيا.
ولا يمكن تفسير تنامي هذه الجماعات بعامل واحد، بل هو نتاج تفاعل مجموعة من العوامل البنيوية الداخلية والخارجية. فعلى المستوى السياسي والأمني، أسهم ضعف مؤسسات الدولة، وتراجع قدرتها على فرض سيادتها، وتكرار الانقلابات، وتعثر التحول الديمقراطي، وضعف الحكم الرشيد، في اتساع فجوة الثقة بين الدولة والمجتمع. كما جعلت الحدود الطويلة والمناطق الصحراوية والنائية من الصعب مراقبة حركة الجماعات المسلحة وشبكات التهريب.
اقتصاديًا واجتماعيًا، يشكل الفقر والبطالة والتهميش وضعف الخدمات الأساسية، إلى جانب محدودية فرص التعليم والعمل، بيئة ملائمة للاستقطاب والتجنيد، خصوصًا بين الشباب. كما يؤدي عدم العدالة في توزيع الموارد والثروة، وتهميش بعض المكونات القبلية والعرقية، وتراكم الديون، وضعف البنى الاقتصادية، إلى تعميق مشاعر الحرمان والإقصاء وتحويل الأزمات الاقتصادية إلى أزمات اجتماعية وسياسية وأمنية.
ويضاف إلى ذلك العامل الفكري والأيديولوجي، حيث تستغل الجماعات المتطرفة البيئات الهشة لنشر خطابها وتوسيع نفوذها، مستفيدة أحيانًا من غياب المؤسسات القادرة على تقديم خطاب ديني وفكري متوازن. كما أن ارتباط بعض الجماعات المحلية بتنظيمات دولية، مثل القاعدة و«داعش»، يوفر لها الخبرات والتمويل والتدريب والدعم اللوجستي.
وتبرز، إلى جانب العوامل الداخلية، التدخلات الخارجية والتنافس الدولي على الموارد والموقع الجيوسياسي للقارة بوصفها عوامل قد تزيد تعقيد الأزمات، خصوصًا عندما تتخذ شكلًا من أشكال التبعية السياسية أو الاقتصادية. لذلك، فإن مكافحة الإرهاب في أفريقيا لا يمكن أن تقتصر على الحلول العسكرية والأمنية، بل تتطلب معالجة جذوره البنيوية عبر بناء دولة أكثر قدرة وشرعية، وترسيخ الحكم الرشيد والديمقراطية، وتحقيق العدالة الاجتماعية والتنمية الاقتصادية، وتعزيز التعليم والخدمات العامة، بما يحد من البيئات التي تستغلها الجماعات المتطرفة لاستقطاب الشباب وتوسيع نفوذها.
ثالثاً – الفجوات الحدودية وما تفرضه من أزمات:
بعد وضع الاستعمار حدودًا مصطنعة بين دول القارة للفصل الإجباري بين دولها، لأغراض استعمارية، انتهى الاستعمار ظاهريًا ولكن بقي ميراثه الرث وآثاره السلبية، التي تظهر بين الحين والآخر بمجرد اشتعال فتيل أي أزمة مهما كانت صغير بين الدول الأفريقية، حيث تركت مناطق تعاني من النزاعات الحدودية بين دولتين أفريقيتين أو أكثر، كالنزاع بين السودان ومصر على حلايب وشلاتين، والنزاع بين السودان وجنوب السودان على “إيبي”، ناهيك عن التنازع على مناطق النفط والغاز في المياه الإقليمية والمناطق الاقتصادية الخالصة (مثل النزاع البحري بين الصومال وكينيا)، وذلك لعدة أسباب : كالميراث الاستعماري، ووجود الثروات الطبيعية، والتقاطع الإثني، وضعف ترسيم الحدود.
وعلى الجانب الآخر تشكو إفريقيا من وجود فجوات حدودية لاتتبع أي من الدول المحيطة بها، ومنطقة “بئر طويل” هي أكبر مثال على ذلك، حيث تقع على الحدود بين مصر والسودان، وتُعتبر واحدة من أغرب المناطق الحدودية في العالم، فتبلغ مساحتها حوالي 2,060 كيلومتر مربع، ولا تُطالب بها أي من الدولتين رسميًا، مما يجعلها منطقة غير مأهولة بشكل دائم، ويعود تاريخ هذه الحالة الفريدة إلى عام 1899، عندما أُعيد ترسيم الحدود بين مصر والسودان بناءً على عوامل جغرافية وقبلية، نتج عنها “مثلث حلايب” الذي تطالب به كلتا الدولتين، بينما “بير طويل” تظل بدون مطالبات حدودية، مما عرض هذه المنطقة إلى نشوء عدد من الدول الوهمية يجهل من ورائهم، للاستحواذ على هذه المنطقة، لتحقيق أهداف بعينها، ومنها أن إسرائيل مؤخرًا كانت تخطط لعمل ترانسفير للفلسطينيين لتوطينهم فيها، مما يهدد أمن الدول المجاورة لهذه المنطقة واستقرارها .
رابعاً – الهجرة غير الشرعية:
تمثل الهجرة غير الشرعية تحديًا جيوسياسيًا للقارة السمراء، لاسيما مع ما تعانيه دول القارة من فقر وعدم توزيع عادل للموارد، ونزيف للعقول والخبرات التي عجزت عن إيجاد فرص عمل ملائمة ، حيث تُعدّ الهجرة غير النظامية من أفريقيا إلى الخارج نتيجةً لتداخل مجموعة من العوامل الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والأمنية، إذ يدفع الفقر وتدني مستويات المعيشة وارتفاع البطالة، إلى جانب عجز الدولة عن توفير الخدمات الأساسية وتراكم المديونية وسوء توزيع الثروة، أعدادًا متزايدة من السكان إلى البحث عن فرص أفضل خارج بلدانهم. ويتعزز هذا الدافع بفعل ضعف جودة التعليم والرعاية الصحية وتراجع الحماية الاجتماعية، فضلًا عن الضغط السكاني المتزايد على الموارد والخدمات المحدودة. كما تسهم الحروب الأهلية والصراعات الداخلية، وتراجع مستويات الديمقراطية والحريات العامة، وانتشار النظم الاستبدادية والإرهاب، في دفع الأفراد إلى مغادرة مناطقهم بحثًا عن الأمن والاستقرار. وفي المقابل، تترك الهجرة غير النظامية تداعيات اقتصادية وإنسانية وأمنية متشابكة؛ فهي تؤدي إلى نزيف الكفاءات وخسارة اليد العاملة الشابة، وتحدّ من فرص التنمية في دول المنشأ، بينما تفرض على دول العبور والمقصد ضغوطًا إضافية على مرافق الصحة والتعليم والخدمات العامة. وعلى المستوى الإنساني، تتسبب الرحلات غير الآمنة في فقدان آلاف الأرواح غرقًا في البحار أو هلاكًا في الصحاري، فيما قد تؤدي التدفقات المفاجئة إلى توترات اجتماعية وتغيّرات ديموغرافية في بعض المدن والمجتمعات المستقبِلة. كما يمكن أن تسهم في تصاعد الخطابات والحركات الرافضة للمهاجرين والمطالبة بترحيلهم. ومن الناحية الأمنية والسياسية، قد تؤدي الظاهرة إلى توتر العلاقات بين دول المنشأ والعبور والمقصد، بالتوازي مع ازدهار شبكات الجريمة المنظمة والاتجار بالبشر، واستغلال التكنولوجيا ومنصات التواصل الاجتماعي في تنظيم عمليات الاستقطاب والتهريب وتسهيل العبور غير النظامي عبر الحدود.
خامساً – حرب الذهب:
هي صراعات تنشأ بهدف السيطرة على مناجم المعدن الأصفر، وثرواته في مناطق عدة مثل: جوهانسبرغ بجنوب إفريقيا ، حيث يدير منقبون غير شرعيين يُعرفون بـ “زاما زاما” (أغلبهم مهاجرون غير نظاميين) عمليات التعدين، ويعيشون تحت الأرض لأسابيع داخل شبكة مناجم مهجورة حول جوهانسبرغ، كما تسيطر جماعات إجرامية مسلحة على العمال؛ مما دفع الحكومة لنشر أكثر من 2200 جندي للسيطرة على الوضع هناك، وفي دول الساحل الإفريقي، كمالي وبوركينافاسو تم إرساء مبدأ “الذهب مقابل الأمن”، حيث قامت عصابات، وخصوصاً الجماعات المتطرفة شمالي مالي، التي استغلت مناجم التعدين الحر في عملية فرض الإتاوات وجمع الأموال، ومن جهة أخرى استولت المليشيات الروسية مثل فاغنر سابقاً و الفيلق الإفريقي حالياً التابع لوزارة الدفاع الروسية على مناجم حيوية، وتتقاضى مئات الملايين من الدولارات كرسوم تأمين وحماية للمجالس العسكرية هناك، مما يخلق شبكة تمويل مباشرة لموسكو عبر الذهب الإفريقي، ومؤخرًا قامت المجالس العسكرية الحاكمة في مالي بإقرار قانوناً جديداً للتعدين لرفع حصة الدولة، ومصادرة المناجم المهجورة، سعياً لإنهاء الاعتماد الاقتصادي على الشركات الفرنسية والغربية، أما السودان حيث يشكل الذهب الوقود التمويلي للحرب الأهلية بين الجيش وقوات الدعم السريع هناك، من خلال فرض قوات الدعم السريع سيطرتها على مناجم غرب كردفان ودارفور (مثل منجم جبل عامر)، بينما يسيطر الجيش السوداني على مناطق الإنتاج في الولاية الشمالية، ونهر النيل والبحر الأحمر، ويهرب من خلال شبكات التهريب الدولية التي تتبع عدة دول أكثر من 50% إلى 60% من الذهب السوداني ثم يُنقل إلى مراكز التكرير العالمية
لتسييله، وتحويله إلى سيولة نقدية تُشترى بها الأسلحة والمسيّرات بعيداً عن النظام المالي التقليدي، كما يمثل التعدين الأهلي العشوائي مصدر الدخل الوحيد لنحو 3 إلى 5 ملايين مواطن سوداني يعيلون ملايين الأسر في ظل الانهيار الاقتصادي بالسودان، وهو ما أدى مؤخرًا لوصول الذهابة السودانيين لتنقيب عن الذهب على الحدود السودانية المصرية، وأدى لمواجاهات بينهم وبين الحكومة المصرية.
وبالتالي فإنه في الدول الإفريقية الغنية بالذهب تتحول الأرباح المليارية إلى وقود للجماعات المسلحة وعصابات التهريب، والتي تتسبب في كوارث أمنية وإنسانية وانهيارات مميتة للمناجم غير النظامية، وتودي بحياة المئات، وبالتالي فإن التدخلات الخارجية في القارة تسعى للاستحواذ على هذا المعدن النفيس وتشعل الحروب والصراعات داخل القارة والتي تزهق من ورائها أرواح البشر ويشرد الملايين ، وتهدر المليارات من موارد دول القارة.
وتتخذ حروب الذهب في القارة الأفريقية أشكالًا متعددة، من أبرزها انتشار التعدين العشوائي والتقليدي في ظل غياب معايير السلامة والرقابة، الأمر الذي يؤدي إلى كوارث إنسانية مروعة، كان من بينها مقتل أكثر من 100 شخص جراء انهيار منجم «زامبوي» في جمهورية أفريقيا الوسطى.
كما تتجلى هذه الحروب في سيطرة جماعات مسلحة على المناجم، كما يحدث في السودان، فضلًا عن استغلال المناجم المهجورة في جنوب أفريقيا وسرقة كميات كبيرة من الذهب لتمويل شبكات الجريمة المنظمة. وفي منطقة الساحل الأفريقي، تستغل الجماعات المتطرفة والإرهابية قطاع التعدين الأهلي لفرض الإتاوات وتمويل عملياتها المسلحة.
وتفضي هذه الممارسات إلى تفاقم الفوضى الأمنية والخسائر البشرية، سواء نتيجة انهيارات المناجم والانفجارات داخل الأنفاق غير المرخصة، أو بسبب الصراعات المسلحة للسيطرة على مناطق إنتاج الذهب. كما تؤدي إلى تهريب كميات كبيرة من الذهب وإخراجها من الدورة الاقتصادية الرسمية للدول الأفريقية إلى الأسواق السوداء العالمية، بما يحرم الاقتصادات الوطنية من عائداتها، ويصب في مصلحة شبكات التهريب والجريمة المنظمة وبعض الجهات والشركات المستفيدة.
وفي الختام … تعد المشكلات السابق استعراضها ضمن هذه الورقة غيض من فيض، حيث تم التركيز على أهم المشكلات التي تعاني منها عدد من دول القارة الإفريقية، لاسيما في الآونة الأخيرة مع تأجج المنافسة والصراع على التوغل في القارة بين كبريات الدول والفاعلين الإقليميين والدوليين، وهنا نؤكد أن هذه الدول ستسعى للحفاظ على الأوضاع المتردية للقارة، لاستمرار استفادتها من هذه الأوضاع، ومنه تتأكد نظرية “التبعية” بكل عناصرها، دول فقيرة اقتصاديًا منتجة للمواد الخام الأولية تتبع الدول الأكثر تقدمًا، وتزودها بالخامات الأولية لتدعم تقدمها في مجال الصناعة، والاقتصاد، ومن ثم تصدر الدول المتبوعة أو التي يدان لها بالتبعية المنتج المصنع بأسعار باهظة لتلك الدول التابعة، بغض النظر عن التبعات الاقتصادية والسياسية والأمنية التي تفرزها هذه التبعية الرأسمالية في الدول المتخلفة المنتجة للموارد والمستغلة من قبل نظيرتها الغربية.

فرناز عطيه احمد
باحثة من دولة مصر، دكتوراه الفلسفة السياسية وهي متخصصة في الشؤون السياسية الإقليمية وناشطة نسوية



