
عالقون بالمنتصف
كتب رياض الفرطوسي
تضع قدمك الأولى في مطار المغادرة، فتسقط منك نسختك الأولى إلى الأبد. لا أحد يحذرك من هذه اللحظة؛ يعتقد الجميع أن الهجرة مجرد تذكرة طيران، وحقيبة تُحزم، ورماد بلاد نتركه خلفنا لنلتقط في الطرف الآخر شغف البدايات. لكن النص الذي يكتبه كل الغرباء على هذه الأرض، يختبئ في الفجوة غير المرئية بين ما تركناه وما لم نصل إليه بعد.
في رواية (موسم الهجرة إلى الشمال)، لم يكن مصطفى سعيد مجرد غريب يتنقل بين الخرطوم ولندن، بل كان جثة تشهد على بتر الروح. يناديك الشوق للعودة، تتخيل الرائحة، والطرقات، وضحكات الاصدقاء تحت شمس الأهل. تحسب أن بينك وبين الشفاء مجرد رحلة جوية، حتى تعود. وهناك، في اللحظة التي يفترض فيها أنك وصلت “الوطن”، يباغتك الذهول: الزحام ينهكك، التفاصيل التي كانت يوماً عادية تصبح ثقيلة على صدرك، وتطالبك العيون بمسافة وشيء من الخصوصية تعلمتها في الشمال سرداباً سرداباً. تكتشف الحقيقة القاسية التي صاغها ميلان كونديرا ببراعة الحزين في روايته (الجهل): لقد ظننت أنك تشتاق للوطن، بينما كنت في الحقيقة تشتاق لزمانك الراحل فيه. عاد (غوستاف) إلى براغ بعد عقود من الحنين ليجد تجار التحولات السياسية قد سرقوا حتى ملامح الألم القديم، فعاد أدراجه إلى فرنسا، مكسوراً بفكرة أن الوطن الذي بكيناه لم يعد موجوداً إلا في مخيلتنا.
إنها الفجوة ذاتها التي تخنق إيزابيل الليندي في (بلدي المخترع). عادت إلى تشيلي بحثاً عن أطياف بابلو نيرودا وفيكتور جارا، عن النقاء السياسي والجمال الريفي الذي تركت خلفها يوم الانقلاب. لكنها عثرت على غابات الإسمنت والبلاهة المادية؛ وجَدت بلداً بلا روح، فرأت أن تحلم بوطن أفضل ألف مرة من أن تراه محطماً أمامها. عادت أدراجها نحو واشنطن، نحو المنفى الذي شردها يوماً، لتكتشف أن أغرب ما في الهجرة هو أن المكان الذي نهرب منه يصير ذاكرتنا، والمكان الذي نلجأ إليه يصير غربتنا.
هذه العزلة الداخلية تُغير لسانك. حين تسأل شخصاً في أوروبا عن حاله، يقول لك بلغة محايدة تقيه الحسد والاقتراب: (So-so) أو (Es geht ) .وفي تشيلي أطلقت عليها الليندي (ماشي الحال) كنوع من حماية الآخرين من بهجتك المفاجئة. لكن الطين العراقي(حين ينشف الحلق وتضيق المسالك)يمنح الغربة مفردة أكثر قسوة وحسرة: (سودة مسخمة) أو(طياح حظ). كلمة تلخص كيف يمكن لمجتمع بأكمله أن ينفى داخل حدوده، فتصير الإجابة لغزاً لا تفهمه لغات الأرض المترفة.
المنفى الحقيقي ليس مسافة بالكيلومترات، بل هو “مناخ الخطأ” الذي تحصر نفسك فيه. هو منفى اللغة عندما تتكلم بلسان وتفكر بآخر، ومنفى المشاعر عندما تصبح مدفناً متجولاً لرغباتك الكتمى. أن تنفى مكانياً أهون كثيراً من أن تنفى داخل جسدك. والنجاة هنا لا تتم بالأوهام؛ النجاة تحتاج قسوة تشبه (قسوة النسور حين تكسر مناقيرها الهرمة على الصخر لتنبت مناقير جديدة وتستمر في الطيران)، أو الأفاعي حين تسلخ جلدها القديم كي لا تخنقها تحولاتها.
إذا وجدت نفسك اليوم واقفاً في المنتصف، لا قادر على الرجوع كاملاً لروح الطفل الذي كنت، ولا قادراً على الانتماء التام للمدينة الباردة التي تحتضنك، اعلم أنك لست وحدك. لقد مر من هنا أوفيد (الشاعر الروماني المُبعد إلى البحر الأسود) قديماً في منفاه القاسي، وحين أدرك أن الجغرافيا خذلته، كتب: (أعيش مع حفنة كتب قليلة، وأحاور الموتى).
لو سألتني اليوم: “كيف الحال؟”
لن أكذب عليك بإجابة جاهزة لتهدئة روعك. سأقول لك إننا نعيش في ذاكرتين، ونحمل حكايتين، ونمشي على أسرّة من شوك الحنين. لقد تغيرت البلاد، وتغيرنا نحن، وطريق العودة قد يظل مفتوحاً على الخريطة… لكن الشخص الذي خرج منه قبل سنوات، هو الوحيد الذي لن يعود أبداً.



