
الخطيب للسفير الأميركي: انظروا إلى لبنان بعيون لبنانية لا بعيون إسرائيلية
سعيد فارس السعيد؛
لم يكن اللقاء الذي جمع العلامة الشيخ علي الخطيب، نائب رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى، بالسفير الأميركي في بيروت، في مقر المجلس بالحازمية، لقاءً بروتوكولياً عابراً.
فاللقاء الذي امتد لأكثر من ساعة ونصف حمل نقاشاً سياسياً ووطنياً عميقاً، وكان فيه كلام العلامة الخطيب واضحاً وصريحاً، مدعوماً بحجج ومواقف يصعب تجاوزها أو الالتفاف عليها.
لقد تحدث العلامة الخطيب مع السفير الأميركي من موقع المسؤولية الوطنية، لا من موقع الانفعال، ووضع أمامه أسئلة لبنانية حقيقية، ربما لم يسمعها بهذه المباشرة والوضوح من قبل.
وكان جوهر الرسالة:
كيف تحتل إسرائيل أرضي، وتهجّر وتقتل أهلي، ثم تريد مني أن أتخلى عن سلاحي؟
____هذا السؤال وحده كفيل بإعادة ترتيب النقاش كله.
فبدلاً من أن يبدأ النقاش من «سلاح المقاومة»، وضع العلامة الخطيب السفير أمام السؤال الذي يسبق السلاح:
____لماذا يوجد احتلال أصلاً؟
ولماذا يُطلب من اللبناني أن يتخلى عن وسائل الدفاع عن أرضه في الوقت الذي لا تزال فيه أرضه مهددة، وأهله عرضة للعدوان والتهجير؟
وهنا تصبح القضية أكثر من مجرد خلاف سياسي حول السلاح.
إنها قضية أرض واحتلال وعدوان وسيادة وحق شعب في حماية نفسه وأرضه.
___والعلامة الخطيب لم يتوقف عند ذلك، بل وضع أمام السفير الأميركي سؤالاً آخر أكثر إحراجاً:
([كيف تتعامل أميركا بازدواجية المعايير، فتنظر إلى ما هو حلال لإسرائيل وكأنه حرام على لبنان؟])
فإذا كانت إسرائيل تبرر امتلاك القوة والسلاح بحجة حماية أمنها، فلماذا يُطلب من اللبناني أن يتخلى عن وسائل القوة والدفاع بينما أرضه محتلة وأهله مهددون؟
وإذا كان الأمن الإسرائيلي يُقدَّم باعتباره حقاً مشروعاً لا يجوز المساس به، فلماذا لا يُنظر إلى أمن اللبنانيين وحقهم في أرضهم وحماية أهلهم بالمعيار نفسه؟
هذه الأسئلة هي التي أراد العلامة الخطيب أن تصل إلى السفير الأميركي مباشرة.
لم يكن الخطيب يدافع عن السلاح فقط
المهم هنا أن العلامة الخطيب لم يذهب إلى السفير الأميركي ليقدم خطاباً دفاعياً عن السلاح بمعزل عن أسبابه.
بل أعاد السلاح إلى سياقه الطبيعي:
[الأرض أولاً، والاحتلال أولاً، والعدوان أولاً،
ثم يأتي الحديث عن السلاح.
وهذه نقطة بالغة الأهمية.
لأن اختزال القضية اللبنانية في
«سلاح المقاومة»
يعني تجاهل السؤال الأكبر:
___ماذا عن الاحتلال؟ __ماذا عن الاعتداءات؟
__ماذا عن الأرض اللبنانية؟
__ماذا عن أهل الجنوب؟
__وماذا عن حقهم في العودة إلى أرضهم والعيش فيها بأمان وكرامة؟
وهنا كانت قوة خطاب العلامة الخطيب.
لقد نقل النقاش من السؤال الذي تريد بعض الخطابات الخارجية فرضه:
«متى تتخلون عن السلاح؟»
إلى السؤال الذي يجب أن يُطرح أولاً:
«متى ينتهي الاحتلال والعدوان، ومتى تصبح الأرض اللبنانية آمنة فعلاً؟»
___تصحيح الصورة الأميركية عن البيئة الشيعية.
ومن هنا، فإن لقاء العلامة الخطيب بالسفير الأميركي لم يكن موجهاً إلى الأميركي وحده.
إنه يحمل رسالة إلى البيئة الشيعية اللبنانية وإلى كل اللبنانيين.
فالعلامة الخطيب أراد أن يصحح الصورة الأميركية عن البيئة الشيعية، وأن يقول للأميركيين بوضوح:
( لا تنظروا إلى الشيعة اللبنانيين بعيون إسرائيلية).
ولا تنظروا إلى الجنوب من خلال الخرائط الأمنية الإسرائيلية.
ولا تنظروا إلى المقاومة باعتبارها مجرد «سلاح» منفصل عن تاريخ الاحتلال والعدوان وتضحيات أهل الجنوب.
فالبيئة الشيعية اللبنانية مكوّن وطني أصيل، لها تاريخها وحضورها وتضحياتها وشهداؤها وأرضها وكرامتها، وهي جزء أساسي من لبنان.
والشيعة اللبنانيون ليسوا مجرد «بيئة» أمنية يمكن اختصارها في تقرير أو توصيف سياسي.
إنهم مواطنون لبنانيون لهم حقوقهم الكاملة، ولهم رؤيتهم الوطنية، ولهم الحق في أن يسمع العالم موقفهم مباشرة، لا من خلال الرواية الإسرائيلية.
____السفير سمع كلاماً مختلفاً
ولعل اللافت أن أثر هذا اللقاء لم يظهر فقط داخل مكتب العلامة الخطيب، بل ظهر أيضاً في الكلام الذي صدر عن السفير الأميركي بعد اللقاء.
فالسفير خرج إلى الصحفيين بلغة شديدة الحذر، وتحدث عن
«مصلحة البيئة الشيعية»
وعن عودة الجنوب إلى أصحابه، بينما نقلت تقارير عن حديثه عدم معرفته بكيفية الوصول إلى نتيجة مع «قسم من الطائفة».
واللافت أيضاً أن حديثه بعد اللقاء لم يتحول إلى هجوم تقليدي على المقاومة أو إلى تكرار خطاب سابق حول سلاح حزب الله، بل بدا أن النقاش الذي سمعه من العلامة الخطيب دفعه إلى استخدام لغة أكثر ارتباطاً بالبيئة الشيعية والجنوب ومستقبل أهله.
وهذه بحد ذاتها دلالة سياسية.
فالعلامة الخطيب لم يسمح بأن يبقى الحوار محصوراً في الصورة التي تريدها إسرائيل عن لبنان.
___لقد فتح أمام السفير الأميركي نافذة أخرى:
لبنان كما يراه اللبنانيون، والجنوب كما يراه أهله، والشيعة كما يعرفون أنفسهم، والمقاومة ضمن سياق تاريخ طويل من الاحتلال والعدوان والدفاع عن الأرض.
___رسالة إلى أميركا.
الرسالة التي حملها العلامة الخطيب يمكن اختصارها بكلمات واضحة:
نحن لا نطلب من الولايات المتحدة أن تتبنى كل مواقفنا.
ولكننا نطلب منها أن تكون عادلة في رؤيتها.
أن ترى لبنان كما هو، لا كما تريد إسرائيل أن يكون.
__أن تسمع اللبناني قبل الإسرائيلي.
__أن تنظر إلى أمن اللبناني كما تنظر إلى أمن الإسرائيلي.
___وأن تتوقف عن اعتماد معيارين مختلفين عندما يتعلق الأمر بحقوق الشعوب في الدفاع عن أرضها.
فليس منطقياً أن يكون ما تعتبره إسرائيل «دفاعاً عن النفس» حقاً مشروعاً، بينما يتحول دفاع اللبناني عن أرضه وأهله إلى مشكلة يجب التخلص منها.
وليس منطقياً أن يُطلب من شعب أن يتخلى عن كل وسائل الدفاع، بينما لا يزال الاحتلال والتهديد والعدوان قائماً.
___الجنوب أولاً.
ومن هنا، فإن موقف العلامة الخطيب من الجنوب لا يمكن فصله عن كل ما قاله للسفير الأميركي.
فالجنوب ليس ورقة تفاوض.
وليس منطقة عازلة.
وليس أرضاً يمكن التعامل معها وفق الحسابات الأمنية الإسرائيلية.
الجنوب أرض لبنانية، وأهله أصحابها، وشهداؤه جزء من تاريخ لبنان، ومن حق أبنائه أن يعودوا إلى بيوتهم وأن يعيشوا على أرضهم بأمان وكرامة.
ولذلك فإن الحديث عن نزع السلاح قبل معالجة الاحتلال والعدوان يشبه مطالبة صاحب البيت بالتخلي عن وسيلة دفاعه بينما المعتدي لا يزال واقفاً على عتبة منزله.
خلاصة القول :
لقد دخل العلامة الشيخ علي الخطيب من خلال اللقاء مع السفير الأميركي حاملاً قضية وطنية واضحة، وخرج منها النقاش إلى مساحة أوسع من مجرد الحديث عن المقاومة وسلاحها.
لقد قال للسفير، بصورة مباشرة وواضحة:
إذا كنتم تريدون من اللبناني أن يتخلى عن سلاحه، فعليكم أولاً أن تفسروا له كيف ستضمنون أرضه وأمنه وكرامته، وكيف ستوقفون الاحتلال والعدوان.
وقال له أيضاً، في جوهر الموقف:
[إذا كانت إسرائيل تمتلك الحق في الدفاع عن نفسها وفق رؤيتكم، فلا يجوز أن يصبح هذا الحق محرّماً على لبنان].
وهنا تكمن أهمية ما فعله العلامة الخطيب.
لقد حاول أن يصحح ليس فقط موقفاً سياسياً أميركياً، وإنما الصورة الأميركية عن لبنان والجنوب والبيئة الشيعية والمقاومة.
___وأن يقول بوضوح:
انظروا إلى لبنان بعيون لبنانية، لا بعيون إسرائيلية.
فحين يسمع السفير الأميركي هذه الأسئلة مباشرة، وبحجج واضحة، من مسؤول ديني ووطني لبناني، يصبح من الصعب أن يبقى النقاش أسير الصورة النمطية التي رُسمت عن الشيعة والمقاومة والجنوب.
وهذا هو جوهر أهمية اللقاء:
“أن يسمع الأميركي صوتاً لبنانياً واضحاً يقول له إن العدالة لا تتجزأ، وإن السيادة لا تكون انتقائية، وإن ما يكون حقاً لإسرائيل لا يمكن أن يتحول تلقائياً إلى حرام على لبنان.”



